ويجب دفن الميت في حفرة تمنعه من السباع ولا بأس بالضرح واللحد أولى ويدخل الميت من مؤخر القبر ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلا ويستحب حثو التراب من كل حضر ثلاث حثيات ولايرفع القبر زيادة على شبر والزيارة للموتى مشروعة ويقف الزائر مستقبلا للقبلة ويحرم اتخاذ القبور مساجد وتسريجها والقعود عليها وسب الأموات والتعزية مشروعة وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت.
أقول: أما مواراة جيفة الميت في قبر بحيث لا تنبشه السباع ولا تخرجه السيول المعتادة فلاخلاف في ذلك وهو ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا قال ﷺ "احفروا وأعمقوا وأحسنوا" أخرجه النسائي والترمذي وصححه.
وأما كونه لا بأس بالضرح واللحد أولى فلحديث أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح وأن أبا طلحة كان يلحد" وقد أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث أنس قال: لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فإيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا له" وإسناده حسن فتقريره ﷺ للرجلين في حياته هذا يلحد وهذا يضرح يدل على أن الكل جائز وأما أولوية اللحد فلحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اللحد لنا والشق لغيرنا" أخرجه أحمد وأهل السنن وقد حسنه الترمذي وصححه ابن السكن مع أن في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف وأخرج أحمد والبزار وابن ماجه من حديث جرير ونحوه وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف وقد ذهب إلى ذلك الأكثر وحكى النووى في شرح مسلم اتفاق العلماء على جواز اللحد والشق.
وأما كونه يدخل الميت من مؤخر القبر لحديث عبد الله بن زيد "أنه أدخل.
[ ١ / ١٤٤ ]
رجلا ميتا من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة" أخرجه أبو داود وأخرج ابن ماجه من حديث أبي رافع قال: سل رسول الله ﷺ سعد بن معاذ سلا" وقد روى الشافعي من حديث ابن عباس وأبو بكر اللحاد من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ سل من قبل رأسه سلا" وقد روى البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم أدخلوا النبي ﷺ من جهة القبلة وقد ضعفها البيهقي ولا يعارض السنة ما وقع من الصحابة عند دفنه ﷺ وأما كونه يوضع على جنبه الأيمن مستقبلا فهو مما لا أعلم فيه خلافا.
وأما كونه يستحب الحثو ثلاثا فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا" أخرجه ابن ماجه وأبو داود وإسناده صحيح لا كما قال أبو حاتم وأخرج البزار والدراقطني من حديث عامر بن ربيعة أن النبي ﷺ حثى على قبر عثمان بن مظعون ثلاثا" وفي الباب غير ذلك.
وأما كونه لا يرفع القبر زيادة على شبر فلحديث علي رضي الله تعالى عنه عند مسلم رحمه الله تعالى وأحمد وأهل السنن أنه بعثه رسول الله ﷺ على أن لا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه" وفي مسلم أيضا وغيره من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر" وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ رش على قبر ابنه أبراهيم ووضع عليه حصباء ورفعه شبرا".
وأما مشروعية زيارة القبور فلحديث "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكرة الآخرة" أخرجه الترمذي وصححه وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لعن زوارات القبور" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه وفي الباب عن
[ ١ / ١٤٥ ]
حسان بن ثابت عن أحمد وابن ماجه والحاكم وعن ابن عباس عند أحمد وأهل السنن والحاكم والبزار بإسناد فيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف وقد وردت أحاديث في نهي النساء عن اتباع الجنائز وهي تقوي المنع من الزيارة وروي في الأثرم في سننه والحاكم حديث عائشة أن النبي ﷺ رخص لهن زيارة القبور" وأخرج ابن ماجه عنها مختصرا أن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور" فيمكن أنها أرادت الترخيص الواقع في قوله ﷺ: "فزوروها" كما سبق فلا يكون في ذلك حجة لأن الترخيص العام لا يعارض النهي الخاص لكنه يؤيد ما روته عائشة ما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عنها أنها قالت: يارسول الله كيف أقول إذا زرت القبور؟ قال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين الحديث" وروى الحاكم أن فاطمة ﵂ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة" ويجمع بين الأدلة بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح وغيره والإذن لمن لم تفعل ذلك.
وأما كونه يقف الزائر مستقبلا للقبلة فلحديث أنه جلس رسول الله ﷺ مستقبلا القبلة لما خرج إلى المقبرة" أخرجه أبوداود من حديث البراء وهو ﷺ خرج في هذا الحديث مع جنازة فأفاد مشروعية قعود من خرج مع الجنازة مستقبلا حتى تدفن وكذلك مشروعية الاستقبال للزائر لكونه قد خرج إلى المقبرة كما يخرج من معه جنازة وقعد كما يقعد وقد كان ﷺ يقول عند الزيارة "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" فينبغي للزائر أن يقول كذلك.
وأما تحريم اتخاذ القبور مساجد فالأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما ولها ألفاظ منها "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي لفظ "قاتل الله اليهود الحديث" وفي لفظ "لا تتخذوا قبري مسجدا" وفي آخر "لا تتخذوا قبري وثنا".
[ ١ / ١٤٦ ]
وأما تحريم زخرفتها وتسريجها فلحديث " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وفي إسناده أبو صالح باذام وفيه مقال: وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن جابر قال: "نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه" وزاد الترمذي "وأن يكتب عليه وأن يوطأ" وصححه وأخرج النهي عن الكتابة أيضا النسائي وقال الحاكم أن الكتابة وأن لم يخرجها مسلم فهي على شرطة وأما تحريم القعود عليها فلما أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن عمرو ابن حزم قال: "رآني رسول الله ﷺ متكئا على قبر فقال: "لاتؤذ صاحب هذا القبر".
وأما تحريم سب الأموات فلقوله ﷺ "لاتسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ماقدموا" أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عباس "لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" وفي إسناده صالح بن نبهان وهو ضعيف ولكنه يشهد له ماورد بمعناه من حديث سهل ابن سعد والمغيرة.
وأما كون التعزية مشروعة فلحديث "من عزى مصابا فله مثل أجره" أخرجه ابن ماجه والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود وقد أنكر هذا الحديث على علي بن عاصم وأخرج ابن ماجه من حديث عمرو ابن حزم عن النبي ﷺ "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة" ورجال إسناده ثقات وأخرج الشافعي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب" وفي إسناده القاسم بن عبيد الله بن عمرو وهو متروك.
[ ١ / ١٤٧ ]
وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أسامة بن زيد قال:"كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحسب" فينبغي التعزية بهذه الألفاظ الثابتة في الصحيح ولا يعدل عنها إلى غيرها.
وأما مشروعية إهداء الطعام لأهل الميت فلحديث عبد الله بن جعفر قال: "لما جاء نعي جعفر حين قتل قال: النبي ﷺ اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم" أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي وأخرج نحو أحمد والطبراني وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس أم عبد الله بن جعفر وأخرج أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث جرير قال: "كنا نعد الإجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من الناحية" ولا يعارض هذا ما قد ثبت عن النبي ﷺ.
[ ١ / ١٤٨ ]