جمع أدب، وهو والمندوب والمستحب والسنة بمعنى واحد عند الشافعية والحنبلية (وقال) الحنفيون ومالك: الأدب والمندوب والمستحب بمعنى وهو ما فعله النبى ﷺ ولم يواظب عليه، وللصلاة آداب كثيرة المذكور هنا تسعة.
(١) السكنات فى الصلاة: يندب للمصلى أن يسكت فى الصلاة أربع سكتات (الأولى) بعد تكبير الإحرام وقبل القراءة. وهى مستحبة لكل مصل عند من يقول بدعاء الاستفتاح. وهذه ليست سكتة حقيقية، بل الرماد عدم الجهر بشئ من الذكر، لاشغاله بدعاء الاستفتاح كما تقدم (١)
وشرعت هذه السكتة ليتسنى للمأمومين تأدية النية والتكبير ويتفرغوا لسماع القراءة (الثانية) سكتة بين ولا الضالين وآمين، ليتسنى للمأموم موافقة الإمام فى التأمين (لقول) سمرة بن جُنْدُبٍ حفظت عن رسول الله ﷺ
_________________
(١) تقدم ص ٢٢١.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
سكتتين: سكتةً إذا كبرّ وسكتة إذا فرغ من قراءةِ غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالين " أخرجه أحمد وأبو داود وهذا لفظه (١). ﴿٣٦٣﴾
(الثالثة) السكتة بين الفاتحة والسورة. وهى مستحية للإمام عند الشافعية والحنبلية. ليقرأ المأموم فيها الفاتحة، ويشتغل الإمام بالذكر والدعاء والقراءة سرا. ومكروهة عند الحنفيين ومالك لعدم ما يدل على مشروعيتها. واستدل الأولون بقول عروة بن الزبير: أما أنا فأغْتَمِ من الإمام اثنتين إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأقرأ عندها وحين يختم السورة فأقرأ قبل أن يركع. وهذا يدل على اشتهار ذلك بينهم. رواه الأثرم (٢)
(الرابعة) السكتة بعد قراءة وقبل الركوع. وهى سكتة لطيفة لفصل القراءة من الركوع وترادّ النَّفَس. وهى مستحبة عند الشافعى وأحمد وإسحاق (لقول) سمُرة: " حِفظتُ سكتتين فى الصلاة: سكتةً إذا كبر الإمام حتى يقرأ. وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسور عند الركوع. فأنكر ذاك عليه عمران بن حُصين، فكتبوا فى ذلك إلى المدينة إلى أبىّ فصدّق سَمُرة " أخرجه أبو داود وابن ماجه والدار قطنى (٣) ﴿٣٦٤﴾
(٢) يستحب للمصلى أن لا يجاوز بصرُه موضع سجوده حال القيام وغيره عند الشافعى وأحمد وهو ظاهر الرواية عند الحنفيين (قال) ابن قدامة: قال أحمد فى رواية حنبل: الخشوع فى الصلاة أن يجعل نظره موضع سجوده وروى ذلك عن مسلمة بن يسار وقتادة (٤) (وقال) أبو هريرة: " كان النبى
_________________
(١) ص ١٧٥ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٩١ ج ٥ - المنهل العذب (السكتة عند الافتتاح).
(٢) ص ٥٣٥ ج ١ - معنى.
(٣) ص ١٩٠ ج ٥ - المنهل العذب. وص ١٤٤ ج ١ - ابن ماجه (فى سكتتى الإمام).
(٤) ص ٦٤٤ ج ١ - مغنى (مستحبات الصلاة).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ﷺ إذا صلى رفع بصرهَ إلى السماء فنزلت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فطأطأ رأسه " أخرجه البيهقى والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (١) ﴿٣٦٥﴾
(وقال) عد الله بن الزبير: " كان رسول الله ﷺ إذا جلس فى التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ولم يُجاوز بصرهُ إشارتهَ " أخرجه أحمد والنسائى (٢) ﴿٣٦٦﴾
" ولم يجاوز بصره إشارته " أى أنه يستحب للمصلى أن لا يرفع بصره حال التشهد إلى ما يجاوز الأصبع التى يشير بها. ولذا قالت الشافعية: يستحب نظره إلى سبابة اليمنى حال التشهد (وقالت) المالكية: يستحب أن يكون نظره موجهًا للقبلة. قال ابن رشد الذى ذهب إليه مالك أن يكون بصر المصلى أمام قبلته من غير أن يلتفت إلى شئ ولا يُنكِّس رأسه، وهو إذا فعل ذلك خشع بصره ووقع فى موضع سجوده على ما جاء عن النبى ﷺ (وقال) بعض الحنفيين: يندب نظر المصلى إلى موضع السجود حال القيام، وإلى ظهر القدمين حال الركوع، وإلى طرف أنفه حال السجود، وإلى حِجْره حال التشهد، وغلى المنكب الأيمن والأيسر حال السلام، لأن المقصود والخشوع وهذا أدعى له. ولم نقف على دليل لهذا التفصيل إلا ما حكى عن شَريك أنه قال: ينظر فى حال قيامه إلى موضع سجوده وفى ركوعه إلى قدميه وفى سجوده إلى أنفه، وفى التشهد إلى حِجْره (قال) العلامة
_________________
(١) ص ٢٨٣ ج ٢ - بيهقى (لا يجاوز بصره موضع سجوده) وص ٤٥٩ ج ٢ - تفسير الشوكانى.
(٢) ص ١٥ ج ٤ - الفتح الربانى. وص ١٨٧ ج ١ - مجتبى (موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ابن عابدين: المنقول فى ظاهر الرواية أن يكون منتهى بصر المصلى فى صلاته إلى محل سجوده كما فى المضمرات، وعليه اقتصر فى الكنز وغيره. وهذا التفصيل من تصرفات المشايخ كالطحاوى والكرخى وغيرهما (١).
