لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر فذات العادة المتقررة تعمل عليها وغيرها ترجع إلى القرائن فدم الحيض يتميز من غيره فتكون حائضا إذا رأت دم الحيض ومستحاضة إذا رأت غيره فهي كالطهارة وتغسل أثر الدم وتتوضأ لكل صلاة والحائض لا تصلي ولا تصوم ولا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر وتقضي الصيام.
أقول: ما ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما إما موقوف ولا تقوم به حجة أو مرفوع ولا يصح فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه بل المعتبر لذات العادة المتقررة١ هو العادة وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم وقد صح في غير حديث اعتبار الشارع للعادة كحديث "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" أخرجه
_________________
(١) ١ظاهره أن المتقرر لها عادة لا تعمل بالصفة أصلا، بل متى انقضت عدة العادة فهو طهر، والذي في الحديث إنما هو فيمن قد استحيضت، وعلى كلام الشارح إذا استحيضت هذه التي قد تقررت عادتها، فبم تعرف أنها مستحاضة إذا جاوز الدم عادتها وهو على صفته؟ فإن قال بمجاوزتها أكثر مدة الحيض، فهو لا يقول بذلك، وإن قال بمخالفته لصفة دم الحيض، أنها تطهر ولعله لا قائل بذلك، لأن هذه تغير في العادة بزيادة أو نقصان كما هو الغالب، فالصواب أنها تعمل بالصفة ما دامت على صفة الحيض، وإن جاوزت العادة حتى ينقلب عن صفته إلى صفة دم الاستحاضة. والله أعلم. من خط العلامة الحسن بن يحيى قدس الله سره.
[ ١ / ٦٧ ]
البخاري رحمه الله تعالى وغيره من حديث عائشة ﵂ وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديثها نحو ذلك وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أم سلمة "أنها استفتت النبي ﷺ في امرأة تهراق الدم فقال: لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة" وهو حديث صالح للاحتجاج به وكذلك حديث زينب بنت جحش "أن النبي ﷺ قال: في المستحاضة تجلس أيام أقرائها" أخرجه النسائي والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وأما الرجوع إلى القرائن المستفادة من الدم فلحديث فاطمة بنت أبي حبحش "أنها كانت تستحاض فقال: لها النبي ﷺ إن كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي والحاكم أيضا بزيادة "فإنما هو داء عرض أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع" فالمستحاضة وهي التي يستمر خروج الدم منها تعمل على العادة المتقررة فتكون فيها حائضا يثبت لها فيه أحكام الحائض وفي غير أيام العادة طاهرا لها حكم الطاهر كما أفادت ذلك الأحاديث الصححية الواردة من غير وجه فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمبتدأة والملتبسة عليها عاداتها فإنها ترجع إلى التمييز فإن دم الحيض أسود يعرف كما قال: ﷺ فتكون إذا رأت دما كذلك الحائض وإذا رأت دما ليس كذلك طاهرا وقد أطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل وكثرت فيه التفريعات والتدقيقات والأمر أيسر من ذلك وأما كون المستحاضة تغسل أثر الدم فلقوله: ﷺ في حديث عائشة الثابت في الصحيح "فاغسلي عنك الدم وصلي" وقد ورد ما يفيد معنى ذلك من غير وجه.
وأما كونها تتوضأ لكل صلاة فذلك هو الذي ورد من وجه معتبر وإذا جمعت بين الصلاتين فأخرت الأولى إلى آخر وقتها وقدمت الثانية في أول وقتها كان لها أن تصليهما بوضوء واحد ولم يأت في شيء من الأحاديث
[ ١ / ٦٨ ]
الصحيحة إيجاب الغسل لكل صلاة ولا لكل صلاتين ولا في كل يوم بل الذي صح إيجاب الغسل عند انقضاء وقت حيضها المعتاد أو عند انقضاء ما يقوم مقام العادة من التمييز بالقرائن كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما بلفظ "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وأما ما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى "أن أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة" فلا حجة في ذلك لأنها فعلته من جهة نفسها ولم يأمرها ﷺ بذلك بل قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي" فإن ظاهر هذه العبارة أنها تغتسل بعد المكث قدر ما كانت تحبسها الحيضة وذلك هو الغسل الكائن عند إدبار الحيضة وليس فيه ما يدل على أنها تغتسل لكل صلاة وقد ورد الغسل لكل صلاة من طرق لا تقوم بمثلها الحجة ولاسيما مع معارضتها لما ثبت في الصحيح ومع ما في ذلك من المشقة العظمية على النساء الناقصات العقول والأديان والشريعة سمحة سهلة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وأما كون الحائض لا تصلي ولا تصوم فلما ورد في ذلك من الأدلة الصحيحة كحديث "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وهو مجمع عليه.
وأما كونها لا توطأ فذلك نص الكتاب العزيز قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله: ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" وهو في الصحيح وهو مجمع على تحريم ذلك ليس فيه خلاف وتحريم الصلاة والصوم على الحائض وكذلك وطؤها هو إلى غاية هي الغسل بعد الطهر كما صرحت بذلك الأدلة.
وأما كونها تقضي الصيام فلحديث عائشة بلفظ: "فنؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وهو في الصحيحين وغيرهما. وقد نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على ذلك وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج
[ ١ / ٦٩ ]
أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة وليقدح في إجماع الأمة مخالفة هؤلاء الذين هم كلاب النار.
[ ١ / ٧٠ ]