إِن الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنَستعِينُهُ، وَنَستغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيئاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِل لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ.
وَأشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ.
وَأشْهَدُ أن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أما بَعْدُ:
"فإنهُ يَنبغِي لِكُل أحَد أن يَتَخَلقَ بِأخْلاَقِ رَسُولِ - ﷺ -، وَيَقْتَدِيَ بِأقْوَالهِ وَأفْعَالِهِ وَتَقْريرهِ؛ فِي الأحكَامِ وَالآدَابِ وَسَائِر مَعَالِمِ الإسْلاَمِ، وَأنْ يَعْتَمِدَ فِي ذلِكَ مَا صَح وَيَجْتَنِبَ مَا ضَعُفَ، وَلاَ يَغتر بِمُخَالِفِي السننِ الصحِيحَةِ، وَلاَ يُقَلدَ مُعْتَمِدِي الأحَادِيثِ الضعِيفَةِ؛ فَإن اللهَ -﷾- قَالَ: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وَقَالَ- تَعَالَى-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وَقَالَ- تَعَالَى-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؛ فَهذِهِ الآيَاتُ -وَمَا فِي مَعناهُن- حَث عَلَى اتباعِهِ - ﷺ -.
وَنَهَانَا عَنِ الابْتِدَاعِ وَالاخْتِرَاعِ، وَأمَرَنَا اللهُ -﷾- عِنْدَ التنازُعِ
[ ٥ ]
بِالرجُوعِ إِلَى الله وَالرسُولِ -أي: الكِتَابِ وَالسنةِ-، وَهذَا كُلُّهُ فِي سُنة صَحتْ، أما مَا لَمْ تَصح: فكيْفَ تكُونُ سُنةَ؟! وَكَيفَ يُحكَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنهُ قَالَهُ أوْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْر مُسَوغٌ لِذلِكَ؟!!
وَلاَ تَغْتَرن بِكَثْرَةِ المتساهِلِينَ فِي العَمَلِ -وَالاحْتِجَاجِ فِي الأحكامِ- بِالأحَادِيثِ الضعِيفَةِ! وَإنْ كَانُوا مُصَنفِينَ وَأئِمة فِي الفِقهِ وَغَيْرهِ!!.." (١) .
وَ"الفِقْهُ فِي الدينِ: مِنْ أفْضَلِ مَا يُتَنَافَسُ فِيهِ وَيُطلَبُ، وَيُثَابَرُ عَلَى السعْي فِي تَحْصِيلِهِ وَيُرْغَبُ؛ لأن بِهِ صَلاَحَ العَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَبِهِ يَهتدِي مِنْ غَيهِ لِرشَادِهِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الفَلاَحِ وَالسعَادَةِ، وَبِهِ يُتَمكنُ مِنَ القِيَامِ بِوَاجِبِ العِبَادَةِ، وَأهلُهُ هُمُ الوَاسِطَةُ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلقِهِ فِي تَبلِيغِ شَرعِهِ وَأحكَامِهِ، وَتَمْيِيز حَلاَلِهِ مِن حَرَامِهِ.
وَقَدْ فَازَ بِهذِهِ الفَضِيلَةِ الصدرُ الأولُ، وَمَن عَلَى نَقْلِهِمْ وَفَهْمِهِمْ فِي النصُوص المعَولُ؛ فَاقتسَمُوا إِرثَ النبوةِ فَرْضًا وَتَعصِيبًا، وَلَمْ يَترُكُوا لِسِوَاهُمْ مِنْ تِلك الفَريضَةِ حَظًا وَلا نَصِيبًا، ثُم اقتدَى بِهِمْ فِي نَهْجِهِمِ القَويمِ الأسنى؛ مَنْ سَبَقَت لَهُ مِنَ اللهِ السعَادَةُ وَالحُسنى، حَتى انتهَت تِلكَ الورَاثَةُ إِلى الأئِمةِ الكِبَارِ، المقتدَى بِهِم فِي سَائِر الأعصَارِ وَالأمصَارِ، فكَانُوا وَسَائِلَ وَطرُقًا وَأدِلةَ بَيْنَ الناس وَبَيْنَ الرسُولِ، يُبَلغُونَهُمْ مَا قَالَهُ، وَيُفَهمُونَهُمْ مُرَادَهُ؛ بِحَسْبِ اجتِهَادِهِم وَاستِطَاعَتِهِمْ -﵃-" (٢) .
وَمِنْ بَيْنِ هَؤُلاَءِ الأئِمةِ الفُحُول، المقتفِينَ آثَارَ الرسُول - ﷺ -: الشيْخُ
_________________
(١) "خلاصة الأحكام" (١/٥٩-٦٠) للإمام النووي.