(٣) ويندب للمصلى أن يسدّ فمه عند التثاؤب ما استطاع ولو بأخذ شفته السفلى بسِنّه فإن لم يقدر غطاه بكمه أو بظهر يده اليمنى وقيل باليمنى فى القيام وباليسرى فى غيره (لحديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " التثاؤب نم الشيطان، فإذا تثاءبَ أحدكم فليردّه ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال هاضحك الشيطان " أخرجه البخارى (٢) ﴿٣٦٧﴾
وفى رواية: إذا تثاءب أحدكم فى الصلاة فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخلُ (٣). وفى رواية ابن ماجه: إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه.
(٤) ويستحب دفع السعال الطارئ بقدر الإمكان. أما المتصنَّع وهو الحاصل بلا عذر، فإنه مبطل للصلاة إذا اشتمل على حروف كالجشاء كما سيأتى.
(٥) ويندب للرجل إخراج كفيه من كميه حال الصلاة إلا لضرورة كبرْد. أما المرأة فلا تفعل ذلك محافظة على الستر.
(٦) ويستحب تطويل الركعة الأولى عن الثانية فى جميع الصلوات عند مالك وأحمد ومحمد بن الحسن وجمهور الشافعية سواء أكان التطويل بالقراءة أن بترتيلها مع استواء المقروءة فى الركعتين (لقول) أبى قتادة: كان رسول الله ﷺ يصلى بنا فيقرأ فى الظهر والعصر فى الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويُسمِعُنا الآية أحيانا. وكان يطوّل الركعة الأولى من الظهر ويُقَصِّر الثانية
_________________
(١) ص ٣٥٣ ج ١ - رد المختار (آداب الصلاة).
(٢) ص ٢١٤ ج ٦ - فتح البارى (صفة إبليس من كتاب بدء الخلق)
(٣) ص ٤٦٥ ج ١٠ - فتح البارى (إذا تثاءب فليضع يده على فيه).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وكذلك فى الصبح. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى (١) ﴿٣٦٨﴾
والحكمة فى ذلك أنه ﷺ كان يطوّل الأولى ليدركها الناس (وقال) عطاء: إنى لأحب أن يطوّل الإمام ركعة الأولى من الصلاة من كل صلاة حتى يكثر الناس. أخرجه عبد الرزاق (وقيل) الحكمة أنّ النشاط فى الركعة الولى يكون أكثر فلا يمنع التطويل من الخشوع. وخُفِّف غيرها حذرًا من الملل (وقال) النعمان وأبو يوسف: يستحب تطويل الأولى عن الثانية فى صلاة الصبح دون غيره، إعانة للناس على إدراك الجماعة، فإنه وقت نوم وغفلة (وقال) جماعة من الشافعية وغيرهم: يستحب التسوية بين الأوليين فى القراءة فى كل صلاة (لقول) أبى سعيد الخدرى: حزرنا قيام رسول الله ﷺ فى الظهر والعصر. فحزَرْنا قيامة فى الأوليين من العصر على قدر الأُخريين من الظهر. وحزرنا قيامه فى الأخريين من العصر على النصف من ذلك. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وهذا لفظه والنسائى والطحاوى (٢) ﴿٣٦٩﴾
(وأجابوا) عن حديث أبى قتادة ونحوه بأنّ تطويل الركعة الأولى
_________________
(١) ص ٢٠٧ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٦٥ ج ٢ - فتح البارى. وص ١٧١ ج ٤ - نووى (القراءة فى الظهر والعصر) وص ١٥٣ ج ١ - مجتبى (تطويل القيام فى الركعة الأولى ..) (وسورتين) أى فى كل ركعة سورة. ففى رواية للبخارى عن أبى قتادة قال: كان النبى ﷺ يقرأ فى الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة. انظر ص ١٦٧ ج ٢ - فتح البارى (القراءة فى العصر).
(٢) ص ٢٢٢ ج ٣ - الفتح الربانى (القراءة فى الظهر) وص ١٧٢ ج ٤ نووى. وص ٢٢٧ ج ٥ - المنهل العذب (تخفيف الأخريين) وص ١٢٢ ج ١ - شرح معانى الآثار (وحزرنا) بزاى فراء، أى قدّرنا قيامه للقراء فى الصلاة.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
إنما هو لدعاء الاستفتاح والتعوّذ. وقد جمع البيهقفى بين حدثيى التطويل والتسوية بأنّ الإمام يطوّل فى الأولى إن كان منتظرًا لحد، وإلا سوّى بين الأوليين. والراجح القول الأول (قال) النووى: تطويل القراءة فى الأولى قصدًا هو الصحيح المختار لظاهر السنة (١) (وقال) ابن القيم: كان ﷺ يطيل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح ومن كمل صلاة، وربما كان يطيلها حتى لا يُسمع وقع قدم. وكان يطيل صلاة الصبح أكثر من سائر الصلوات. وهذا لأن قرآن الفجر مشهود، شهده الله تعالى ملائكته. وقيل يشهده ملائكة الليل والنهار. وأيضًا فإنها لما نقصت عدد ركعات جعل تطويلها عوضًا عما نقصته من العدد، ولأنها تكون عقيب النوم والناس مستريحون لم يأخذوا بعد فى استقبال المعاش وأسباب الدنيا، ولأنها تكون فى وقت تواطأ فيه السمع واللسان والقلب لفراغه وعدم تمكن الاشتغال فيه. فيفهم القرآن ويتدبره. وأيضا فإنها أساس العمل وأوّله فأعطيت فضلا من الاهتمام به أو تطويلها. وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها. والله المستعان (٢).
(٧) ويستحب - عند الحنفيين وأحمد - لمصلى النافلة دون الفريضة السؤال إذا مرّ بآية فيها سؤال أو رحمة أو عذاب أو جنة أو استغفار أو موجوّ، والتعوّذ إذا مرّ بآية فيها تعوّذ أو نار أو وعيد، والتسبيح إذا مرّ بآية فيها تسبيح (لقول) أبى ليلى: " سمعتُ النبىَّ ﷺ يقرأ فى صلاةٍ ليست بفريضة فمرّ يذكر الجنة والنار فقال: أعوذ بالله من النار، ويل لأهل
_________________
(١) ص ١٧٥ ج ٤ - شرح مسلم.
