إذا خالع الرجل امرأته كان أمرها إليها لا ترجع إليه بمجرد الرجعة ويجوز بالقليل والكثير مالم يجاوز ماصار إليها منه فلا ولا بد من التراضي بين الزوجين على الخلع أو إلزام الحاكم مع الشقاق بينهما وهو فسخ وعدته حيضة.
أقول: أما كون أمرها إليها بعد الخلع فلحديث ابن عباس عند البخاري وغيره أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته" قالت نعم: فقال رسول الله ﷺ "اقبل الحديقة وطلقها" وفي رواية لابن ماجه والنسائي بإسناد رجاله ثقات أنها قالت: "لا أطيقه بغضا فقال لها النبي ﷺ أتردين عليه حديقته قالت له نعم: فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ الحديقة ولا يزداد" وفي رواية للدارقطني بإسناد صحيح أن أبا الزبير قال: إنه كان أصدقها حديقة فقال: النبي ﷺ أتردين حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم وزيادة فقال: النبي ﷺ أما الزيادة فلا ولكن حديقته قالت: نعم" فهذه الفرقة إنما كانت بسبب ماافتدت به المرأة فلو لم يكن أمرها إليها كانت الفدية ضائعة وقد أفاد ماذكرناه أنه لايجوز للزوج أن يأخذ منها اكثر مما صار إليها منه وقد ذهب إلى هذا على وطاوس وعطاء والزهري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والهادوية وذهب الجمهور إلى أنه لايجوز أن يأخذ منها زيادة على ما أخذت منه استدلالا بقوله
[ ٢ / ٢٢٧ ]
تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] فإنه عام للقليل والكثير ويجاب بأن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لذلك وأما ما أخرجه البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله ﷺ فقال لها: "أتردين حديقته" قالت: وأزيد عليها فردت عليه حديقته وزادته" ففي إسناده ضعف مع أنه لا حجة فيه لأنه لم يقررها على تسليم الزيادة وأيضا قوله تعال: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يدل على منع الأخذ مما آتيتموهن إلا مع ذلك الأمر فلا بأس أن تأخذوا مما آتيتموهن لا كله فضلا عن زيادة عليه.
وأما كونه لا بد من التراضي بين الزوجين فلقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]
وأما اعتبار إلزام الحاكم فلارتفاع ثابت وامرأته إلى النبي ﷺ وإلزامه بإن يقبل الحديقة ويطلق ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] وهذه الآية كما تدل على بعث حكمين تدل على اعتبار الشقاق في الخلع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ويدل عليه قصة امرأة ثابت المذكورة وقولها أكره الكفر بعد الإسلام وقولها لا أطيقه بغضا فلهذا اعتبرنا الشقاق في الخلع.
وأما كونه فسخا فلحديث الربيع بنت معوذ عند النسائي في قصة امرأة ثابت أن النبي ﷺ قال له: "خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال: نعم فأمرها رسول الله ﷺ أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها" ورجال إسناد كلهم ثقات ولها حديث آخر عند الترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي صلى أمرها أن تعتد بحيضة" وفي إسناد محمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وأخرج الترمذي١ وأبوداود وحسنه عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة" وأخرج الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي الزبير وفيه "فأخذها وخلى سبيلها" قال: الدارقطني سمعه أبو الزبير من غير واحد فهذه الأحاديث كما تدل على أن العدة في الخلع حيضة تدل على أنه فسخ لأن عدة الطلاق ثلاث حيض وأيضا تخلية السبيل هي الفسخ لا الطلاق وأما ما وقع في بعض روايات الحديث أنه طلقها تطليقة فقد أجيب عن ذلك بجوابات طويلة وقد أودعتها شرح المنتقى فليرجع إليه.
_________________
(١) ١ بتقديم أبي داود فلينظر.! هـ من هاشم الأصل.
[ ٢ / ٢٢٩ ]