(٢) "هداية الأريب الأمجد" (٥-٦) للشيخِ سليمان بن حمدان.
[ ٦ ]
العلامة صِديق حسن خان -تغمده بِعفوهِ الرحِيم الرحمن-؛ فَقدْ ألفَ كِتَابًا فريدًا، نسج فِيهِ منهجًا سدِيدًا؛ سماه "الروضة الندِية" (١)؛ مَبْنِيًّا على الدلائِل البَينةِ العِلمِية.
وَلَقَدْ "سَلَكَ فِيهِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- مَسْلَكَ الإنْصَاف، وَجَانَبَ فِي الترجِيحِ سَبِيلَ الجَورِ وَالاعْتِسَاف، وَهَذبَ مَبَانِيَه، وَحَررَ مَعَانِيَه، وَاعتنَى بِتَقْدِير الأدِلةِ وَنَصْب أَعلاَمِهَا، وَتَوضِيحِ وُجُوهِ الدلالَةِ وَأحكَامِهَا، وَذَكرَ مَذَاهِبَ الأسلاَف، وَمَا وَقَعَ بَيْنَهُم مِنَ الوفَاقِ وَالخِلاَف، مَعَ تَرجِيحِ مَا عَضَدَهُ البُرهَان، مِنْ غَير نَظر فِي ذلِكَ إِلَى خُصُوصِيةِ إِنْسَان، رَائِيًا أَن الحَق أَحَقُّ بِأنْ يَعَض بِالنوَاجِذِ علَيْهِ، وَأن مَا سِوَاهُ يُطرَحُ فِي زَوَايَا الإهْمَالِ وَلاَ يُعَولُ عَلَيهِ" (٢) .
فَجَاءَ كِتَابًا رَائِعًا، بَدِيعًا جَامِعًا، بِعِبَارَة سَهْلَةِ مُيَسرَة، وَأدِله مُنَقحَة مُحَررة، وَمَسَائِلَ مُنضَبِطَةِ مُحَبرَة.
وَلِمَا لِهذَا الكِتَابِ مِنْ أهَمييما وَمكَانَة -بِمَا حَوَاهُ مِنْ قُوة وَمَتَانَة-: فقد اعتنَى بِهِ عُلَمَاؤُنَا، وَأوْصَى بِهِ كُبَرَاؤُنَا؛ وَدَرسَهُ وَشَرَحَهُ فُضَلاَؤُنَا:
-فَهَذَا الشيخُ العَلامَةُ أحمَد مُحَمد شَاكِر- المتَوَفى سَنَةَ (١٣٧٧ هـ) -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يَقُومُ بِالتعْلِيق. عَلَيهِ وَخِدْمَتِهِ -كمَا فِي آخِر الطبعَةِ
_________________
(١) وكان قد سماه -قَبْلُ-: "النفحة الأحمديّة"؛ كما في كتابه "الحطة في ذِكر الصحاح الستة" (ص ٤٨٣) بتحقيقي.
(٢) من مقدمة الشيخِ محمد قاسم -مصحح المطبعة المصرية الأميرية- للطبعة الأولى من "الروضة الندية" -كما في كتاب "السيد صديق حسن خان" (ص ٧٧) - لأختر جمال لقمان -نشر دار الهجرة-.
[ ٧ ]
المنِيريةِ-. (١) (٢/٣٦٥) بِقَلَم الشيْخ شَاكِر نَفْسِه؛ حَيْثُ قَالَ:
"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: عَهِدَ إِلَي الأخ الأستاذُ الشيْخُ مُحَمد مُنِير الدمَشْقِي (٢) -صَاحِبُ (إِدَارَةِ الطباعَةِ المنِيريَةِ) - بِتَصحِيحِ هذَا الكِتَابِ -"الروْضَةِ الندِيةِ"-؛ فَقُمْتُ بِمُرَاجَعَةِ الأصْل الَذِي يُطبعُ مِنْهُ، وَبَذَلتُ وُسْعِي فِي مُرَاجَعَةِ مَا عَرَضَ مِنَ الشبهَاتِ فِي تَخْريجِ الأحَادِيثِ وَالكَلاَمِ عَلَى رُوَاتِهَا، وَكَتَبْتُ مَا عَن لِي مِنَ التَعْلِيقاتِ؛ رَغْبَةً فِي خِدْمَةِ السنةِ الشريفَةِ.
وَنَسْألُ اللهَ أن يُعِينَنَا عَلَى القَصْدِ إِلَى الخَيْر.
أحْمَد مُحَمد شَاكِر -القَاضِي الشرْعي-".