(٢) ص ٥٥ ج ١ - زاد المعاد (إطالة الركعة الأولى).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
النار " أخرجه أحمد وابن ماجه بسند جيد (١) ﴿٣٧٠﴾
(ولقول) حذيفة: " صليتُ مع النبى ﷺ ذات ليلة " (الحديث) وفيه ثم افتتح آل عمران فقراها يقرؤها مُتَرسِّلا إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر يتعوّذ تعوّذ (الحديث) أخرجه مسلم وكذا أحمد بلفظ: كان إذا مرّ بآية رحمة سأل. وإذا مر بآية فيها عذاب تعوّذ. وإذا مر بآية فيها تنزيه الله ﷿ سبح (٢) ﴿٣٧١﴾
وبهذا قالت المالكية غير أنهم قالوا: يكره الدعاء أثناء القراءة فى الفريضة لغير مأموم. أما المأموم فله أن يصلى على النبى ﷺ إذا ذكره الإمام فى قراءته. وأن يسأل الجنة إذا سمع آية فيها ذكرها وأن يستعيذ من النار إذا سمع آية فيها ذكرها. ولكن لا نعلم دليلا على هذه التفرقة (وقالت) الشافعية: يستحب ما ذكر لكل مصل إماما أو غيره فى الفرض والنفل، لعموم حديث حذيفة أنه صلى مع النبى ﷺ فكان يقول فى ركوعه: " سبحان ربىَ العظيم، وفى سجوده سبحان ربىَ الأعلى، وما مرّ بآية رحمة إلا وقف عندها فسال، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوّذ " أخرجه أحمد والدارمى وأبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح (٣) ﴿٣٧٢﴾
_________________
(١) ص ٢٣٨ ج ٣ - الفتح الربانى. وص (٢١١ ج ١ - ابن ماجه (القراءة فى صلاة الليل)
(٢) ص ٦١ ج ٦ - نووى (تطويل القراءة فى صلاة الليل). وص ٢٣٨ ج ٣ - الفتح الربانى.
(٣) ص ٢٦٢ ج ٣ - الفتح الربانى (الذكر فى الركوع) وص ٢٩٩ ج ١ - سنن الدارمى. وص ٣١٧ ج ٥ - المنهل العذب (ما يقول الرجل فى ركوعه وسجوده). وص ٢٢٥ ج ١ - تحفى الأحوذى (التسبيح فى الركوع والسجود).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
(وأجاب) الأوّلون بأنه محمول على النافلة، لأنه لم ينقل عن النبى ﷺ أنه دعا فى الفريضة حال قراءته مع كثرة من وصف قراءته ﷺ فيها.
(٨) ويندب للرجل إذا أصابه فى صلاته حادث هامّ - كإذنه لداخل وإنذار أعمى وتنبيه غافل - التسبيح، وللمرأة التصفيق بضرب بطن اليمنى على ظهر اليسرى أو عكسه أو بضرب ظهر إحداهما على الأخرى (لحديث) سهل بن سعد الساعدى أنّ النبى ﷺ قال: من نابه شئ فى صلاته فلْيُقلْ سبحان الله، إنما التصفيقُ للنساء والتسبيح للرجال. أخرجه الشيخان وأبو داود وأحمد وهذا لفظه (١) ﴿٣٧٣﴾
ولذا قال الحنفيون والشافعى وأحمد: يستحب للرجل إذا نزل به شئ فى الصلاة التسبيح ولا تضر كثرته، أنه قول من جنس الصلاة وإن لم يحصل المقصود م التسبيح غلا بالكلام أو الفعل المبطل أتى به وتبطل الصلاة لأنه عمل من غير جنسها، والمرأة تصفق بقدر الضرورة فإن أكثرت بطلت الصلاة، لأنه عمل من غير جنسها، وخص النساء بالتصفيق لأن حالهن مبنى على الستر وفى رفع أصواتهنّ فتنة، وقال الكمال فى الفتح (فرع) صرح فى النوازل بأنه نغمة المرأة عورة، وبنى عليه أن تعلمها القرآن من المرأة أحب من تعلمها من الأعمى. ولذا قال ﵊: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء. فلا يحسن أن يسمعها الرجل أهـ. وعلى هذا لو قيل إذا جهرت بالقراءة فى الصلاة فسدت كان متجها أهـ كلام الكمال، لكن قال ابن نجيم فى البحر: وفى شرح المنية: والأشبه أن صوتها ليس بعورة وإنما يؤدى على الفتنة ولعلهنّ إنما منعن من رفع الصوت بالتسبيح فى الصلاة لهذا المعنى، ولا يلزم
_________________
(١) ص ٥٦ ج ٣ - فتح البرى (رفع الأيدى فى الصلاة - العمل فى الصلاة). وص ٤٤ ج ٦ - المنهل العذب (التصفيق فى الصلاة). وص ١٠٩ ج ٤ - الفتح الربانى.
[ ٢ / ٢٧١ ]
من حرمة رفع صوتها بحضرة الأجانب أن يكون عورة أهـ. ومنه تعلم بطلان ما قاله الشوكانى من أن الحنفيين يقولون ببطلان صلاة المرأة إذا صفقت إذا نابها شئ، وإنما تسبح كالرجل (وقالت) المالكية: يطلب التسبيح للرجل والنساء، لحديث سهل بن سعد الساعدى أن النبى ﷺ قال: " من نابه شئ فى صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التُفت إليه وإنما التصفيق للنساء " أخرجه مالك والشيخان وأبو داود (١) ﴿٣٧٤﴾
(قال) الزرقانى: وإنما التصفيق للنساء، أى هو من شأنهنّ فى غير الصلاة فلا ينبغى فعله فى الصلاة لالرجل ولالامرأة، بل التسبيح للرجال والنساء جميعا، لعموم قوله ﷺ " من نابه شئ " ولم يخص رجالا من نساء. هكذا تأوّله مالك وأصحابه ومن وافقهم على كراهة التصفيق للنساء (وتعقبه) ابن عبد البر بحديث حماد بن زيد عن أبى حازم عن سهل بن سعد أن النبى ﷺ قال: " إذا نابكم ش فى الصلاة فلْيُسبِّح الرجالُ ولْيُصفِّق النساءُ " أخرجه البخارى وأبو داود (٢) ﴿٣٧٥﴾
فقد فرّق بين حكم الرجال والنساء فهو قاطع فى محل النزاع (قال) القرطبى: القول بمشروعية والتصفيق للنساء هو الصحيح خبرًا ونظرا، لأنها مأمورة بخفض صوتها فى الصلاة مطلقًا لما يخشى من الافتتان. ومنع
_________________
(١) ص ٢٩٦ ج ١ - زرقانى (الالتفات والتصفيق فى الصلاة). وص ١١٥ ج ٢ - فتح البارى (من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام ..). وص ١٤٦ ج ٤ - نووى. وص ٤٤ ج ٦ - المنهل العذب (التصفيق فى الصلاة).
