ونكاح المتعة منسوخ والتحليل حرام وكذلك الشغار ويجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة إلا أن يحل حراما أو يحرم حلالا ويحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة وبالعكس ومن صرح القرآن بتحريمه والرضاع كالنسب والجمع بين المرأة وعمتها أوخالتها ومازاد على العدد المباح للحر والعبد وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل وإذا عتقت الأمة ملكت أمر نفسها وخيرت في زوجها ويجوز فسخ النكاح بالعيب ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلموا مايوافق الشرع وإذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح وتجب العدة فإن أسلم ولم
[ ٢ / ٢٠٧ ]
تتزوج المرأة كانا على نكاحهما الأول ولو طالت المدة إذا اختارا ذلك.
أقول: أما نكاح المتعة فلا خلاف أنه قد كان ثابتا في الشريعة كما صرح به القرآن ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] ولما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ ليس معنا نساء فقلنا ألا نختصى فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل" وفي الباب أحاديث وثبت النسخ من حديث جماعة فأخرج مسلم وغيره من حديث سبرة الجهنى أنه غزا مع النبي ﷺ فتح مكة فأذن لهم رسول الله صلى في متعة النساء" قال: فلم يخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ وفي لفظ من حديثه "وأن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" وأخرج الترمذي عن ابن عباس "إنما كانت المتعة في أول الإسلام حتى نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج:٣٠] وفي الصحيحين من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن متعة النساء يوم خبير" والأحاديث في هذا الباب كثيرة والخلاف طويل وقد استوفيت ذلك في شرح المنتقى ورواية من روى تحريمها إلى يوم الفيامة هي الحجة في هذا الباب.
وأما تحريم التحليل فلحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له" وصححه أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق وطريق ثالثة أخرجها إسحاق في مسنده وأخرج أحمد وأبوداود وابن ماجه والترمذي وصححه ابن السكن من حديث على مثله وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له" وفي إسناده يحيى بن عثمان وهو ضعيف وقد أعل بالإرسال وأخرج أحمد والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم والترمذي في العلل من حديث أبي هريرة نحوه وحسنه
[ ٢ / ٢٠٨ ]
البخاري وأخرج الحاكم والطبراني في الأوسط من حديث عمر أنهم كانوا يعدون التحلل سفاحا في عهد رسول الله.
وأما تحريم الشغار فلثبوت النهي عنه كما في حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار وأخرج مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار" والشغار أن يقول الرجل زوجني ابتنك على أن أزوجك ابنتي أو زوجني أختك على أن أزوجك أختي وأخرج مسلم أيضا من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا شغار في الإسلام" وفي الباب أحاديث قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ولكن اختلفوا في صحته والجمهور على البطلان قال الشافعي: هذا النكاح باطل كنكاح المتعة وقال: أبو حنيفة جائز ولكل واحدة منهما مهر مثلها.
وأما كونه يجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة فلحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" وهو في الصحيحين وغيرهما.
وأما الشرط الذي يحل الحرام ويحرم الحلال فلا يحل الوفاء به كما ورد بذلك الدليل وقد ثبت النهي عن اشتراط أمور كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه ولا تسأل المرأة عن طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها فإنما رزقها الله" وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يحل أن ينكح المرأة بطلاق أخرى".
وأما كونه يحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة والعكس فلما أخرجه أحمد باسناد رجاله ثقات والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال: لها أم
[ ٢ / ٢٠٩ ]
مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فقرأ عليه النبي ﷺ ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث ابن عمر أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأساري بمكة وكان بمكة بغي يقال: لها عناق وكانت صديقته قال: "فجئت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أنكح عناقا قال: فسكت عني فنزلت الآية ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] فدعاني وقرأها علي وقال: "لا تنكحها" وأخرج أبو داود بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" وأخرج ابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا في النساء خيرا فإنما هن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجرون في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس قال: غربها قال: أخاف أن تتبعها نفسي قال: فاستمتع بها" قال: المنذري رجال إسناده محتج بهم في الصحيح وإنما قال: والعكس لأن هذا الحكم لا يختص بالرجل دون المرأة كما يفيد ذلك الآية الكريمة
﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣]
وأما كونه ويحرم من صرح القرآن بتحريمة لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخره ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] .
وأما كون الرضاع كالنسب فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم" وفي لفظ "من النسب" وفيهما أيضا من حديث عائشة مرفوعا "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث علي قال: قال رسول الله
[ ٢ / ٢١٠ ]
ﷺ "إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب" قال أهل العلم: والمحرمات من الرضاع سبع الأم والأخت بنص القرآن والبنت والعمة والخلة وبنت الأخ وبنت الأخت لأن هؤلاء يحرمن من النسب فيحرمن من الرضاع وقد وقع الخلاف هل يحرم من الرضاع ما يحرمن من الصهار وقد حقق الكلام في ذلك ابن القيم قدس الله روحه في الهدي.
وأما كونه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: "نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" وفي لفظ لهما نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" في لفظ لهما نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" وفي الباب أحاديث وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن عامة أهل العلم وقال: لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك قال: ابن المنذر لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم وقد حكى الإجماع أيضا الشافعي والقرطبي وابن عبد البر.
