يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد وإذا قام ببلد مترردا قصر إلى عشرين يوما وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها وله الجمع تقديما وتأخير بأذان وإقامتين.
أقول: أما وجوب القصر فلحديث عائشة الثابت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر" فهذا يشعر بأن صلاة السفر باقية على الأصل فمن أتم فكأنه صلى في الحضر الثنائية أربعا والرباعية ثمانيا عمدا وثبت أيضا في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وكان النبي ﷺ يقتصر في جميع أسفاره على القصر.
وأما كونه يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد فوجهة أن الله سبحانه قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] والضرب في الأرض يصدق على كل ضرب لكنه خرج الضرب أي المشي لغير السفر بما كان يقع منه ﷺ من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه ولا يقصر ولم يأت في تعين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل يعد في مسيره إليه مسافرا قصر الصلاة وإن كان ذلك المحل دون البريد ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين والثلاث وما زاد على ذلك بحجة نيرة وغاية ما جاءوا به حديث "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذى محرم" وفي رواية " يوما وليلة"
[ ١ / ١٢٢ ]
وفي رواية بريدا. وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه والاحتجاج به مجرد تخمين وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن زيد الهنائي قال: "سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين" والشك من شعبة أخرجه مسلم ﵀ وغيره.
فإن قلت محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم هو كونه ﷺ سمى ذلك سفرا.
قلت تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا فقد سمى النبي ﷺ مسافة ثلث سفرا كما سمى مسافة البريد سفرا في ذلك الحديث باعتبار اختلاف الرواية وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا.
فإن قلت أخرج الدارقطني والبيهقي والطبراني من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان".
قلت في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر وهو متروك وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي.
وأما كونه إذا أقام المتردد ببلد قصر إلى عشرين يوما ثم يتم فوجهة أن من حط رحله بدار إقامة فقد ذهب عنه حكم السفر وفارقته المشقة فلولا أن الشارع سمى من أقام كذلك مسافرا وقال: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر" لما كان حكم السفر ثابتا له فالواجب الاقتصار في القصر مع الإقامة على المقدار الذي سوغه الشارع وما زاد عليه فللمسافر حكم المقيم يجب عليه أن يتم صلاته لأنه مقيم لا مسافر وقد أقام النبي ﷺ بمكة في غزوة الفتح قيل ثماني عشرة ليلة وقيل أقل من ذلك وفي صحيح البخاري وغيره تسع عشرة ليلة وأخرج أحمد وأبو داود من حديث جابر قال: "أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة" وأخرجه أيضا
[ ١ / ١٢٣ ]
ابن حبان والبيهقي وصححه ابن حزم والنووي فوجب علينا أن نقتصر على هذا المقدار ونتم بعد ذلك ولله در الحبر ابن عباس ما أفقهه وأفهمه للمقاصد الشرعية فإنه قال: فيما رواه عنه البخاري وغيره "لما فتح النبي ﷺ مكة أقام فيها تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين" قال: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا وإن زدنا أتممنا وأقول هذا هو الفقه الدقيق والنظر المبني على أبلغ تحقيق ولو قال: له جابر أقمنا مع رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلة نقصر الصلاة لقال: بموجب ذلك وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي.
وأما كونه إذا عزم على إقامته أربع أتم بعدها فوجهه ما عرفناك من أن المقيم لا يعامل معاملة المسافر إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع ويجب الاقتصار عليه وقد ثبت عنه مع التردد ما قدمنا ذكره أما مع عدم التردد بل العزم على إقامة أيام معينة فالواجب الاقتصار على ما اقتصر عليه ﷺ مع عزمه على الإقامة في أيام الحج فإنه ثبت في الصحيحين "٠أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى فلما أقام النبي ﷺ بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازما على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج كان ذلك دليلا على أن العازم على إقامته مدة معينة يقصر إلى تمام أربعة أيام ثم يتم وليس ذلك لأجل كونه ﷺ لو أقام زيادة على الأربع لأتم فإنا لا نعلم ذلك لكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة معينة لا يقصر إلا بإذن كما أن المتردد كذلك ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك ولا ثبت عن الشارع غيره واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابا شديدا وتباينت فيها الأنظار تباينا زائدا١.
وأما كون للمسافر الجمع تقديما وتأخيرا بأذان وإقامتين فوجهه ما ثبت في
_________________
(١) ١ أرى: هذا الذي رجحه شيخنا أبقاه الله أقوى المذاهب والله أعلم. هـ. لمحرره.
[ ١ / ١٢٤ ]
الصحيحين من حديث أنس قال: كان النبي ﷺ إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس صلى أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر١ ثم ركب" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم والدارقطني وحسنه الترمذي من حديث معاذ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعهما إلى العصر يصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار" وأخرج أحمد من حديث ابن عباس نحوه وزاد المغرب والعشاء وأخرجه أيضا البيهقي والدارقطني وصحح إسناده ابن العربي وتعقب بأن في إسناده من لا يحتج بحديثه وللحديثين طرق يقوي بعضها بعض وليس فيها من المقال: ما يبطل الاحتجاج بمجموعها ومن الجمع بين المغرب والعشاء٢ حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ كان إذا جد به السير أخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بينها وبين العشاء".
وأما كونه بأذان وإقامتين فلثبوت ذلك في الصحيحين في جمع مزدلفة٣.
_________________
(١) ١ هذا لفظ الصحيحين وزيادة " والعصر" ليس في الصحيحين. هـ: تلخيص. ٢ نبه ابن القيم في الهدى على أنه لم يثبت عنه ﷺ، الجمع في السفر مطلقا، بل في حال السير. وأما وهو مقيم في المحل، فلم يكن ذلك من هديه ﷺ. قلت: وهذا هو الذي دلت عليه هذه الأدلة وغيرها، فاستفيد منه أن مشروعية الجمع إنما ثبتت في السفر حال السير والعبور لا غير. والله أعلم. هـ. لمحرره. ٣ ومما ثبت من أحكام صلاة السفر: أنه إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم لما أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵄. "أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا أتم؟ فقال: تلك السنة" وأصله عند مسلم والنسائي بلفظ: " قلت لابن عباس: كيف أصلي إذا كنت في بمكة، إذا لم أصل مع الإمام؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم" وبوب البيهقي في سننه، باب، المقيم يصلي بالمسافر والمقيمين، ثم أخرج عن ابن عمر موقوفا: "أنه كان إذا كان مع الإمام صلى أربعا، وإذا صلى وحده صلى ركعتين" وأخرجه مسلم. وأخرج أيضا عن أبي مجلز قال: "قلت لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم - يعني المقيمين – أتجزئه الركعتان أو يصلي بصلاتهم؟ قال، فضحك وقال: يصلي بصلاتهم". وقد ذهب إليه زيد بن
[ ١ / ١٢٥ ]