(٢) ص ١٤٦ ج ١٣ - فتح البارى (الإمام يأتى قوما فيصلح بينهم من كتاب الأحكام) وص ٤٨ ج ٦ - المنهل العذب (التصفيق فى الصلاة).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء (١).
(٩) ما يقرأ فى الصلاة: اتفق العلماء على أنه لا يتعين شئ من القرآن لصلاة سوى الفاتحة للقادر عليها على ما تقدم بيانه، فأى شئ قرأ به المصلى بعدها أجزأه، غير أنه يستحب القراءة بطوال المفصل فى الصبح عند الأئمة الأربعة، وكذا الظهر عند غير الحنبلية، وبأوساطه فى العصر عند غير المالكية وفى العشاء اتفاقا، وكذا فى الظهر عند الحنبلية، وبقصاره فى المغرب اتفاقا وكذا فى العصر عند المالكية.
وطوال المفصل عند الحنفيين من الحجرات إلى الانشقاق، وأوساطه من سورة البروج إلى القدر، وقصاره من سورة لم يكن إلى آخر القرآن.
(وقالت) المالكية: طواله من الحجرات إلى النازعات. وأوساطه من سورة عبس إلى سورة الليل. وقصاره من سورة الضحى إلى الآخر.
(وقالت) الشافعية: طواله من الحجرات إلى المرسلات. وأوساطه من سورة عمّ إلى سورة والليل. والباقى قصاره. وبه قالت الحنبلية إلا أنهم قالوا: مبدأ المفصل من ق. وهناك بيان الوارد من القراءة فى الصلوات:
(أ) القراءة فى الصبح: كان النبى ﷺ يطيل القراءة فيها غالبا (قال) عبد الله بن السائب: " صلى لنا النبى ﷺ الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون
أو ذكر عيسى، أخذت النبىَّ ﷺ سَعْلة فركع " أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٧٦﴾
(وقال) أبو برزة: " كان النبى ﷺ يصلى الصبح وكان يقرأ
_________________
(١) ص ٢٩٧ ج ١ - زرقانى الموطأ.
(٢) ص ١٧٧ ج ٤ - نووى (القراءة فى الصبح).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
فى الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة " أخرجه البخارى (١) ﴿٣٧٧﴾
(وقال) ابن مسعود: " كان النبى ﷺ يقرأ فى الفجر يوم الجمعة الَمَ تنزويلُ السجدة. وهل أتى على الإنسان " أخرجه البخارى (٢) ﴿٣٧٨﴾
(وقال) عبد الله بن الحارث: صلى بنا أبو بكر ﵁ صلاة الصبح فقرأ سورة البقرة فى الركعتين جميعا فقال له عمر كادت الشمس تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. أخرجه الطحاوى (٣).
(وقال) عبد الله بن عامر بن ربيعة: " صلَّينا وراء عمر بن الخطاب الصبح فقرأ فيها بسورة يوسفَ وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: والله إذًا لقد كان يومُ حين يطلُع الفجرُ قال: أجل. أخرجه مالك (٤).
(وروى) سِماكُ بن حَرْب عن رجل من أهل المدينة أنه صلى خلف النبى ﷺ فسمعه يقرأ فى صلاته الفرج بق والقرآن المجيد ويسنّ والقرآن الحكيم. أخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح (٥) ﴿٣٧٩﴾
وربما قرأ ﷺ فى الصبح بغير الطوال (قال) عقبه بن عامر كنت أقود برسول الله ﷺ ناقته فى السفر فقال لى: " يا عقبة ألاَ أعلِّمك خيرَ سورتين قُرِئَتا؟ فعلّمنى قل أعوذُ بربّ الفلق وقل أعوذ برب الناس، فلما نزل لصلاة الصبح صلى بهما صلاة الصبح للناس " (الحديث)
_________________
(١) ص ١٧٠ ج ٢ - فتح البارى (القراءة فى الفجر).
(٢) ص ٢٥٧ ج ٢ - فتح البارى (ما يقرا فى صلاة الفجر يوم الجمعة).
(٣) تقدم رقم ٣٧ ص ٢٤ (وقت صلاة الصبح).
(٤) ص ١٥٥ ج ١ - زرقانى (القراءة فى الصبح) (فقلت) هو عروة بن الزبير.
(٥) ص ٢٣١ ج ٣ - الفتح الربانى (ويسن) الواو لا تقتضى الترتيب، فلعله ﷺ كان يقرأ فى الركعة الأولى يسن وفى الثانية ق.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
أخرجه أبو داود والبيهقى (١) ﴿٣٨٠﴾
(وعن معاذ بن عبد الله الجهنى أنّ رجلا من جُهَينة سمع النبى ﷺ يقرا فى الصبح إذا زُلْزِلت الأرض فى الركعتين كِلْتَيهما، فلا أدرى أنسِىَ رسول الله ﷺ أم قرا ذلك عمدا؟ أخرجه أبو داود بسند جيد رجاله رجال الصحيح (٢) (وقال) عمرو بن حُريث: " سمعت رسول الله ﷺ يقرا فى الفجر إذا الشمسُ كُوِّرت﴾ وسمعتُه يقول: والليلِ إذا عَسْعَس " أخرجه أحمد (٣) ﴿٣٨١﴾
(ب) القراءة فى الظهر والعصر: كان النبى ﷺ يطيل القراءة فى الظهر أحيانا ويقصرها أحيانا. وكان يقرا فى العصر نصف ما يقرأ فى الظهر إذا أطالها، وقدرها إذا قصرها (قال) أبو سعيد الخدرى:
" كانت صلاة الظهر تقُام فينطِلق أحدنُا إلى البَقيِع فيقضى حاجته ثم يأتى أهله فيتوضأ ثم يرجِع إلى المسجد فيدرِك النبى ﷺ فى الركعة الأولى مما يُطيلها " أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (٤) ﴿٣٨٢﴾
(وعنه) أنّ النبى ﷺ كان يقرأ فى صلاة الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قد ثلاثين آية وفى الأخْرَيَين قدْرَ خمسَ عشرة آية. وفى العصر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية وفى الأُخريين قدر نصفِ ذلك " أخرجه مسلم (٥) ﴿٣٧٣﴾
_________________
(١) ص ١١٦ ج ٨ - المنهل العذب (فى المعوذتين). وص ٣٩٤ ج ٢ - بيهقى.