وأما تحريم مازاد على العدد المباح فلحديث قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أختر منهن أربعا" أخرجه أبو داود وابن ماجه وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعفه غير واحد من الأئمة وقال ابن عبد البر: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت من وجه صحيح ويؤيده ماسيأتي فيمن أسلم وعنده أكثر من أربع. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ففيه ما أو ضحته في شرح المنتقى وفي حاشية الشفاء وقد قيل إنه لاخلاف في تحريم الزيادة على الأربع وفيه نظر كما أوضحته هنالك.
وأما العدد الذي يحل للعبد فقد حكى البيهقي وابن أبي شيبة أنه أجمع الصحابة على أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنين وكذلك حكى إجماع الصحابة الشافعي وروى الدارقطني عن أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق تطلقتين وسيأتى ما ورد في طلاق الأمة والعدة في باب العدة فمن قال: إجماع الصحابة حجة كفاه إجماعهم ومن لم يقل بحجة إجماعهم أجاز للعبد ما يجوز للحر من العدد وقد أوضحت حكم الإجماع في أول حاشية الشفاء.
[ ٢ / ٢١١ ]
وأما بطلان نكاح العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فلحديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه قال: قال ﷺ "من تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر " وأخرجه أيضا ابن ماجه من حديث ابن عمر قال الترمذي: لا يصح إنما هو جابر وأخرجه أبوداود ج من حديث ابن عمر أيضا وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف وقد ذهب إلى عدم صحة عقد العبد بغير إذن مولاه الجمهور وقال: مالك أن العقد نافذ ولسيده فسخة ورد بأن العاهر الزاني والزنا باطل وفي رواية من حديث جابر بلفظ باطل.
وأما كون الأمة إذا عتقت ملكت أمر نفسها وخيرت في زوجها فلحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره أن بريرة خيرها النبي ﷺ وكان زوجها عبدا وكذا في صحبح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ وفي حديث آخر لعائشة عند أحمد وأهل السنن أن زوج بريرة كان حرا وقد اختلفت الروايات في ذلك وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار إذا كان الزوج حرا فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة وقد وقع في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: لبريرة "ملكت نفسك فاختاري" فإن هذا يفيد أنه لا فرق بين الحر والعبد.
وأما كونه يجوز فسخ النكاح بالعيب فلحديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بنى غفار فلما دخل عليها ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا فانحاز عن الفراش ثم قال: خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئا أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وابن عدى والبيهقي وأخرجه من حديث كعب بن عجرة الحاكم في المستدرك وأخرجه أبو نعيم في الطب والبيهقي من حديث ابن عمر وفي الحديث اضطراب وروى مالك في المؤطأ والدارقطني وسعيد بن منصور والشافعي وابن أبي شيبة عن عمر أنه قال: "أيما امرأة غُرّ بها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره". ورجال إسناده
[ ٢ / ٢١٢ ]
ثقات وفي الباب عن على عند سعيد بن منصور وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن النكاح يفسخ بالعيوب وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك وروى عن علي وعمر وابن عباس أنها لاترد النساء إلا بالعيوب الثلاثة المذكورة والرابع الداء في الفرج وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في البيع ورحجه ابن القيم رحمه الله تعالى واحتج له في الهدى بالقياس على البيع وذهب البعض إلى أن المرأة ترد الزوج بتلك الثلاثة وبالجب والعنة والخلاف في هذا البحث طويل.
وأما كونه يقر من أنكحة الكفار إذا اسلموا ما يطابق الشرع فلحديث الضحاك بن فيروز عن أبيه عند أحمد وأهل السنن والشافعي والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي ﷺ أن أطلق أحدهما وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والشافعي والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: "أسلم غيلان الثقفي وتحته عشرة نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فإمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا" وقد أعل الحديث بأن الثابت منه إنما هو قول عمر كما قال: البخاري.
وأما كونه إذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح ووجبت العدة فلحديث ابن عباس عند البخاري قال: "كان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه" وأخرج مالك في الموطأ عن الزهري أنه قال: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الحرب إلافرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلاأن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها.
وأما كون من أسلم ولم تتزوج امرأته يكونان على نكحاهما الأول ولو طالت المدة إذا اختارا ذلك فلحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود وصححه الحاكم أن ﷺ صلى رد ابنته زينب على أبي العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث شيئا وفي لفظ ولم يحدث صداقا وفي لفظ للترمذي ولم يحدث
[ ٢ / ٢١٣ ]
نكاحا وقال: هذا حديث حسن ليس بإسناده بأس وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمرو أن النبي ﷺ ردها على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهوضعيف وحديث ابن عباس أصح كما صرح بذلك الحفاظ وقد ذهب إلى مادل عليه حديث ابن عباس جماعة من الصحابة ومن بعدهم لا كما نقله ابن عبد البر من الإجماع على أنه لا يبقى العقد بعد انقضاء العدة ولا مانع من جعل حديث ابن عباس وما ورد في معناه مخصصا لما ورد من أن العدة إذا انقضت فقد ذهب العقد ولم تحل للزوج إلا بعقد جديد.
[ ٢ / ٢١٤ ]