كتاب الصلاة
أول وقت الظهر الزوال وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فئ الزوال وأول وقت العصر وآخره مادامت الشمس بيضاء نقية وأول وقت المغرب غروب الشمس وآخره ذهاب الشقف الأحمر وهو أول العشاء وآخره نصف الليل وأول الفجر إذا انشق الفجر وآخره طلوع الشمس ومن نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها ومن كان معذورا وأدرك ركعة فقد أدركها والتوقيت واجب والجمع لعذر جائز والتيمم وناقض الصلاة أو الطهارة يصلون كغيرهم من غير تأخير وأوقات الكراهة بعد الفجر حتى ترفع الشمس وعند الزوال وبعد العصر حتى تغرب.
أقول: أما تعيين أول الأوقات وآخرها فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة من تعليم جبريل ﵇ له ﷺ ومن تعليمه صلى لمن سأله عن ذلك وغير ذلك من أقواله وأفعاله.
وأما كون آخر وقت العصر مادامت الشمس بيضاء نقية فإذا اصفرت خرج وقت العصر فلما ورد في ذلك من الأحاديث منها حديث ابن عمر قال: "قال رسول الله ﷺ: وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر ووقت صلاة العصر مالم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب مالم يسقط نور الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر مالم تطلع الشمس" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود ولا يخالف١
_________________
(١) ١ لا يخفى أنه إذا حكم على وقت بكونه آخر وقت شيء، ثم حكم على وقت متأخر عنه بأنه آخر وقت ذلك الشيء، فإن المنافاة التي هي عبارة عن عدم صدق كل منهما مع الآخر ثابتة، إذ =
[ ١ / ٧١ ]
ما وقع في هذا الحديث في آخر وقت صلاة العصر والعشاء ما ورد في بعض الأحاديث "أن آخر وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه وآخر وقت العشاء ذهاب ثلث الليل" فإن هذا الحديث قد تضمن زيادة غير منافية للأصل، لأن وقت اصفرار الشمس هو متأخر عن المثلين إذ هي تبقى بيضاء نقية بعد المثلين وكذلك نصف الليل هو متضمن لزيادة غير منافية لما وقع في رواية بلفظ "ثلث الليل" على أن الرواية المتضمنة للزيادتين هي أصح من الأخرى.
وأما كون وقت صلاة من نام عنها أو سها هو وقت الذكر فقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة كحديث أنس ﵁ عند البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما وحديث أبي هريرة رضي الله
عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره وقد ورد هذا المعنى من غير وجه.
وأما كون إدراك ركعة من الصلاة إدراك الصلاة فلما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة كحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" وهو في الصحيحين وغيرهما ونحو ذلك حديث عائشة عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره.
وقد ثبت من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ "من أدرك ركعة من الصلاة فقد١ أدرك الصلاة" وهذا يشمل جميع الصلوات لا يخص٢ شيئا منها.
_________________
(١) = ذاك يقتضي خروج ما بعده من كونه وقتا، وذلك يقتضي دخوله. فالأولى التعويل على أن المشتمل على الزيادة أرجح كما يأتي، وهو الذي عول عليه المحققون. والله أعلم. من خط العمراني ﵁. ١ولكن هذا الحديث في إدراك اللاحق في الجماعة ركعة مع الإمام في الوقت. ولم يرد ذلك في الوقت إلا في العصر والصبح. فهل يصح قياس سائر الصلوات عليهما وإن لم يدرك في الوقت إلا ركعة فهو مدرك للصلاة؟ من خط العلامة حسن بن يحيى قدس سره العزيز. ٢ وأحسن من هذا أن يكون لأجل الجمع بين الأحاديث: يحمل الوقت الأول على الاختيار لمن لا=
[ ١ / ٧٢ ]
وأما تقييد ذلك بالمعذور فلأن الأوقات للصلوات قد عينها الشارع وحدد أوائلها وأواخرها بعلامات حسية وجعل ما بين الوقتين لكل صلاة هو الوقت لتلك الصلاة وجعل الصلاة المفعولة في غير هذه الأوقات المعينة صلاة المنافق وصلاة الأمراء الذين يميتون الصلاة كقوله: في حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا".
وكقوله: ﷺ لأبي ذر ﵁ "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة أو يؤخرون الصلاة عن وقتها قلت فما تأمرني قال: "صل الصلاة لوقتها" الحديث ونحو ذلك وهكذا أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر فكان ما ذكرناه دليلا على أن إدراك الركعة في الوقت الخارج عن الأوقات المضروبة كوقت طلوع الشمس وغروبه وطلوع الفجر هو خاص بالمعذور كمن مرض مرضا شديدا لا يستطيع معه تأدية الصلاة ثم شفي وأمكنه إدراك ركعة وكالحائض إذا طهرت وأمكنها إدراك ركعة ونحو ذلك.
وأما كون التوقيت واجبا فلما ورد في ذلك من الأوامر الصحيحة بتأدية الصلاة لوقتها والنهي عن فعلها في غير وقتها المضروب لها والجمع بين الصلاتين إذا كان صوريا وهو فعل الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها فليس بجمع في الحقيقة لأن كل صلاة مفعولة في وقتها المضروب لها وإنما هو الجمع في الصورة ومنه جمعه ﷺ في المدينة من غير مطر ولا سفر كما في الصحيح من حديث ابن عباس وغيره فإنه وقع التصريح في بعض الروايات بما يفيد ذلك بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري وقد
_________________
(١) = عذر له. والوقت الآخر على الاضطراب لمن له عذر. كما بنى عليه في الشرح المنتقى. من خط العلامة حسن بن يحيى قدس سره.
[ ١ / ٧٣ ]
أوضحنا ذلك في رسالة مستقلة فالمراد بالجمع الجائز للعذر هو جمع المسافر والمريض وفي المطر كما وردت بذلك الأدلة الصحيحة وقد اختلف في جواز الجمع بين الصلاتين بغير هذه الأعذار ومع عدم العذر والحق عدم جواز ذلك.
وأما كون المتيمم وناقص الصلاة كمن به مرض يمنعه من استيفاء بعض أركانها وناقص الطهارة كمن في بعض أعضاء وضوئه ما يمنعه من غسله بالماء ويصلون كغيرهم من غير تأخير فوجهه أنهم داخلون في الخطاب المشتمل على تعين الأوقات وبيان أولها وآخرها ولم يأت مايدل على أنهم خارجون عنها وأن صلاتهم لاتجزئ إلا في آخر الوقت ولم يعول من أوجب التأخير على شيء تقوم به الحجة بل ليس بيده إلا مجرد الرأي البحت كقوله: إن صلاتهم بدلية ونحو ذلك وهذا لا يغني من الحق شيئا.
وأما كون أوقات الكراهة بعد الفجر حتى ترفع الشمس وعند الزوال وبعد العصر حتى تغرب الشمس فما ثبت في الصحيح عن جماعة من الصحابة مرفوعا من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وعند الزوال وورد في روايات أخر النهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات وقت الطلوع ووقت الزوال ووقت الغروب.
[ ١ / ٧٤ ]