هذا ما عهد أمير المؤمنين، الى فلان حين ولاه الثغر الفلاني وبحره ومراكبه، أمره بتقوى الله وطاعته، والحذر من عقابه، واتباع مرضاته، وايثار الحق في جميع أفعاله فان الحق أحرز عصمة ووزر، وأحصل موئل وعصر.
وأمره بتعهده نفسه حتى يقيم أودها ينفى بذكر الله الهوى، وزيع الشيطان عنها، وان يزكي «٣٨» سجيته ويطهرها، ويهذب سيرته «٣٩» ويثقفها ويكون لمن معه من الجند وسائر الاولياء في الخير «٤٠» أماما ومعلما، وعلى سلوك أفضل المناهج حاضا ومقوما.
وأمره أن يلين لاهل الطاعة ويشتد على ذوي المعصية، ويعطي على كل حال قسطها من النصفة والمعدلة.
وأمره أن يكون الاذن عليه لمن معه من الجند مبذولا، والوصول اليه من ذوى الحاجات والظلمات سهلا يسيرا.
وأمره أن يستعمل على شرطته من يرضي عقله وعفافه، ويثق بجزالته وصرامته وشدته على أهل الريب والدعارة.
[ ٤٧ ]
وأمره، أن يديم عرض جنده حتى يعلم علمهم ويطلع على حقيقة أمرهم، ويلزمهم مراكبهم.
وأمره أن يشرف على مراقبه ومحارسه، حتى يحكم أمر المرتبين فيها ويدر عليهم أرزاقهم، ولا يتأخر «٤١» عنهم بشيء منها.
وأمره أن يتفقد أمر المراكب المنشأة حتى يحكمها ويجود آلاتها، ويتخير الصناع لها، ويشرف على ما كان منها في الموانيء، ويرفعها من البحر الى الشاطئ في المشاتي، وهيج الرياح المانعة من الركوب فيها.
وأمره، أن تكون فواثيره «٤٢» وعيونه الذين يبعث بهم، ليعرف أخبار عدوه من ذوي الصدق «٤٣»، والنصيحة، والدين، والامانة والخبرة، بالبحر وموانيه، ودخلاته ومخابئه، حتى لا يأتوا الا بالصدق من الخبر، والصحيح من الاثر، وان رهقتم من مراكب العدو ومما لا قوام لكم به، فانحازوا الى المواضع التي يعرفونها، ويعلمون النجاة بالانحياز اليها.
وأمره أن لا يدخل في النفاطين، والنواتية والقذافين، ولا في غيرهم، من ذوي الصناعات والمهن في المراكب، الا من كان طبا ماهرا، حاذقا صبورا معالجا، وأن يكون من يحمله معه في المراكب، أفاضل الجند وخيار الاولياء، أصدق نية واحتسابا وجرأة، على العدو وارتكابا.
[ ٤٨ ]
وأمره، أن ينظر في صناعة المراكب، نظرا يستكشف به آلاتها من الخشب، والحديد والمشاقة «٤٤» والزفت وغيره. حتى يحكمها ويجيد بناء المراكب وتأليفها، وقلفطتها وتركيبها، ويستجيد المقاذيف ويجيرها، وينتقي الصواري والقلوع، وينتخبها ويميز النواتية، ويعتمد من له الحذق والدربة منهم، والحنكة والتجربة من جميعهم، حتى لا يدخل فيهم من لا يصلح دخوله، ولا يخلط بهم من يكون غيره أحق بالعمل منه.
وأمره أن يحترس، من ان تنفذ «٤٥» للعدو حيلة، في اجتناب الاسلحة أو شيء من أدوات الحرب، والمكيدة من أرض الاسلام، أو ان يطلق لاحد من التجار حمل شيء اليهم، أو أقامة الطريق الى بلدهم، ومن وجدة قد أقدم على هذا، وما جانسه من الناس جميعا، عاقبة عقوبة موجعة، وجعله نكالا وعظة.
وأمره أن يضم المراكب في الموانيء التي ترسو فيها، ويولي مراعاتها من يثق بنصيحته وشهامته، حتى لا يخرج منها مركب الا بعلمه، ولا يدخل فيها غيرها الا بأذنه.
وأمره أن يحصى ما في الخزائن من الاسلحة، ويشرف عليها في كثير من الاوقات حتى تكون على هيئتها مجلوة، مسنونة، مقومة، موصوفة، متعاهدة مصونة الى وقت الحاجة اليها، والعمل بها، ويشرف على ما فيها من النفط، والبلسان والحبال وغيرها، من سائر الآلات والادوات، حتى يحتاط في ظروفها وأوعيتها. ويأمن الفساد والتغيير عليها.
[ ٤٩ ]
وأمره بشدة الحذر، من جواسيس العدو وعيونه، وان يوكل «٤٦» بكل مدينة من يعلم حالها ولا يطلق لاحد من البوابين، والحرس أن يدخلها الا من يعلمون حاله، وسبيل مدخله وصورته ومغزاه وارادته.
هذا عهد أمير المؤمنين اليك، وأمره إياك فأفهم، واعلم عمل بما حده، ورسمه وكن عند أحسن ظنه بك في جميعه، وهو يسأل توفيقك وارشادك الى ما فيه الخير في جميع ما أسنده اليك، واعتمد فيه عليك، وكتب فلان بن فلان.