وتبطل الصلاة بالكلام وبالاشتغال بما ليس منها وبترك شرط أو ركن عمدا.
أقول: أما بطلانها بالكلام فلحديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ
[ ١ / ٩١ ]
قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وهكذا حديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما بلفظ "إن في الصلاة لشغلا" وفي رواية لأحمد والنسائي وأبي داود وابن حبان في صحيحه "إن الله يحدث من أمره ما يشاء وأنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة" ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم عامدا عالما فسدت صلاته وإنما الخلاف في كلام الساهي ومن لم يعلم بأنه ممنوع فأما من لم يعلم فظاهر حديث معاوية بن الحكم السلمي الثابت في الصحيح أنه لا يعيد وقد كان شأنه ﷺ أن لا يحرج على الجاهل ولا يأمره بالقضاء في غالب الأحوال بل يقتصر على تعليمه وعلى إخباره بعدم جواز ما وقع منه وقد يأمره بالإعادة كما في حديث المسيء١ وأما كلام الساهي والناسي فالظاهر أنه لا فرق بينه٢ وبين العامد العالم في إبطال الصلاة.
وأما بطلان الصلاة بالاشتغال بما ليس منها فذلك مقيد بأن يخرج به المصلي عن هئية الصلاة كمن يشتغل مثلا بخايطة أو نجارة أو مشي كثير أو التفات طويل أو نحو ذلك وسبب بطلانها بذلك أن الهيئة المطلوبة من المصلى قد
_________________
(١) ١ قد يقال: إن المسيء قد بين الشارع وجه أمره بالإعادة، وهو قوله: "فإنك لم تصلي" فقد نفاها الشارع ولم يعتد بها، بخلاف من استكمل واجبات الصلاة، وفعل فيها ما يبطلها جاهلا، كا الكلام. وحديث معاوية بن الحكم في عدم أمره له بالإعادة دليل على أن من فعل المبطل جاهلا فهو معذور لجهله. وحديث المسيء مبين فيه "إنه لم يصل"، فعلم منه أن من صلى على غير الوجه الشرعي لا يعتد بصلاته ولا يجتزئ بها وإن كان جاهلا. فلا تتفق صورتا الجهل في هذين الحديثين. فلا وجه للجمع بينهما. إذ حديث المسيء فيمن جهل ماهية الصلاة، وحديث ابن الحكم فيمن جهل ما هو من الممنوع فيها. والشارع اعتبر الجهل في هذا ولم يعتبره في الأول. وبهذا يزول الاشتباه في حديثي المسيء ومعاوية بن الحكم. والله أعلم لمحرره. ٢ يرده حديث ذي اليدين الثابت في الصحيح، ففيه: "أنه تكلم ﷺ وأبو بكر وعمر وذو اليدين، ثم أتموا الصلاة" وكلام العلماء في تخريج وجهه معروف يطلب من محله. من خط محمد العمراني سلمه الله. ولعل تخريجه بأنه كلام الجاهل أقرب وأولى من جعله كلام الناسي. هـ. من خط العلامة الحسن بن يحيى ﵀. وفيه: أنه كيف يصح تخريج كلام النبي ﷺ على كلام الجاهل؟ تأمل.
[ ١ / ٩٢ ]
صارت بذلك الفعل متغيرة عما كانت عليه حتى صار الناظر لصاحبها لا يعده مصليا.
وأما بطلانها بترك شرط كالوضوء فلأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط وأما بطلانها بترك الركن فلكون ذهابه يوجب خروج الصلاة عن هيئتها المطلوبة وإذا ترك الركن فما فوقه سهوا وإن كان قد خرج من الصلاة كما وقع منه ﷺ في حديث ذي اليدين فإنه سلم على ركعتين ثم أخبر بذلك فكبر وفعل الركعتين المتروكتين.
وأما ترك ما لم يكن شرطا ولا ركنا من الواجبات فلا تبطل به الصلاة لأنه لا يؤثر عدمه في عدمها بل حقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذم تاركه وكونه يذم لا يستلزم أن صلاته باطلة والحاصل أن الشروط للشيء هي التي تثبت بدليل يدل على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط نحو أن يقول الشارع من لم يفعل كذا فلا صلاة له أو يأتي عن الشارع ما هو تصريح بعدم الصحة أو بعدم القبول والإجزاء أو يثبت عنه النهي عن الإتيان بالمشروط بدون الشرط لأن النهي١ يدل على الفساد المرادف للبطلان على ما هو الحق وأما كون الشيء واجبا فهو يثبت بمجرد طلبه من الشارع ومجرد الطلب لا يستلزم زيادة على كون الشيء واجبا فتدبر هذا تسلم من الخبط والخلط.
_________________
(١) ١ وقد أغفل شيخنا أبقاه الله من المنهي عنه في الصلاة شيءا كثيرا كبسط الذراع في السجود وكصلاة الحاكن، وبحضرة الطعام، وأن يصلي الرجل مختصرا. أي واضعا يده على خاصرته، وعن نقر الصلاة كنقر الغراب، وعن بروكه في السجو كبروك البعير، بل يضع ركبتيه قبل يديه، كما رجححه ابن القيم من نحو عشرة أوجه وعن رفع البصر إلى السماء وغير ذلك. فيطلب من محله. وكله في الصحيح. لمحرره.
[ ١ / ٩٣ ]