يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي والفطر للمسافر ونحوه رخصة إلاأن يخشى التلف أو الضعف عن القتال فعزيمة ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر عن كل يوم باطعام مسكين.
أقول: أما وجوب القضاء على من أفطر لعذر شرعي كالمسافر والمريض فقد صرح بذلك القرآن الكريم ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وقد ورد في الحائض حديث معاذ عن عائشة وقد تقدم ذكره والنفساء مثلها.
وأما كون الفطر للمسافر رخصة إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن القتال فعزيمة فالأحاديث١ منها قوله: ﷺ "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" لما سأله بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر وهو في الصحيحين من
_________________
(١) ١ فيه حذف الرابط بين مدخول أما وجوابها والمعنى في ذلك كثير! هـ.
[ ٢ / ١٧٥ ]
حديث عائشة وفي الصحيحين من حديث أنس "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال: "يارسول الله أجد منى قوة على الصوم فهل علي جناح فقال: هي رخصة من الله فمن أخذها فحسن ومن أحب أن يصوم فلاجناح عليه" وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في سفرة فرأى زحاما ورجلا قد ضلل عليه فقال: ماهذا فقالوا: صائم فقال:"ليس من البر الصيام في السفر" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وأحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله ﷺ: "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزيمة ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر" وقد ذهب إلى كون الصوم رخصة في السفر الجمهور وقد روى عن بعض الظاهرية وهو محكى عن أبي هريرة والإمامية أن الفطر في السفر واجب وأن الصوم لا يجزئ وكذا المسافر والمرضع والحبلى لما أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي من حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﷿ وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلي والمرضع الصوم".
وأما كون من مات وعليه صوم صام عنه وليه فلحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وقد زاد البزار لفظ إن شاء قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن وبه قال: بعض أصحاب الحديث وبعض أصحاب الشافعية وأبو ثور والصادق والناصر والمؤيد بالله والأوزعي وأحمد بن حنبل قال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب صوم الولي عن وليه.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وأما كون الكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر بما ذكر فلحديث سلمة بن الأكوع الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: "أنزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى أنزلت الآية التى بعدها فنسختها" وأخرج هذا الحديث أحمد وأبوداود عن معاذ بنحو ما تقدم وزاد ثم أنزل الله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام.
وأخرج البخاري عن ابن عباس أنه قال: ليست هذه الآية منسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعما مكان كل يوم مسكينا" وأخرج أبوداود عن ابن عباس أنه قال: له أثبتت للحبلى والمرضع أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا وأخرج الدارقطني والحاكم وصححاه عن ابن عباس أنه قال: "رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه" وهذا عن ابن عباس تفسير لما في القرآن مع مافيه من الإشعار بالرفع فكان ذلك دليلا على أن الكفارة هي إطعام مسكين عن كل يوم.
[ ٢ / ١٧٧ ]