يجب بخروج المنى لشهوة ولو بتفكر وبالتقاء الختانين وبالحيض وبالنفاس وبالاحتلام مع وجود بلل وبالموت وبالإسلام.
أما وجوب الغسل بخروج المنى لشهوة فقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة كأحاديث "الماء من الماء" وأحاديث "في المنى الغسل١" وصدق اسم الجنابة على ماكان كذلك وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] ولا أعلم في ذلك خلافا وإنما وقع الخلاف المشهور بين الصحابة وكذلك بين من بعدهم هل يجب الغسل بالتقاء الختانين من دون خروج منى أم لا يجب إلا بخروج المنى والحق الأول لحديث "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل٢" أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأخرج نحوه مسلم وأحمد والترمذي وصححه من حديث عائشة فهذان الحديثان وما ورد في معناهما ناسخان لما كان في أول الإسلام من أن الغسل إنما يجب بخروج المنى
_________________
(١) ١وهو في حديث علي ﵁ في سؤاله عن المذي، صححه الترمذي، ولكنه قد جاء في حديثه أيضا عند أحمد، وفيه: "إذا حذفت الماء فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفا فلا تغتسل". قال صاحب المنتقى: فيه تنبيه على أن ما يخرج لغير شهوة إما لمرض أو ابردة لا يوجب الغسل، وكان على الشارح أن ينبه على اشتراط كونه لشهوة هـ. من خط العلامة السيد الحسن بن يحيى قدس سره. قلت: يعني السيد أنه لا يكتفي بما في السنن من دون بيان وجيه في الشرح. ٢ أقول: وفي لفظ " وإن لم ينزل" كما في العمدة، وهي أصرح في المطلوب. لمحرره.
[ ١ / ٥٤ ]
ويدل على ذلك حديث أبي كعب قال: "إن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها١".
وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة جالسة فقال: رسول الله ﷺ "إني لأفعل أنا وهذه ثم نغتسل".
وأما وجوبه بالحيض فلا خلاف في ذلك وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر السنة وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بالنفاس وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بالاحتلام إلا ما يحكى عن النخعي ولكنه إنما يجب إذا أوجد المحتلم بللا كما في حديث عائشة قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال: يغتسل وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل فقال: لا غسل عليه" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال: خفيف وأخرج نحوه أحمد والنسائي من حديث خولة بنت حكيم.
وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما من حديث أم سلمة "أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت قال: "نعم إذا رأت الماء" وهذه الأحاديث ترد على من أعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ذلك.
وأما وجوبه بالموت فالمراد وجوب ذلك على الأحياء إذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن أي يجب على الأحياء أن يغسلوا من مات وقد حكى المهدي في البحر والنووي الإجماع على وجوب غسل الميت وناقش في ذلك بعض المتأخرين كالجلال مناقشة واهية وسيأتي الكلام على غسل الميت وصفته وتفاصليه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ رواه أحمد، وأبو داود.
[ ١ / ٥٥ ]
وأما وجوبه بالإسلام فوجهه ما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود وابن حبان وابن خزيمة عن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره رسول الله ﷺ أن يغتسل بماء وسدر وصححه ابن السكن. وأخرج أحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة أن ثمامة أسلم فقال: النبي ﷺ "اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل" وأصله في الصحيحين وليس فيهما الأمر بالاغتسال بل فيهما أنه اغتسل وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه وهو مذهب الهادي وأتباعه وذهب الشافعي إلى عدم الوجوب وبه قال المنصور بالله: والحق الأول ويؤيده ما وقع منه ﷺ من الأمر بالغسل عند الإسلام لواثلة بن الأسقع وقتادة الرهاوي كما أخرجه الطبراني وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب كما أخرجه الحاكم في تاريخ نيسابور وفي أسانيده مقال.
[ ١ / ٥٦ ]