باب كفيية الصلاة
لا تكون شرعية إلا بالنية وأركانها كلها مفترضة إلا قعود التشهد الأوسط والاستراحة ولا يجب من أذكارها إلا التكبير والفاتحة في كل ركعة ولو كان مؤتما والتشهد الأخير والتسليم وماعدا ذلك فسنن وهي الرفع في المواضع الأربعة والضم والتوجه بعد التكبيرة والتعوذ والتأمين وقراءة غير الفاتحة معها والتشهد الأوسط والأذكار الواردة في كل ركن والاستكثار من الدعاء بخير الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد١.
أقول أما كون الصلاة لا تكون شرعية إلا بالنية فلما تقدم في الوضوء.
وأما افتراض أركانها فلكونها ماهية الصلاة التي لا يسقط التكليف إلا بفعلها وتعدم الصورة المطلوبة بعدمها وقد تكون ناقصة بنقصان بعضها وهي القيام فالركوع فالاعتدال فالسجود فالاعتدال فالسجود فالاعتدال فالقعود للتشهد وقد بين الشارع صفاتها٢ وهيئاتها وكان يجعلها قربيا من السواء كما ثبت في الصحيح عنه.
_________________
(١) ١ انظر ما اشتملت عليه هذه العبارة من كيفية الصلاة وموضوع الكتاب، للتعريف بالأحكام الشرعية، وما عسى أن يستفيد الناظر في هذا. والله أعلم. من خط الفاضل العمراني سلمه الله تعالى. ٢ قلت: وذلك كما روى البراء بن عازب " أن النبي ﷺ قال: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك" أخرجه مسلم رحمه الله تعالى. ومثل حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "أمرت =
[ ١ / ٨٢ ]
وأما عدم وجوب قعود التشهد الأوسط فلكونه لم يأت في الأدلة ما يدل على وجوبه بخصوصه كما ورد في قعود التشهد الأخير فإن الأحاديث التي فيها الأوامر بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن المراد التشهد الأخير.
فإن قلت قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء كما في رواية لأبي داود من حديث رفاعة ولم يذكر فيه التشهد الأخير.
قلت لا تقوم الحجة بمثل ذلك ولا يثبت به التكليف العام والتشهد الأخير وإن لم يثبت ذكره في حديث المسيء فقد وردت به الأوامر وصرح الصحابة بافتراضه.
وأما عدم وجوب قعدة الاستراحة فلكونه لم يأت دليل يفيد وجوبها وذكرها في حديث المسيء وهم كما صرح بذلك البخاري.
وأما كون التكبير واجبا فلقوله: تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] ولقوله: ﷺ في حديث المسيء "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" ولما ورد من أن تحريم الصلاة التكبير.
وأما وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة فلقوله: ﷺ في حديث المسيء "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وفي لفظ من حديث المسيء لأبي داود "ثم اقرأ بأم الكتاب" وكذلك في لفظ منه لأحمد وابن حبان بزيادة "ثم اصنع ذلك في كل ركعة" بعد قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن" فكان ذلك بيانا لما تيسر وورد ما يفيد وجوب الفاتحة في غير حديث المسيء كأحاديث "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهي صحيحة ويدل على وجوبها في كل ركعة ما وقع في
_________________
(١) = أن أسجد على سبعة أعظم، الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين" أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. قال القرطبي: هذا يدل على أن الأصل في السجود الجبهة، والأنف تبع لها. وقال ابن دقيق العيد: معناه أنه جعلهما كليهما عضوا واحدا، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية. ولا يخفى أن إغفال مثل هذا البيان ليس على ما ينبغي، إذ هو بيان لماهية الركن. هـ. لمحرره.
[ ١ / ٨٣ ]
حديث المسيء فإنه ﷺ وصف له ما يفعل في كل ركعة وقد أمره بقراءة الفاتحة فكانت
من جملة ما يجب في كل ركعة كما أنه يجب فعل ما أقترن بها في كل ركعة ورد ما يفيد ذلك من لفظه ﷺ فإنه قال للمسيء: "ثم افعل ذلك في الصلاة كلها١" وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ذلك بعد أن وصف له ما يفعل في الركعة الواحدة لا في جملة الصلاة فكان ذلك قرينة على أن المراد بالصلاة كل ركعة تماثل تلك الركعة من الصلاة.
وأما وجوب الفاتحة في كل ركعة على المؤتم فلما ورد من الأدلة الدالة على أن المؤتم يقرؤها خلف الإمام كحديث: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" ونحوه ولدخول المؤتم تحت هذه الأدلة المقتضية لوجوب الفاتحة في كل ركعة من كل مصل٢.
_________________
(١) ١ وأوضح من هذا ما أفاده صاحب البدر المنير: أن أحمد وابن حبان أخرجا حديث المسيء بلفظ: "ثم اقرأ بأم القرآن" – إلى أن قال – " ثم اصنع ذلك في كل ركعة". وقال: هذه رواية جليلة فاستفدها. والله أعلم. من خط محمد العمراني سلمه الله تعالى. ٢ قد ورد الأمر بتسبيح الركوع والسجود ثلاثا ثلاثا، وورد أيضا الأمر بالدعاء في السجود. فأما الأول: فأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ابن مسعود قال: "قال رسول الله ﷺ: "إذا ركع أحدكم فليقل. سبحان ربي العظيم ثلاثا" وذلك أدناه. وأما الثاني: فأخرج مسلم عن ابن عباس: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم" وقد ذهب إلى وجوب التسبيح أحمد وطائفة من أهل الحديث. ولم يعتذر مخالفوهم إلا بعدم الذكر في حديث المسيء. ولا يخفى ما فيه. من خط الفاضل العمراني سلمه الله تعالى.. قيل: حديث ابن مسعود سيأتي في أثناء البحث عن ذكر الركوع والسجود. فلا معنى لذكره هنا. هـ. والله أعلم. مراد المحشي، أنه في هذا ورد بلفظ الأمر الدال على الوجوب. فكيف يجعله المؤلف مسنونا. والذي ذكره المؤلف فيما يأتي فليس فيه بلفظ الأمر. فلا يخفى عليك. من خط العلامة حسن قدس سره. وعلى كل حال فوضعها هنا غير مناسب، ولو كتبها العمراني فيما كتبه على الكلام في ذكر الركوع والسجود لكان صوابا.
[ ١ / ٨٤ ]
وأما وجوب التشهد الأخير فلورود الأمر به في الأحاديث الصحيحية وألفاظه معروفة وقد ورد بألفاظ من طريق جماعة من الصحابة وفي كل تشهد ألفاظ تخالف التشهد الآخر والحق الذي لا محيص عنه أنه يجزئ المصلي بأن يتشهد بكل واحد من تلك التشهدات الخارجة من مخرج صحيح وأصحها التشهد الذي علمه النبي ﷺ ابن مسعود وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديثه بلفظ: "التحيات لله والصلوات والطبيات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وفي بعض ألفاظه "إذا قعد أحدكم فليقل".
وأما الصلاة على النبي ﷺ التي يفعلها المصلي في التشهد فقد وردت بألفاظ وكل منها ما صح منها أجزأ ومن أصح ما ورد ما ثبت في الصحيح بلفظ: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وورد ما يفيد وجوب التعوذ من أربع كما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جنهم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات وشر المسيح الدجال" وورد نحو ذلك من حديث عائشة وهو في الصحيحين وغيرهما فيكون هذا التعوذ من تمام التشهد ثم يتخير المصلى بعد ذلك من الدعاء أعجبه كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٨٥ ]
وأما وجوب التسليم فلكون النبي ﷺ جعله تحليل الصلاة فلا تحليل لها إلا به فأفاد ذلك وجوبه وأن لم يرد في حديث المسيء.
وأما كون ما عدا ما تقدم سننا فلأنه لم يرد فيها وجوبها من أمر بالفعل أو نهي عن الترك غير مصروفين عن المعنى الحقيقي أو وعيد شديد يفيد الوجوب ولا ذكر شيء منها في حديث المسيء إلا على وجه لا تقوم به الحجة أو قد تقوم به وورد ما يفيد أنه غير واجب.
وأما مشروعية الرفع في المواضع الأربعة وهي عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال من الركوع والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة فقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة وأما عند التكبير فقد روى ذلك عن النبي ﷺ نحو خمسين رجلا من الصحابة منهم العشرة المبشرة بالجنة ورواه كثير من الأئمة عن جميع الصحابة من غير استثناء وقال: النووي في شرح مسلم أنها اجتمعت الأمة على ذلك عند تكبيرة الإحرام وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري وأبو الحسن أحمد بن سيار والنيسابوري والأوزاعي والحميدي وابن خزيمة وأما الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه رواه زيادة عن عشرين نفسا من الصحابة وقال: محمد بن نصر المروزي أنه أجمع علماء الأمصار على ذلك إلا أهل الكوفة وأما الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة فهو ثابت في الصحيح من حديث ابن عمر وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه أيضا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) = البيهقي من فعله ﷺ، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه فيكون جامعا في التوحيد بين الفعل والقول والاعتقاد. ولهذا نهى النبي ﷺ عن الإشارة بالأصبعين وقال: "أحد أحد" لمن رآه يشير بأصبعيه. هـ. لمحرره. ١ أغفل شيخنا تولى الله توفيقه هيئة رفع اليدين. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: " كان يرفع يديه حذو منكبيه" الحديث. وفي حديث أبي حميد: "يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، =
[ ١ / ٨٦ ]
وأما الضم لليدين اليمنى على اليسرى حال القيام إما على الصدر أو تحت السرة أو بينهما فقد رواه عن النبي ﷺ نحو ثمانية عشر صحابيا حتى قال: ابن عبد البر أنه لم يأت فيه عن النبي ﷺ خلاف.
وأما التوجه فقد وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة يجزئ التوجه بواحد منها إذا خرج من مخرج صحيح وأصحها الاستفتاح المروى من حديث أبي هريرة ﵁ وهو في الصحيحين وغيرهما بل قد قيل أنه تواتر لفظا وهو "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد".
وأما كونه بعد التكبيرة فلم يأت في ذلك خلاف عن النبي ﷺ بل كل من روى عنه الاسيتفتاح روى أنه بعد التكبيرة.
وأما التعوذ فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يفعله بعد
_________________
(١) = ثم يكبر". أخرجه أبو داود. وفي حديث مالك بن الحويرث عند مسلم رحمه الله تعالى حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. قال في سبل السلام: ذهب البعض إلى ترجيح حديث ابن عمر لكونه متفقا عليه – وجمع آخرون بينهما فقالوا: يحاذي بظهر كفيه المنكبين وبأطراف أنامله الأذنين، وتأيدوا لذلك برواية أبي داود عن وائل بلفظ: "حتى كانت حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه" وهذا جمع حسن. انتهى. وأيضا: أغفل أبقاه الله هيئة الركوع والسجود، في حديث عائشة عن مسلم رحمه الله تعالى:" وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك". أي بين المذكور من الخفض والرفع. وفي حديث أبي حميد عند البخاري: "وإذا ركع مكن يديه من ركبتيه، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ذراعيه ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. وأيضا أغفل سلمه الله تعالى هيئة التشهد الأوسط والتشهد الأخير، وفي حديث أبي حميد: "وإذا جلس في الركعتين قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته لمحرره".
[ ١ / ٨٧ ]
الاستفتاح قبل القراءة ولفظه "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" كما أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري.
وأما التأمين فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثا وربما تفيد أحاديثه الوجوب على المؤتم إذا أمن إمامه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ "إذا أمن الإمام فأمنوا" فيكون ما في المختصر مقيدا بغير المؤتم إذا أمن إمامه وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم ومما يؤكد مشروعيته كون فيه إغاظة لليهود لما أخرجه ابن ماجه والطبراني من حديث عائشة مرفوعا "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين".
وأما قراءة غير الفاتحة معها فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأولين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب" وورد ما يشعر بوجوب قرآن مع الفاتحة من غير تعيين كحديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ أمره أن يخرج فينادى لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا" وقد أعلها البخاري في جزء القراءة وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" قال: ابن سيد الناس وإسناده صحيح ورجاله ثقات وقال: الحافظ بن حجر إسناده صحيح وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ "لا صلاة لمن لم لا يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة وهو حديث ضعيف١ وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد بل مجرد
_________________
(١) ١يعارضه ما أخرجه البيهقي في جزء القراءة صححه الأسيوطي عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ خطب الناس وقال: "من صلى طلاة مكتوبة أو سبحة فليقرأ فيها بأم القرآن قبله إذا سكت، ومن صلى صلاة ولم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج – ثلاث مرات –" وأخرجه فيه بطرق مختلفة، وألفاظ متقاربة. والله أعلم. من خط الفاضل العمراني سلمه الله تعالى.
[ ١ / ٨٨ ]
الآية الواحدة يكفي. وأما زيادة على ذلك كقراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الأوليين فليس بواجب فيكون ما في المختصر مقيدا بما فوق الآية.
وأما التشهد الأوسط فلم يرد فيه ألفاظ تخصه بل يقول فيه ما يقول في التشهد الأخير ولكنه يسرع بذلك وقد روى أحمد والنسائي من حديث ابن مسعود قال: إن محمدا قال: "إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به ربه عزوجل" ورجاله ثقات وأخرجه الترمذي بلفظ "علمنا رسول الله ﷺ إذا قعدنا في الركعتين" فالتقييد بالقعود في كل ركعتين يفيد أن هذا التشهد هو التشهد الأوسط ولكن ليس فيه ما ينفي زيادة الصلاة على النبي ﷺ وقد شرعها رسول الله ﷺ في التشهد الأخير مقترنة بالسلام على النبي ﷺ كما ورد بلفظ "قد علمنا كيف السلام عليك فكيف الصلاة" وهو في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وفي رواية من حديث ابن مسعود "فكيف نصلي عليك إذا صلينا في صلاتنا" وإنما لم يكن التشهد الأوسط واجبا ولا قعوده لأن النبي ﷺ تركه سهوا فسبح الصحابة فلم يعد له بل استمر وسجد للسهو فلو كان واجبا لعاد له عند ذهاب السهو بوقوع التنبه من الصحابة فلا يقال: أن سجود السهو يكون لجبران الواجب كما يكون لجبران غير الواجب لأنا نقول محل الدليل ههنا١ هو عدم العود لفعله بعد التنبه على السهو.
_________________
(١) ١ ذكرت بهذا إيراد بعضهم في هذا المقام الدور على هذا الاستدلال قال: إنهم استدلوا بهذا الحديث على عدم وجوب التشهد الأوسط وأنه من مسنونات الصلاة، واستدلوا به أيضا على إثبات سجود السهو لترك كل مسنون قال فقد توقف ثبوت أحدهما على ثبوت الآخر، وأثبت كل من مسنونية التشهد الأوسط، وثبوت سجود السهو للمسنون بالآخر، وذلك يرجع بالآخرة إلى إثبات الشيئ بنفسه وهو خلف من القول. وأقول هذا وهم فإنه لم يتوارد الاستدلالان على محل واحد حتى يلزم الدور ويلزم ما قاله من إثبات الشي بنفسه. بل محل الاستدلال على مسنونية التشهد الأوسط دون الوجوب عدم عود =
[ ١ / ٨٩ ]
وأما الأذكار الواردة في كل ركن فهي كثيرة جدا منها تكبير الركوع والسجود والرفع والخفض كما دل عليه حديث ابن مسعود قال: رأيت النبي ﷺ يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأخرج نحوه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث عمران بن حصين ﵁ وأخرجا نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ وفي الباب أحاديث إلا عند الارتفاع من الركوع فإن الإمام والمنفرد يقولان سمع الله لمن حمده والمؤتم يقول اللهم ربنا لك الحمد وهو في الصحيح من حديث أبي موسى.
وأما ذكر الركوع فهو سبحان ربي العظيم وذكر السجود سبحان ربي الأعلى ويدعوا بعد ذلك بما أحب من المأثور وغيره وأقل ما يستحب من التسبيح في الركوع والسجود ثلاث لحديث ابن مسعود "أن النبي ﷺ قال: "إذا ركع أحدكم فقال: في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال: في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي إسناده انقطاع.
وأما ذكر الاعتدال من الركوع فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل١ الثناء والمجد أحق٢ ما قال العبد وكلّنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
_________________
(١) = الرسول ﷺ، وقد سبح له الصحابة ومحل الاستدلال على إثبات سجود السهو للمسنونات في الصلاة وهو سجود الرسول ﷺ لما ترك القعود الأوسط. وقد تقررت سنيته من عدم العود له. هـ. لمحرره. ١ يجوز نصبه على النداء ورفعه على الخبر لمحذوف، أي أنت أهل. ٢ أحق بالرفع على أن خبر مبتدأ محذوف، وما مصدرية تقديره هذا، أي قوله: قوله: "اللهم ربنا لك =
[ ١ / ٩٠ ]
وأما ذكر ما بين السجدتين فقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين "اللهم أغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" والأحاديث في الأذكار الكائنة في الصلاة كثيرة جدا فينبغي الاستكثار من الدعاء في الصلاة بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد١ كما أشرنا إليه المختصر واعلم أن هذا الباب يحتمل البسط وليس المراد هنا إلا الإشارة إلى ما يحتاج إليه وقد ذكرنا هذه المسائل في شرح المنتقى وأوردنا كل ما يحتاج إليه على وجه لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره
_________________
(١) = الحمد. إلخ " أحق قول العبد، وفي شرح المهذب نقلا عن ابن الصلاح معناه: أحق ما قال العبد قوله: لا مانع لما أعطيت إلى آخره. وقوله: وكلنا لك عبد، اعتراض بين المبتدأ. وهذا أولى. قال النووي: لما فيه من كمال التفويض إلى الله تعالى والاعتراف بكمال قدرته وعظمته وقهره وسلطانه وانفراده بالوحدانية وتدبير مخلوقاته. انتهى. من سبل السلام مع بعض اختصار. قلت: ولا يخفى أنه يرجح الوجه الأول، حذف قوله: لا مانع لما أعطيت إلخ، في بعض الروايات فيكون استئناف لا تعلق له بما قبله لمحرره. ١ فإن قلت: من أي دليل أخذ جواز الدعاء بما ورد وبما لم يرد في الصلاة؟ قلت: من عموم قوله ﵇: "وأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء" ومن قوله في التشهد: "ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه" فقد جعل للمصلي الاختيار في الدعاء بما شاء.
[ ١ / ٩١ ]