هذا ما عهد به أمير المؤمنين الى فلان بن فلان حين ولاه الحرب والاحداث بناحية كذا [وكذا] «٣١» . أمره بتقوى الله، وخشيته في سر أمره وعلانيته، والاعتصام به والعمل بطاعته، والاصلاح ما بينه، وبينه بالعمل الزكي والخلق الرضي.
وأمره أن يتعهد نفسه في تطهير مذهبه، والمحافظة على دينه، وأمانته والعلم بأنه لا حول ولا قوة الا بالله، في جميع تصرفه وسائر تقلبه. وان أمير المؤمنين لم يوله ما ولاه، الا رجاء أن يكون عنده من الضبط والكفاية، والذب والسياسة ما يرأب به أهل العبث والفساد، وتصلح معه الرعية والبلاد.
وأمره أن يتجنب مساخط الله ومحارمه، ويتعدى مناهيه ومأثمه، وكف من معه من الجند والحاشية، عن التخطي الى ظلم أحد من الرعية، ومساواتهم بأذية وبحضهم على لزوم الاستقامة، وسلوك نهج الطاعة، ومقارعة أعداء الله في البلاد، والتصنع لهم بأفضل العدة والعتاد.
[ ٤٤ ]
وأمره أن يحسن صحبة من تبعه من الجنود، بتعهدهم في البعوث، وان يكثر عرضهم ويتفقد دوابهم، وأسلحتهم وأخذهم باستجادتها والثقة فيها، فان ذلك مما يزيد الله أهل السلامة «٣٢» تمسكا بها، وأهل الدعارة تنائيا عنها.
وأمره أن يعرف لقواد أمير المؤمنين وشيعته حقوقهم، وينزلهم منازلهم، ويزيد في اكرامهم ورفع مقاديرهم، فان ذلك مما يشحذ نياتهم، ويزيد في بصائرهم.
وأمره بأن لا يأخذ أحدا بقرف أو تهمة دون أن يكون من أهل الريب والظنة. وان لا يعاقبه بشبهة دون أن تظهر له الدلائل البينة، والعلامات الواضحة. وأن لا يأخذ أهل التصون والسلامة، بجرائم الدعار، وذوي المفسدة
وأمره أن يبسط الامان لمن أتاه سلما، ولا يجعل ذلك الى الغدر بهم سلما، ويحذر أن يسمع عنه من استعمال الحيل والمواربة، ما يقابل عليه بالرواغ من واجب المطالبة.
وأمره أن يتعهد ثغوره وفروجه، وأطرافه ومصالحه، ويحترس من اختلال يقع فيها، ويوليها من له الحنكة والتجربة بمثلها.
وأمره أن يكثر مطالعة أعماله بنفسه، وثقات من تبعه، وان يتيقظ في ذلك تيقظا يزيد الريبة ويمنع الغفلة ويصد عن الغرة.
وأمره أن لا يمضي حدا، أو ينفذ حكما في قود ولا قاص، الا ما استطلع فيه رأي أمير المؤمنين، وانتظر من الاجابة ما يكون عليه عمله وعنده وقوفه.
[ ٤٥ ]
وأمره أن يمنع الجند من التنزيل على أحد من الرعية في منزله، وان يشاركوه فيه «٣٣» مع أهله الا أن يكون ذلك بأذنه وطيب نفسه، وان يتخطوا الزروع أن يطأها أحد منهم بدابته، ويجعلها طريقه في مقصده، والا يأخذوا الاتبان من أهلها الا بأثمان ورضى أصحابها.
وأمره أن يتعهد من في حبوسه «٣٤» ويعرضهم، ويفحص عن جرائرهم التي من أجلها وقع حبسهم، بمشهد من قاضي البلد، ونفر من أهل الثقة والنظر. فمن كان بريئا، أو جرمه لا يوجب اطالة حبسه أطلقه، ومن كان من حقه ان بالحبس عن الناس أذاه وشره تعمد في السجن مصلحته، ومن أشكل عليه أمره، أنهى خبره الى أمير المؤمنين ليصدر اليه من الراي ما يكون عمله بحسبه.
وأمره، أن ينظر فيما لم يكن عهد فيه اليه شيئا مما قبله، فليجاره، ويستطلع في ذلك من الراي، ما يأتيه الجواب عنه بما يمتثله.
وأمره أن يقرأ عهده هذا «٣٥» على من قبله، ويعلمهم حسن رأي أمير المؤمنين فيهم، وتوخيه صلاحهم وايثاره الاحسان اليهم والعدل عليهم، ورفع الضيم عنهم، والمجاهدة لعدوهم والمرماة دونهم: هذا عهد أمير المؤمنين اليك وأمره إياك فافهمه (وقف) «٣٦» عنده، وأتبع مواقع الارشاد منه، وكن عند ظن أمير المؤمنين بك، وتقديره فيك، وما رجاه عندك من النصيحة، وتأدية الامانة ومقابلة الصنيعة. وأمير المؤمنين يسأل
[ ٤٦ ]
الله توفيقك، وإرشادك واحسان معونتك في جميع ما أسنده اليك من أمر حربه، وعمله قبلك «٣٧»، وكتب فلان بن فلان باسم الوزير، وأسم أبيه في وقت كذا.