كتاب النكاح
يشرع لمن استطاع الباءة وبجب على من خشى الوقوع في المعصية والتبتل غير جائز إلا لعجز عن القيام بما لا بد منه وينبغي أن تكون المرأة ودودا ولودا بكرا ذات جمال وحسب ودين ومال وتخطب الكبيرة إلى نفسها والمعتبر حصول الرضاء منها لمن كان كفؤا والصغيرة إلى وليها ورضاء البكر صماتها وتحرم الخطبة في العدة وعلى الخطبة ويجوز النظر إلى المخطوبة ولا نكاح إلا بولى وشاهدين إلا أن يكون عاضلا أو غير مسلم ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح ولو واحدا.
أقول: أما مشروعية لمن استطاع الباءة فلما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "يا مشعر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" والمراد بالباءة النكاح والأحاديث الواردة في الترغيب في النكاح كثيرة.
وأما وجوبه على من خشي الوقوع في المعصية فلأن اجنتاب الحرام واجب وإذا لم يتم الاجنتاب إلا بالنكاح كان واجبا وعلى ذلك تحمل الأحاديث المقتضية لوجوب النكاح كحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ قال: بعضهم لا أتزوج وقال: بعضهم أصلى ولا أنام وقال: بعضهم أصوم ولا أفطر فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وأخرج ابن ماجه والترمذي من حديث الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ "نهى عن التبتل" قال: الترمذي إنه حسن غريب قال: وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة ويقال: كلا الحديثين صحيح انتهى وفي سماع الحسن عن
[ ٢ / ٢٠٢ ]
سمرة مقال: معروف وأخرج النهي عن التبتل أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث أنس وأخرج ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني".
وأما عدم جواز التبتل فلما تقدم وأما جوازه مع العجز عن القيام بما لا بد منه فلما ثبت في الكتاب العزيز من النهي عن مضارة النساء والأمر بمعاشرتهن بالمعروف فمن لا يستطيع ذلك لم يجز له أن يدخل في أمر يوقعه في حرام وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في العزبة والعزلة.
وأما كونه ينبغي أن تكون المرأة ودودا ولودا وبكرا ذات جمال وحسب ودين ومال فلحديث أنس عند أحمد وابن حبان وصححه أن النبي ﷺ قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" وأخرج نحوه أحمد من حديث ابن عمرو وفي إسناده جرير بن عبد الله العامري وقد وثق وفيه ضعف وأخرج نحوه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث معقل بن يسار وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ قال له: "تزوجت بكرا أم ثيبا قال: ثيبا قال: هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره أن النبي ﷺ قال: "إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك".
وأما كونها تخطب الكبيرة إلى نفسها فلما في صحيح مسلم ﵀ أن النبي ﷺ أرسل إلى أم سلمة يخطبها.
وأما كون المعتبر حصول الرضا منها فلحديث ابن عباس عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة نحوه وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عباس أن
[ ٢ / ٢٠٣ ]
جارية بكرا أتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ قال: الحافظ ورجال إسناده ثقات وروى نحوه من حديث جابر أخرجه النسائي ومن حديث عائشة أخرجه أيضا النسائي وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أبي زوجنى ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال: فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء" ورجاله رجال الصحيح وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة.
وأما اعتبار الكفاءة فلحديث علي عند الترمذي أن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا تؤخر الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت لها كفؤا" وأخرج الحاكم من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "العرب أكفاء بعضهم لبعض قبيلة لقبيلة حي لحي ورجل لرجل إلا حائك أو حجام" وفي إسناده رجل مجهول وقال: أبو حاتم إنه كذب لا أصل له وذكر الحافظ أنه موضوع ولكن رواه البزار في مسنده من طريق أخرى عن معاذ بن جبل رفعه "العرب بعضها أكفاء لبعض" وفيه سليمان بن أبي الجون ويغني عن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة "خيارهم١ في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" وقد أخرج الترمذي من حديث أبي حاتم المزنى قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقة فأنحكوه إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" قالوا وإن كان فيه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنحكوه ثلاث مرات" وقد حسنه الترمذي وأخرج الدارقطني عن عمر أنه قال: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء".
وأما كون الصغيرة تخطب إلى وليها فلما في صحيح البخاري ﵀
_________________
(١) ١ و(٢) هكذا في الأصل خيارهم ولعل الصواب خياركم.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
تعالى وغيره عن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة ﵂ إلى أبي بكر ﵁".
وأما كون رضا البكر صماتها فلما تقدم من الأحاديث الصحيحة.
وأما كونها تحرم الخطبة في العدة فلحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله صلى سكنى ولا نفقة وقال لها رسول الله ﷺ: "إذا حللت فآذنينى فآذنته" الحديث وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] قال: يقول أريد التزويج ولوددت أنه يسر لى امرأة صالحة" وأخرج الدارقطني عن محمد بن على الباقر أنه دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي أيمة أبي سلمة فقال: علمت أني رسول الله وخيرته من خلقه وموضعى من قومي وكانت تلك خطبته" والحديث منقطع قال: في الفتح واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها وأما الرجعية فقال: الشافعي لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعريض مباح في الأولى وحرام في الأخيرة مختلف فيه البائن.
وأما المنع من خطبة على الخطبة فلحديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" وأخرج أيضا من حديث ابن عمر "لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له" وقد ذهب إلى تحريم ذلك الجمهور.
وأما كونه يجوز النظر إلى المخطوبة فلحديث المغيرة عند أحمد والنسائي
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وابن ماجه والترمذي والدارمي وابن حبان وصححه أنه خطب امرأة من الأنصار فقال رسول الله ﷺ: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" الحديث. وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ وأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول ﷺ: "أنظرت إليها"؟ قال: لا قال: "فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا" وفي الباب أحاديث.
وأما كونه لا نكاح إلا بولي فلحديث أبي موسى عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" وحديث عائشة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وأبي عوانة أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بعا فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" وفي الباب أحاديث قال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين والولي عند الجمهور هو الأقرب من العصبة ورورى عن أبي حنيفة أن ذوى الأرحام من الأولياء.
وأما اعتبار الشاهدين فلحديث عمران بن حصين عند الدارقطني والبيهقي في العلل وأحمد في رواية ابنه عبد الله عن النبي ﷺ قال:"لانكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" وإسناده ضعيف وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة" وصحح الترمذي وقفه وهذه الأحاديث وماورد
[ ٢ / ٢٠٦ ]
في معناها يقوي بعضها بعضا وثد ذهب إلى ذلك الجمهور.
وأما استثناء الولى العاضل وغير مسلم فلقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] ولتزوجه ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان من غير وليها لما كان كافرا حال العقد.
وأما جواز التوكيل لعقد النكاح ولو كان الوكيل واحدا من الجهتين فلحديث عقبة بن عامر عند أبي داود أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة قال: نعم وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانا"؟ قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه" الحديث وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم الأوزعي وربيعة والثورى ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث والهادوية وأبو ثور وحكى في البحر عن الناصر والشافعي وزفر أنه لا يجوز قال في الفتح: وعن مالك لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت فزوجها نفسه أو بمن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج وقال: الشافعي يزوجه السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه ووافقه زفر.
[ ٢ / ٢٠٧ ]