وتجب الصلاة على الميت ويقوم الإمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة ويكبر أربعا أو خمسا ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة ويدعوا بين التكبيرات بالأدعية المأثورة ولا يصلى على الغال وقاتل نفسه والكافر والشهيد ويصلى على القبر وعلى الغائب.
أقول: الصلاة على الأموات ثابتة ثبوتا ضروريا من فعله ﷺ وفعل أصحابه ولكنه من واجبات الكفاية لأنهم قد كانوا يصلون على الأموات في حياته ﷺ ولا يؤذنونه كما في حديث السوداء التي كانت تقم المسجد فإنه لم يعلم النبي ﷺ إلا بعد دفنها فقال لهم: "ألا آذنتموني" وهو في الصحيح وامنتع من الصلاة على من عليه دين وأمرهم بأن يصلوا عليه.
[ ١ / ١٣٦ ]
وأما كونه يقوم الإمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة فلحديث أنس بن مالك أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه فلما رفع أوتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام وسطها فسئل عن ذلك وقيل له: أهكذا كان رسول الله ﷺ يقوم مع الرجل حيث قمت ومن المرأة حيث قمت؟ قال نعم" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه ولفظ أبي داود أهكذا كان الرسول الله ﷺ يصلى على الجنائز كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال نعم" وفي الصحيحين من حديث سمرة قال: "صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها" والخلاف في مسألة معروف وهذا هو الحق.
وأما كون التكبير أربعا أو خمسا فلورود الأدلة بذلك وأما الأربع فثبت ثبوتا متواترا من طريق جماعة من الصحابة ﵃ وأبي هريرة وابن عباس وجابر وعقبة ابن عامر والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم وأما الخمس فثبت في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وأنه كبر خمسا على جنازة فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها" أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن وأخرج أحمد عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ثم التفت فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر النبي ﷺ صلى على جنازة فكبر خمسا" وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابرى وهو ضعيف وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في عدد تكبير صلاة الجنازة فذهب الجمهور إلى أنه أربع وذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه خمس قال: القاضي عياض اختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع قال: ابن عبد البر وانعقد الاجماع بعد ذلك على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ماجاء في الأحاديث الصحاح وما سوى ذلك عندهم فشذوذ لا يلتفت إليه انتهى.
[ ١ / ١٣٧ ]
وهذه الدعوى مردودة فالخلاف في ذلك معروف بين الصحابة وإلى الآن ولا وجه لعدم العمل بالخمس بعد خروجها من مخرج صحيح مع كونها زيادة غير منافية إلا أن يصح ماوراه ابن عبد البر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه كان النبي ﷺ يكبر على الجنازة أربعا أو خمسا وسبعا وثمانيا حتى مات النجاشي فخرج فكبر أربعا ثم ثبت النبي ﷺ على الأربع حتى توفاه الله" على أن استمراره على الأربع لا ينسخ ما وقع منه ﷺ من الخمس مالم يقل قولا يفيد ذلك وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعا "صلوا على موتاكم بالليل والنهار والصغير والكبير والدنئ والأمير أربعا" وفي إسناده عمرو ابن هشام البيروتي تفرد به عن ابن لهيعة وأما أحق هذا بأن لا يصح ولا يثبت وقد روى البخاري عن على ﵁ أنه كبر على سهل بن حنيف ﵁ ستا وقال: أن شهد بدرا" وروى سعيد بن منصور عن الحكم بن عتيبة "أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا".
وأما كونه يقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة فلحديث ابن عباس عند البخارى وأهل السنن أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنه من السنة" ولفظ النسائي فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال: سنة وحق" وروى الشافعي في مسندة عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن ثم يسلموا سرا في نفسه" قال في الفتح: وإسناده صحيح وقد أخرج عبد الرزاق والنسائي بدون قوله: "بعد التكبيرة" ولا قوله: "ثم يسلم سرا في نفسه".
وأما الأدعية المأثورة فمنها ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأثنانا،
[ ١ / ١٣٨ ]
اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفته منا فتوفه على الإيمان" زاد أبو داود وابن ماجه "اللهم لاتحرمنا أجره ولاتضلنا بعده" وأخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم قال: وله شاهد صحيح من حديث عائشة نحوه وأخرج هذا الشاهد الترمذي وأعله بعكرمة بن عمار.
وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث عوف ابن مالك قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما بنقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خير من أهله وزجا خير من زوجه وقد فتنة القبر وعذاب النار".
وأما كونه لا يصلى على الغال فلامتناعه ﷺ في غزاة خيبر من الصلاة على الغال كما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأما قاتل نفسه فلحديث جابر ابن سمرة عند مسلم رحمه الله تعالى وأهل السنن أن رجلا قتل نفسه بمشاقص فلم يصلى عليه النبي ﷺ" وأما الكافر فذلك هو المعلوم منه صلى فإنه لم بنقل عنه ﷺ أنه صلى على كافر وقد صرح بذلك القرآن الكريم قال: الله عزوجل: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] وأما الشهيد فقد اختلفت الروايات في ذلك وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر "أن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد" وأخرجه أيضا أهل السنن وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث أنس "أنه ﷺ لم يصلى عليهم" وقد أطلت الكلام على هذا في شرح المنتقى وسردت الروايات واختلاف أهل العلم في ذلك فليرجع إليه فإن هذا المقام من المعارك.
وأما كونه يصلى على القبر وعلى الغائب فلحديث "أنه ﷺ انتهى إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا" وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس وكذلك صلاته على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد وهو أيضا في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وصلى على قبر أم سعد وقد مضى
[ ١ / ١٣٩ ]
لذلك شهر أخرجه الترمذي وصلى على النجاشى هو وأصحابه كما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وأبي هريرة وهو مات في دياره بالحبشة فصلى عليه النبي ﷺ بالمدنية والخلاف في الصلاة على القبر والغائب معروف ولم يأت المانع بشيء يعتد به.
[ ١ / ١٤٠ ]