ولا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوب مسه ورس أو زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين وما مسه الورس والزعفران ولا تطيب ابتداء ولا يأخذ من شعره أو بشره إلا لعذر ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ولا ينكح ولا يخطب ولا يقتل صيدا ومن قتل فعليه جزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل ولا يأكل ما صاد غيره إلا إذا كان الصائد حلالا ولم يصده لأجله ولا يعضد من شجر الحرم إلا الأذخر ويجوز له قتل الفواسق الخمس وصيد حرم المدنية وشجرة كحرم مكة إلا أن قطع من شجره أو خبطة كان سلبه حلالا لمن وجده ويحرم صيد وج وشجرة.
أقول: أما كون المحرم لا يلبس تلك الأمور فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: "سئل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم فقال: لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" قال: القاضي عياض أجمع المسلمون على أن ماذكر في هذا لحديث لا يلبسه المحرم.
وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر قال قال رسول الله ﷺ: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل" وفي الصحيحين نحوه من حديث ابن عباس.
وأخرج أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" وزاد أبو داود والحاكم والبيهقي "وما مس الورس والزعفران من الثياب" والقفاز:
[ ٢ / ١٨٧ ]
بضم القاف وتشديد الفاء وبعد ألف زاى ما تلبسه المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفها عند معاناة شيء. وأما كون المحرم لا يتطيب أبتداء ويجوز له أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل الإحرام فذلك هو الراجح جمعا بين الأدلة وقد أوضحت ذلك في شرح المنتقى.
وأما كونه لا يأخذ من شعره أو بشره إلا لعذر فلحديث كعب بن عجرة في الصحيحين وغيرهما قال: "كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: ماكنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى أتجد شاة قلت لا فنزلت ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] قال: هو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين".
وأما كونه لا يرفث ولا يقسق ولا يجادل فلنص القرآن وهذه الأمور لا تحل للحلال ولكنها مع الاحرام أغلظ. وأما كون المحرم لا ينكح ولا ينكح فلحديث عثمان الثابت في مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب" وفي الباب أحاديث وأما ما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم" فقد عارضه ما في صحيح مسلم وغيره من حديث ميمونة أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال" وما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي رافع أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة حلالا" وكان أبو رافع السفير بين رسول الله ﷺ وبين ميمونة ﵂ وهما أعرف بذلك وعلى فرض صحة١ خبر ابن عباس ومطابقته للواقع فلا يعارض الأحاديث المصرحة بالنهي بل يكون هذا بالنبي ﷺ.
وأما كونه لا يقتل صيدا فقد ورد بذلك القرآن الكريم فإذا قتل صيدا
_________________
(١) ١ صوابه وعلى فرض عدم وهم ابن عباس إذ الصحة ثابتة له! هـ. هامش الأصل.
[ ٢ / ١٨٨ ]
فعليه الجزاء يحكم به ذوا عدل كما قال الله سبحانه وأما كونه لا يأكل ما صاد غيره إلى آخره فلحديث الصعب بن جثامة في الصحيحين وغيرهما أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرد عليك إلا أنا حرم" وأخرج مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ أكل من صيده الذي صاده وهو حلال" وكان النبي محرما فأكل عضد حمار الوحش الذي صاده وجمع بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة بأنه ﷺ امتنع من أكل صيد الصعب لكونه صاده لأجله وأكل من صيد أبي قتادة لكونه لم يصده لأجله ويدل على ذلك حديث جابر عند أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي أن النبي ﷺ قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم مالم تصيدوه أو يصد لكم".
وأما كونه لا يعضد من شجر الحرم إلا الإذخر فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ: يوم فتح مكة "إن هذا البلد حرام لا يعصد شجره ولا يختلي خلاؤه ولا ينفر في صيده ولا تلتقط لقتطه إلا لمعرف" قال العباس إلا الإذخر فإنه لا بد لهم منه فإنه للقبور والبيوت فقال: إلا الأذخر وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة.
وأما كونه يجوز قتل الفواسق الخمس فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الغراب والجرأة والعقرب والكلب العقور" وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "خمس من الدواب ليس في قتلهن جناح" وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر زيادة الحية وكذلك في حديث ابن عباس عند أحمد بإسناده فيه ليث ابن أبي سليم.
وأما كون صيد المدينة وشجره كحرم مكة فلحديث على ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "المدنية حرام ما بين عير إلى ثور" وهو في الصحيحين وغيرهما وفي الصحيحين أيضا من حديث عبادة ابن تميم أن رسول
[ ٢ / ١٨٩ ]
الله ﷺ قال: إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت المدنية كما حرم إبراهيم مكة" وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة.
وأما كون من قطع شجر المدنية أو خبطة سلب فلحديث سعد بن أبي وقاص "أنه ركب إلى قصر بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذه من غلامهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم" أخرجه مسلم وأحمد وفي لفظ لأحمد وأبي داود والحاكم وصححه أن رسول الله ﷺ قال: "من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه".
وأما تحريم صيد وج وشجره وعضاهه فلحديث الزبير أن النبي ﷺ قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله ﷿" أخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه وحسنه المنذري وصححه الشافعي ووج بفتح الواو وتشديد الجيم واد بالطائف وقد ذهب إلى ما في الحديث الشافعي والإمام يحيى وهو الحق ولم يأت من قدح في الحديث بما في يصلح للقدح المستلزم لعدم ثبوت التكليف بما تضمنه.
[ ٢ / ١٩٠ ]