(٢) تقدم رقم ٢٤٤. وص ١٨٨ (فائدة).
(٣) ص ٢٣١ ج ٣ - الفتح الربانى و(كوّرت) ذهب بضوئها و(عسعس) أقبل ظلامه أو أدبر.
(٤) ص ٢٢٣ ج ٣ - الفتح الربانى (القراءة فى الظهر والعصر) وص ١٧٣ ج ٤ - نووى. وص ١٥٣ ج ١ - مجتبى (تطويل الأولى من صلاة الظهر)
(٥) ص ١٧٢ ج ٤ - نووى (القراءة فى الظهر والعصر)
[ ٢ / ٢٧٥ ]
(وعن) ابن عمر أن النبى ﷺ سجد فى صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرا تنزيل السجدة. أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والطحاوى (١) ﴿٣٨٤﴾
(وعن) أنس أن النبى ﷺ كان يقرا فى الظهر والعصر يسبِّح اسم ربِّك الأعْلى، وهل أتاك حديثُ الغاشيِة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط والبزار، ورجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٣٨٥﴾
(وقال) علقمة: صليت إلى جَنب عبد الله الظهرَ فما علِمتُه قرأ شيئا حتى سمعتُه يقول ﴿ربِّ زِدْنِى عِلماّ﴾ فعلمتُ أنه فى طه. أخرجه الطبرانى فى الكبير ورجاله موثقون (٣) (وعن) جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يقرا فى الظهر والعصر بالسماء ذات البُروج والسماءِ والطارق وشِبْهها أخرجه الثلاثة وقال الترمذى حسن صحيح (٤) ﴿٣٨٦﴾
(وقال) أنس صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتين السورتين فى الركعتين بسبِّح اسم بِّك الأعْلى، وهل أتاك حديث الغاشية. أخرجه النسائى (٥) ﴿٣٨٧﴾
وهذه الأحاديث صريحة فى أنه ﷺ كان يقرا فى الظهر
_________________
(١) ص ١٦٢ ج ٤ - الفتح الربانى (قراءة السجدة فى الصلاة ..) وص ٢٣٠ ج ٥ - المنهل العذب (قدر القراءة فى الظهر والعصر) وص ١٢٢ ج ١ - شرح معانى الآثار.
(٢) ص ١١٦ ج ٢ - مجمع الزوائد (القراءة فى الظهر والعصر).
(٣) ص ١١٧ منه.
(٤) ص ٢٢٨ ج ٥ - المنهل العذب (القراءة فى صلاة الظهر والعصر) وص ١٥٣ ج ١ - مجتبى (القراءة فى الأوليين من العصر). وص ٢٥٠ ج ١ - تحفة الأحوذى. و(ذات البروج) أى صاحبة الطرق والمنازل التى تسير فيها الكواكب.
(٥) ص ١٥٣ ج ١ - مجتبى (القراءة فى الظهر).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
والعصر وبه قال جمهور السلف والخلف (وعن) ابن عباس أنه لا قراءة فيهما.
(قال) عبد الله بن عَبيدة دخلتُ على ابن عباس فى شباب من بنى هاشم فقلنا لشابْ منا سَلِ ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ فى الظهر والعصر؟ فقال لا لا، فقيل له لعله كان يقرا فى نفسه. فقال خَمْشا هذه شّر من الأولى كان عبدًا مأمورا بلّغ ما أرسل به (الحديث). أخرجه أحمد وأبو داود الطحاوى. ﴿٣٨٨﴾
ولعل ابن عباس كان لم يبلغه قراءةُ النبى ﷺ فى الظهر والعصر وقتئذ فلما بلغه ذلك رجع عن رأيه الأول (روى) العَيزار بنُ حُريثٍ عن ابن عباس قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب فى الظهر والعصر (وعنه) قال: سمعت ابن عباس يقول: لا تصلّ صلاةً إلا قرأت فيها ولو بفاتحة الكتاب. أخرجهما الطحاوى (١) ﴿٣٨٨﴾
ولعل ابن عباس كان لم يبلغه قراءةُ النبى ﷺ فى الظهر والعصر وقتئذ فلما بلغه ذلك رجع عن رأيه الأول (روى) العَيزار بنُ حُريثٍ عن ابن عباس قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب فى الظهر والعصر (وعنه) قال: سمعت ابن عباس يول: لا تصلّ صلاةً إلا قرأت فيها ولو بفاتحة الكتاب. أخرجهما الطحاوى (٢).
(ج) القراءة فى المغرب: صح عن النبى ﷺ أنه كان يقرا فى صلاة المغرب بالسور الطوال وطوال المفصل وقصاره (قال) مروانُ بن الحكم قال لى زيد بن ثابت: مالك تقرأُ فى المغرب بقصار المفصَّل؟ وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ فى المغرب بطُولى الطُوليين قلتُ ما طولَى الطوليين؟ قال الأعرافُ والأنعام. أخرجه أحمد والبخارى
_________________
(١) ص ٢١٩ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ٢٣٠ ج ٥ - المنهل العذب (قدر القراءة فى الظهر والعصر). وص ١٢٠ ج ١ - شرح معانى الآثار و(خما) مصدر خمش من باب ضرب ونصر، أى دعا عليه بخموش جلده أو وجهه و(هذه شر من الأولى) أى مسألتك الثانية شر، لأنها تتضمن اتهامه ﷺ بالكتمان ولذا قال: كان عبدًا مأمورًا الخ فأفعل التفضيل ليس على بابه، لأنّ المسألة الأولى لا شر فيها.