وَهذَا شَيْخُنَا العَلامَةُ الألبَانِي -حَفِظَهُ اللهُ-، يَنْصَحُ بِهِ (٣)، وَيُدَرسَه (٤)، بَلْ وَيَضَعُ عَلَيْهِ تَعْلِيقًا مكْتُوبًا، وَنَقْدًا لَطِيفًا مَرْغُوبًا -وَهُوَ هذَا الَذِي بَيْنَ أيْدِينَا-؛ وَقَدْ سَماهُ "التَعْلِيقَاتِ الرضية عَلَى الروْضَةِ الندِية".
مِنْ أجْل هذَا كُلهِ: رَأيْتُ لُزُومَ نَشْر الكِتَابِ، مَعَ تَعْلِيقَاتِ مَشَايِخِنَا عَلَيهِ؛ فَلَما عَرَضْتُ هذا الأمْرَ عَلَى شَيْخِنَا -نَفَعَ اللهُ بِهِ- وَافَقَ ذلك مُبَارَكَةً كَرِيمَةً مِنْه -حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى، وَنَفَعَ بِهِ-؛ فَدَفَعَ إِلَي نُسْخَتَهُ الخَاصَّةَ، المكْتُوبَةَ
_________________
(١) وهذا النصُّ -كلُّه- محذوف من الطبعات المتداوَلَةِ المصوّرة -جميعًا-!!
(٢) وَصفَ الشيخُ الدمشقِي مؤلفَنَا -رحمهما الله تعالى- في كتابه "أُنموذج من الأعمال الخيرية" (ص ٣٩٥)، بـ (الإمام، العلامة، محيي آثار السلف الصالح، ذي الأيادي البيضاء، والنعَم العظيمة على العلماء..".
(٣) كما في مجلة (الأصالة) (عدد: ٥/ص ٥٩) .
(٤) انظر ما سيأتي (ص ١٢) . وكاتبُ هذه السطور -عفا الله عنه- درس لمجموعة طيبة من طلاب العلم ثلاثةَ أرباعِ هذا الكتاب في نحو مئة وسبعين مجلسًا، ولم يَبقَ منه -بمنّة الله- إلا القليل؛ سائلًا ربي -سُبحانه- أن يُعينني على إتمامه، وأن يُيَسر لي أسباب ذلك.
[ ٨ ]
عَلَى حَوَاشِيهَا تَعْلِيقَاتُهُ، وَنَقَدَاتُهُ -بِخَطه (١) -، لأقُومَ بِتَحْقِيقِهَا وِإظهَارِهَا إِلَى حَيز الوُجُودِ-؛ فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا عَلَى حُسْن ظَنهِ بِوَلَدِهِ وَتِلمِيذِهِ، وَأكْرَمَهُ فِي الدارَين بِأكْمَل الحُسْنَيَيْن.
كل ذلِكَ إِفَادَةَ لِلأمةِ، وَعِنَايَةَ بِهَا، وِإعِظامًا لأمْرهَا؛ عَسَى أنْ يَكتبَنَا اللهُ -سبْحَانَهُ- مِنْ حَمَلَةِ العِلمِ النبوي الشريف، قَائِمِينَ بِالعَمَل، وَالتَعْلِيمِ، وَالتَعْريف.
فَاللهَ أسْألُ التَوْفِيقَ وَالسدَاد، وَالهُدَى وَالرشَاد.
وختامًا، فإني أتقدّم بالشكر الجزيل لِكُل مَن كان له يَد في نَشر هذا الكتاب؛ تعليقًا (٢)، وتصحيحًا، وتنضيدًا، وتدقيقًا، وضبطًا.
وشكر خاص موصول: للأخ الفاضل أبي عبد الله كمال الدين بن حُسين عُويس -وفقه الله لمراضيه-، صاحب دار ابن عفان/القاهرة-، على صَبْرهِ، واحتمالِه، وقيامِهِ بالدعم المادي والأدَبي -الدؤوب- لإخراج هذا العَمَل العلميّ مطبوعًا، مشرقًا، بهيًا؛ فجزاه اللهُ خيرَ الجزاءِ، وزادَنا وإياه من فضلهِ.
وَصَلى اللهُ وَسَلمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِينا مُحَمدِ الأمِين، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِين.
وَكَتَبَ
أبُو الحَارِثِ الحَلَبِيُّ الأثَرِيُّ
٢٣ رجب ١٤١٩ هـ
الزرقَاءَ - الأُردن
_________________
(١) انظر ما سيأتي (ص ٢٩-٣٣) .
(٢) وقد كان عندى كم كبير من التعليقات؛ إضافةَ، وشرحًا، وبيانًا، ونقدًا، لكني لم أضعها -جميعًا- هنا؛ تعجيلًا بالخَير، وإفادة للأمة علمَ عُلمائها عسى أن يُهيئ الله -سبحانه- لي تبييض هذه التعليقات وإثباتها -كلها- في طبعة قادمة -إن شاء الله-.
[ ٩ ]