وعند قدوم الحاج مكة يطوف للقدوم سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول ويمشي فيما بقي ويقبل الحجر الأسود أو يستلمه بمحجن ويقبل المحجن ونحوه ويستلم الركن اليماني ويكفي القارن طواف واحد وسعى واحد ويكون حال الطواف متوضئا ساترا لعورته والحائض تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت ويندب الذكر حال الطواف
[ ٢ / ١٩٠ ]
بالمأثور وبعد فراغه يصلى ركعتين في مقام إبراهيم ثم يعود إلى الركن فيستلمه.
أقول: شرع الطواف في الأصل لإغاظة المشركين كما في حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا مابين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها الإبقاء عليهم" متفق عليه وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا" وفي لفظ رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عمر أنه قال: فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ" وقد ذهب الجمهور إلى فرضية الطواف للقدوم وقال: أبو حنيفة سنة وروى عن الشافعي أنه كتحية المسجد والحق الأول لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]
وأما تقبيل الحجر الأسود١ ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه كان يقبل الحجر ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" وأخرج أحمد وابن والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وفي الباب أحاديث وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوادع على بعير يستلم الركن بمحجن" وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل وزاد "ويقبل المحجن"،
_________________
(١) ١ أي واستلامه واستلام الركن اليماني لأنه سرد أحاديث الكل.
[ ٢ / ١٩١ ]
وأخرج أحمد من حديث عمر أن النبي ﷺ قال له: "يا عمر إنك رجل قوي ولا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" وفي إسناده مجهول وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا " وفي إسناده عطاء بن السائب وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: "لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين" وأخرج البخاري في تاريخه وأبو يعلى من حديث ابن عباس كان رسول الله ثلى يقبل الركن اليماني" وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف وأخرج أحمد وأبو داود من حديثه أن النبي ﷺ كان يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه".
وأما كونه يكفي القارن طواف واحد وسعى واحد فلكونه ﷺ حج قرانا على الأصح واكتفى بطواف واحد للقدوم وبسعي واحد ولادليل على وجوب طوافين وسعيين وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد" وقد حسنه الترمذي. وأما أنه يكون حال الطواف متوضئا ساترا لعورته فلما في الصحيحين من حديث عائشة أن أول شيء بدأ به النبي حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت" وفيهما أيضا من حديث أبي بكر أن النبي ﷺ قال: "لا يطوف بالبيت عريان".
وأما كون الحائض تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف في البيت فلحديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف" أخرجه أحمد وأخرج نحوه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من حديث ابن عمر ولحديث عائشة أيضا في الصحيحين وغيرهما أنه قال لها النبي ﷺ لما حاضت: "افعلى ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي".
وأما كونه يندب الذكر حال الطواف بالمأثور فلحديث عبد الله ابن السائب قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركن اليماني والحجر ربنا آتنا في الدنيا
[ ٢ / ١٩٢ ]
حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "وكل به يعني الركن اليماني سبعون ملكا فمن قال: اللهم إني سألك العفو والعافية في الدنيا وفي الآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين" أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه إسماعيل بن عياش وهشام بن عمار وهما ضعيفان وأخرج ابن ماجه أيضا من حديثه أنه سمعه يقول "من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولاحول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات ورفع له بها عشر درجات" وفي إسناده من تقدم في الحديث الأول وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى" وفي الباب أحاديث.
وأما كونه بعد فراغه يصلى ركعتين في مقام إبراهيم فلحديث جابر عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الاخلاص:١] ثم عاد إلى الركن فاستلمه.
[ ٢ / ١٩٣ ]