(٢) ص ١٢١ ج ١ - شرح معانى الآثار.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وأبو داود والنسائى (١) ﴿٣٨٩﴾
(وقال) زيد بن ثابت لمروان: يا أبا عبد الملك أتقرأ فى المغرب بقل هو الله أحدٌ، وإنا أعطيناك الكوثْر؟ قال نعم قال فمحلوفه لقد رأيت النبى ﷺ يقرأ فيها بأطول الطوليين: المص. أخرجه النسائى (٢) ﴿٣٩٠﴾
(وعن) ابن عمر أن النبى ﷺ كان يقرأ بهم فى المغرب: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أخرجه الطبرانى فى الثلاثة بسند رجاله رجال الصحيح (٣) ﴿٣٩١﴾
(وقال) جُبَير بن مُطعم: " سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطور فى المغرب " أخرجه السبعة إلا الترمذى (٤) ﴿٣٩٢﴾
(وعن) ابن عباس أن أمّ الفضل بنت الحارث سعته وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: يا بنىّ لقد ذكّرتنى بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ بها فى المغرب.
أخرجه الجماعة (٥) ﴿٣٩٣﴾
_________________
(١) ص ٢٢٦ ج ٣ - الفتح الربانى (القراءة فى المغرب) وص ١٦٧ ج ٢ - فتح البارى. وص ٢٣٥ ج ٥ - المنهل العذب. وص ١٥٤ ج ١ - مجتبى (القراءة فى المغرب بالمص).
(٢) ص ١٥٤ منه (فمحلوفه) هو الله، والخبر محذوف، أى الله قسمى.
(٣) ص ١١٨ ج ٢ - مجمع الزوائد (القراءة فى المغرب).
(٤) ص ٢٢٥ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٦٨ ج ٢ - فتح البارى (الجهر فى المغرب) وص ١٨٠ ج ٤ - نووى. قبل (القراءة فى العشاء) وص ٢٣٤ ج ٥ - المنهل العذب. وص ١٥٤ ج ١ - مجتبى (القراءة فى المغرب بالطور).
(٥) ص ٢٢٧ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٦٧ ج ٢ - فتح البارى (القراءة فى المغرب) وص ١٨٠ ج ٤ - نووى. وص ٢٣٣ ج ٥ - المنهل العذب. وص ١٥٤ ج ١ مجتبى (القراءة فى المغرب بالمرسلات) و(أم الفضل) هى أم ابن عباس واسمها لبابة. وفى قوله " سمعته " التفات من التكلم إلى الغيبة.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
(قال) ابن عبد البر: روى عن النبى ﷺ أنه قرأ فى المغرب بالمص وبالصافات وبحم الدخان وبسبح اسم ربك الأعلى وبالتين والزيتون وبالمعوذتين وبالمرسلات وبقصار المفصل. وكلها الآثار صحاح مشهورة أهـ.
(وأما) المداومة فيها على قراءة قصار المفصل فهو فعل مروان بن الحكم وخلافُ السنة، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت كما تقدم. وكذا ما اعتاده الكثير من قراءة الآية القصيرة خلاف السنة (قال) الشوكانى: وأما المغرب فإن النبى ﷺ لم يستمر فيها على قراءة قصار المفصل. بل قرا فيها بطوال السور وطوال المفصل، وكانت آخر قراءته فيها بالمرسلات.
(قال) الحافظ فى الفتح: وطريق الجمع بين الأحاديث أنه ﷺ كان أحيانا يطيل القراءة فى المغرب إما لبيان الجواز وغما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين أهـ، ويقدح فى هذا الجمع إنكار زيد بن ثابت على مروان مواظبته على قصار المفصل فى المغرب، ولو كانت قراءته ﷺ السور الطويلة فى المغرب لبيان الجواز، لما كانت مواظبة مروان على قصار المفصل إلا محض السنة، ولما حُسن من زيد بن ثابت الإنكار عليه ولما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظبته ﷺ على ذلك فى مقام الإنكار عليه. وأيضًا فإن بيان الجواز يكفى فيه مرة واحدة. وقد علمت أنه قرأ بالسور الطويلة مرات متعددة (١).
(د) القراءة فى العشاء: يسنّ القراءة فيها بأوساط المفصل (لحديث) البراء بن عازب أنّ النبى ﷺ كان فى سفر فقرأ فى العشاء الأخيرةِ
_________________
(١) ص ٢٦٠ ج ٢ - نيل الأوطار (جامع القراءة فى الصلوات).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
فى إحدى الركعتين بالتين والزيتونِ. أخرجه أحمد والشيخان والنسائى والترمذى وقال: حسن صحيح (١) ﴿٣٩٤﴾
(ولحديث) بُرَيدة الأسلمىّ أن النبى ﷺ كان يقرأ فى صلاة العشاء بالشمسِ وضُحاها وأشباهها من السور. أخرجه أحمد والنسائى والترمذى وحسنه (٢) ﴿٣٩٥﴾
(وقال) أبو رافع صليت مع أ [ى هريرة العتَمة فقرا إذا السماءُ انشقتْ فسجد، فقلت ما هذه؟ قال سجدت فيها خلف ابى القاسم ﷺ فلا أزال أسجدُ فيها حتى ألقاه. أخرجه البخارى (٣) ﴿٣٩٦﴾
وقال الترمذى: وروى عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ فى العشاء بسورة من أوساط المفصل نحو سورة المنافقين وأشباهها وروى عن أصحاب النبى ﷺ والتابعين أنهم قرءوا بأكثر من هذا وأقل، كأن الأمر عندهم واسع، وأحسن شئ فى ذلك ما روى أن النبى ﷺ قرا بالشمس والتين والزيتون (٤). وبهذا قال العلماء من السلف والخلف، وقد أنكر النبى ﷺ على معاذ قراءته فى العشاء البقرة فى حديث مشهور.
(وبذلك) تزداد علمًا بخطأ من " ينكر " على من يؤم الناس من صلاة
_________________
(١) ص ٢٣٠ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٧٠ ج ٢ - فتح البارى (القراءة فى العشاء). وص ١٨١ ج ٤ - نووى. وص ١٥٥ ج ١ - مجتبى (القراءة فيها بالتين والزيوت). وص ٢٥٣ ج ١ - تحفة الأحوذى.
(٢) ص ٢٣٠ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٥٥ ج ١ مجتبى (القراءة فى العشاء بالشمس وضخاها) وص ٢٥٢ ج ١ - تحفة الأحوذى.
(٣) ص ١٧٠ ج ٢ - فتح البارى (القراءة فى العشاء بالسجدة) و(العتمة) العشاء.
(٤) ص ٢٥٣ ج ١ - تحفة الأحوذى.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
الصبح أو الظهر فيقرأ سورتين من طوال المفصل أو أوساطه، أو فى صلاة العشاء فيقرأ بقصار المفصل او أوساطه: ويطمئن فى الركوع والرفع والسجود حسب الوارد عن رسوله الله ﷺ " ويستدل " بحديث معاذ، فإن النبى ﷺ إنما أنكر على معاذ قراءته البقرة فى صلاة العشاء، وأمر أن يقرا فيها من أوساط المفصل (قال) ابن القيم: وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها ﷺ بالتين والزيتون ووقت لمعاذ فيها والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى ونحوها. وأنكر عليه قراءته فيها بالبقرة بعدما صلى معه ثم ذهب إلى بنى عمرو بن عوف، فأعادها لهم بعدما مضى من الليل ما شاء الله وقرأ البقرة ولهذا قال: أفتان أنت يا معاذ؟ فتعلق النقادون بهذه الكلمة ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها (١) (وقال) ابن عبد البر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه لا أن ذلك إنما هو أقلّ الكما (وأما) الحذف والنقصان فلا، لأن رسول الله ﷺ نهى عن نقر الغراب ورأى رجلا يصلى ولم يتم ركوعه وسجوده فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل (وقال) لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه فى ركوعه وسجوده (وقال) أنس: كان رسول الله ﷺ أخف الماس صلاة فى تمام أهـ (قال) ابن دقيق العيد: وما احسن ما قال عن التخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشئ خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة إلى آخرين أهـ.
(فائدة) الحكمة فى إطالة الصبح والظهر أنهما فى وقت غفلة بالنوم آخر الليل وفى القائلة، فيطولهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر
_________________
(١) ص ٥٣ ج ١ - زاد المعاذ (القراءة فى الصلاة).
[ ٢ / ٢٨١ ]
ليست كذلك، بل تؤدىّ فى وقت تعب أهل الأعمال فخففت عنهما، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم. والعشاء تفعل فى وقت غلبة النوم ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر. وهذا هو الهدى الذى استمر عليه ﷺ إلى أن لقى الله ﷿ لم ينسخه شئ. ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدين من بعده، فقرأ أبو بكر ﵁ فى الفجر بسورة البقرة حتى سلم منها قريبًا من طلوع الشمس (وكان) عمر رضى الله تعالى عنه يقرأ فيها بيوسف والنحل، وبهود وبنى إسرائيل " أى الإسراء " ونحوها من السور.
(وأما) حديث جابر بن سمرة أنّ النبى ﷺ كان يقرأ فى الفجر سبق والقرآن المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفا. أخرجه مسلم (١) ﴿٣٩٧﴾
" فالمراد " بقوله بعد، أى بعد الفجر، أى أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها وكانت صلاته بعد الصبح أخف.
(وأما) قوله ﷺ. أيكم أمّ الناس فليخفف وقول أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة فى تمام " فالتخفيف " أمر نسبى يرجع إلى ما فعله النبى ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه، وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة (فالذى) فعله هو التخفيف الذى أمر به. فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة. فهى خفيفة بالنسبة إلى أطول منها. وهديه الذى واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون (قال)
_________________
(١) ص ١٧٩ ج ٤ - نووى (القراءة فى الصبح).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ابن عمر ﵄: " كان رسول الله ﷺ يأمرُنا بالتخفيف ويؤمُّنا بالصافات " أخرجه النسائى (١) ﴿٣٩٨﴾
فالقراءة بالصافات م التخفيف الذى كان يأمر به. وكان ﷺ ل يعين سورة فى الصلاة بعينها لا يقرا إلا بها فى الجمعة والعيدين (وأما) فى سائر الصلوات فقد قال ابن عمرو: ما مِن المفصَّل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يؤم الناسَ بها فى الصلاة المكتوبة أخرجه أبو داود (٢) (وكان) م هديه ﷺ قراءة السورة كاملة. وربما قرأها فى الركعتين. وربما قرأ أول السورة (وأما) قراءة أواخر السور وأوساطها. فلم يحفظ عنه ﷺ (وأما) قراءة السورتين فى ركعة فكان يفعله فى النافلة (وأما) فى الفرض فلم يحفظ عنه (٣) (وأما) قراءة سورة واحدة فى ركعتين معا فقلما كان يفعله والله المستعان (٤).
(هـ) قراءة المأموم: اختلف العلماء فى هذا فقال مالك وأحمد: لا يجب على المأموم قراءة خلف الإمام، ويستحب له القراءة فى السرية دون الجهرية، لقوله تعالى " وإذا قُرِئَ القرْآنُ فاستَمِعوا لهُ وأنْصتُوا " (٥) والإنصات السكوت لاستماع الحديث. وجمع بينه وبين الاستماع للتأكيد والاهتمام بسماع القرآن (قال) ابن عبد البر: لا خلاف فى أنه نزل فى هذا
_________________
(١) ص ٥٤ ج ١ - زاد المعاد.
(٢) ص ٢٣٨ ج ٥ - المنهل العذب (التخفيف فيها).
(٣) لكن تقدم فى بحث " قراءة سورتين بعد الفاتحة " أنه ﷺ أقر من فعله، وأن ابن عمر كان يقرأ فى المكتوبة بالسورتين والثلاث فى ركعة، وابن عمر لا يفعل هذا إلا بتوقيف من النبى ﷺ.
(٤) نقل ملخصا من ص ٥٤ ج ١ - زاد المعاد.
(٥) سورة الأعراف آية: ٢٠٤.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
المعنى دون غيره. ومعلوم أنه فى صلاة الجهر، لأن السر لا يسمع. فدل على أنه أراد الجهر خاصة. وأجمعوا على أنه لم يُرِد كلَّ موضع يستمع فيه القرآن وإنما أراد الصلاة. ويؤيده قول مجاهد: قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله ﷺ فى الصلاة فنزلت " وإذا قرئ القرآن الخ. أخرجه البيهقى (١) (وعن) أبى موسى الأشعرى أن النبى ﷺ قال: إذا قُمتم إلى الصلاة فلْيؤمكنم أحدُكم. وإذا قرا الإمام فأنِصتوا. أخرجه أحمد ومسلم (٢)
(وقال الحنفيون) والثورى وابن وهب المالكى: لا يقرأ المؤتم خلف الإمام لا فى سرية ولا فى جهرية، لقوله تعالى " وإذا قرئَ القرْآن فاستمِعوا لَهُ وأنصتُوا " أى استمعوا فى الجهرية، وأنصتوا فى السرية، لأن التأسيس خير من التأكيد (قال) الإمام أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية فى الصلاة (وروى) جابر أن النبى ﷺ قال: من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة: أخرجه محمد بن الحسن وابن عدى والحاكم بسد صحيح على شرط مسلم (٣) ﴿٣٩٩﴾
(وقال) ابن عمر: إذا صلى أحدُكم خلفَ الإمام فحسبْه قراءة الإمام، وإذا صلىّ وحدَه فلْيقرا قال نافع: وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
_________________
(١) ص ١٥٥ ج ٢ - بيهقى (يترك المأموم القراءة فيما جهر فيه الإمام).
(٢) ص ١٩٧ ج ٣ - الفتح الربانى (قراءة المأموم وإنصاته).
(٣) ص ٧ ج ٢ - نصب الراية (ورواه) عبد بن حميد بالسند إلى أبى الزبير عن جابر. وأحمد بن ميع فى مسنده عن سفيان. وشريك بالسند إلى جابر. فهؤلاء أبو الزبير وسفيان وشريك قد رفعوه بالطرق الصحيحة. فبطل عدّهم فيمن لم يرفعه وتمامه فى فتح القدير على الهداية. انظر ص ٢٣٩ ج ١.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
أخرجه مالك والطحاوى (١) (وعن) عبُيد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله ابن عمرو وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله ﵃ فقالوا: لا تقرءوا خلف الإمام فى شئ من الصلاة. أخرجه الطحاوى (٢).
(وقال) أبو وائل: قال رجل لابن مسعود أقرأ خلف الإمام؟ قال أنصت للقراءة فإن فى الصلاة شَغْلا، وسيكفيك ذلك الإمام. أخرجه الطحاوى والبطرانى فى الكبير والأوسط بسند رجاله موثقون (٣).
(وقال) ابن مسعود رضى لله عنه: ليتً الذى يقرأ خلف الإمام مُلئ فُوه ترابا (وقال) أبو حمزة قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يدى؟ قال لا. أخرجهما الطحاوى (٤) (وقالت) الشافعية: يجب على المؤتم قراءة الفاتحة فى السرية والجهرية وإن سمع قراءة الإمام (لقول) عُبادة بن الصامت: " صلى بنا رسولَ الله ﷺ صلاة الغداةِ فثقُلتْ عليه القراءة فلما انصرف قال: إن لأراكم تقرءون وراءَ إمامكم؟ قلنا نعم والله يا رسول الله. قال فلا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرا بها " أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والدار قطنى وقال: هذا إسناد حسن ورجاله ثقات (٥) ﴿٤٠٠﴾
_________________
(١) ص ١٦١ ج ١ - زرقانى (ترك القراءة خلف الإمام ..). وص ١٢٩ ج ١ - شرح معانى الآثار.
(٢) ص ١٢٩ منه.
(٣) ص ١١٠ ج ٢ - مجمع الزوائد (القراءة فى الصلاة).
(٤) ص ١٢٩ ج ١ - شرح معانى الآثار.
(٥) ص ١٩٤ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ٢٥١ ج ٥ - المنهل العذب (من ترك القراءة فى صلاته) وص ١٢٠ الدار قطنى (فقلت) أى شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة. ويحتمل أن يراد أنها التبست عليه القراءة. ففى رواية لأبى داود: فالتسبت عليه القراءة.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
(وعنه) أنّ النبى ﷺ قال: " لا يقرَأنّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ بالقراءة إلا بأمّ القرآن " أخرجه الدار قطنى. وقال هذا إسناد حسن ورجاله ثقات كلهم (١) ﴿٤٠١﴾
(وأخرجه) أيضًا أحمد والبخارى فى جزء القراءة وصححه وابن حبان والحاكم والبيهقى والدار قطنى من عدة طرق (وعن) أنس أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: أتقرءون فى صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟ فسكتوا قالها ثلاث مرات، فقال قائل، أو قال قائلون إنا لنفعلُ، قال فلا تفعلوا، ليقرأُ أحدكم بفاتحة الكتاب فى نفسه. أخرجه أبو يعلى والطبرانى فى الأوسط ورجاله ثقات (٢) ﴿٤٠٢﴾
وفى هذا أحاديث أخر: (وأجاب) الأولون: بأن النهى فى قوله ﷺ " لا تفعلوا " محمول على الصلاة الجهرية (روى) أبو هريرة أن النبى ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معى أحد منكم آنفا؟ فقال رجل نعم يا رسول الله قال: إنى أقول مالى أُنَازَع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيها جهر فيه النبى ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك. أخرجه مالك والشافعى وأحمد والأربعة وحسنة الترمذى (٣) ﴿٤٠٣﴾
_________________
(١) ص ١٢١ - الدار قطنى.
(٢) ص ١١٠ ج ٢ مجمع الزوائد (القراءة فى الصلاة).
(٣) ص ١٦١ ج ١ - زرقانى (ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه) وص ١٣٩ ج ١ - بدائع المنن. وص ١٩٧ ج ