كتاب الجنائز
من السنة عيادة المريض وتلقين المحتضر الشهادتين وتوجيه وتغميضه إذا مات وقراءة يس عليه والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته والقضاء لدينه وتسجيته ويجوز تقبيله وعلى المريض أن يحسن الظن بربه ويتوب إليه ويتخلص من كل ماعليه.
أقول: أما عيادة المريض فالأحاديث في مشروعيتها متواترة وقد جعلها الشارع من حقوق المسلم على المسلم ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" وزاد مسلم "النصيحة" وزاد مسلم "النصيحة" وزاد البخاري من حديث البراء "نصر المظلوم وإبرار القسم".
وأما التلقين للمحتضر فلحديث أبي سعيد الثابت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" وفي الباب أحاديث.
وأما توجيه المحتضر القبلة فلحديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: وقد سأل رجل عن الكبائر فقال: "هن تسع الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وقد أخرج البغوى في الجعيديات من حديث ابن عمر نحوه وفي إسناد أيوب بن عتبة وهو ضعيف وقد استدل بهذا على مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها لقوله ﷺ: "قبلتكم أحياء وأمواتا" وفيه نظر لأن المراد بقوله: "أحياء" عند الصلاة وبقوله: "أمواتا" في اللحد،
[ ١ / ١٣٠ ]
والمحتضر حي غير مصل فلا يتناوله الحديث وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم اختاصه بحال الصلاة وهو خلاف الإجماع والأولى الاستدلال بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة أن البراء ابن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر فقال رسول الله ﷺ: "أصاب الفطرة" وقد اختلف في الصفة التي يكون التوجه إلى القبلة عليها فقيل يكون مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه وقيل على جنبه الأيمن وهو الأولى.
وأما تغميضه إذا مات فلحديث شداد بن أوس عند أحمد وابن ماجه والحاكم والطبراني والبزار قال: "قال رسول الله ﷺ: "إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت" وأخرج مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فاغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر".
وأما قراءة "يس" عليه فلحديث "اقرأوا على موتاكم يس" أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وصححه من حديث معقل بن يسار مرفوعا وقد أعل وقد أخرج نحوه صاحب مسند الفردوس من حديث أبي الدرداء وأبي ذر وأخرج نحوه أيضا أبو الشيخ في فضل القرآن من حديث أبي ذر وحده قال: ابن حبان في صحيحه المراد بقوله: "اقرءوا على موتاكم يس" من حضرته المنية لا الميت وكذلك "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله".
وأما المبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته فلما أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن دحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله" وأخرج أحمد والترمذي من حديث علي ﵁ مرفوعا بلفظ "ثلاث لايؤخرن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤا" وأما إذا كان يظن أنه لم يمت فلا يحل دفنه حتى يقع القطع بالموت كصاحب البرسام ونحوه.
[ ١ / ١٣١ ]
وأما المبادرة بقضاء الدين فلحديث امتناعة ﷺ من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة والحديث معروف وحديث "نفس المسلم معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
وأما تسجية الميت فلما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله ﷺ ببرد الحبرة وهو في الصحيحين من حديث عائشة وذلك لا يكون إلا لجري العادة بذلك في حياته ﷺ.
وأما جواز تقبيله فلتقبيله ﷺ لعثمان بن مظعون وهو ميت كما في حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وفي الصحيح من حديثها وحديث ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي ﷺ عند موته".
وأما كون على المريض أن يحسن الظن بربه فالأحاديث في ذلك كثيرة ولو لم يكن منها إلا حديث النهي عن أن يموت الميت إلا وهو يحسن الظن بربه تعالى١ وحديث المريض الذي زاره النبي ﷺ فقال: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال: ما اجتمعا في قلب امرئ في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة٢" أو كما قال: وأما التوبة فالآيات القرانية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع المقام لبسطها وفي الصحيحين "إن الله تعالى يفرح بتوبة عبده وأن باب التوبة مفتوح لا يغلق".
_________________
(١) ١أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، بلفظ: "لا يموتن أحدكم إلا وهو محسن الظن بالله" من خط الفاضل العمراني. قلت: وأخرجه أيضا مسلم ﵀ من حديث جابر بلفظ: "سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بشهر يقول: لا يموتن إلخ" هـ. لمحرره. ٢ أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه عن أنس بلفظ: "أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ فقال أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وآمنه مما يخاف". من خط الفاضل العمراني أحسن الله إليه.
[ ١ / ١٣٢ ]
وأما التخلص عن كل ما عليه فوجوب ذلك معلوم وإذا أمكن بإرجاع كل شيء لمن هو له من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو واجب وإن لم يكن في الحال فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب وقد ورد الأمر بالوصية وإنه لا يحل لأحد أن يبيت إلا وصيته عند رأسه١ كما في الأحاديث الصحيحة.
_________________
(١) ١ أقول: هو في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ: "ما حق امرىء مسلم يبيت ليلة له شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده". وقد فهم منه شيخنا عدم جواز ترك كتبها لمن كان له شيء به، فلهذا قال: وإنه لا يحل. إلخ والله أعلم. هـ. لمحرره.
[ ١ / ١٣٣ ]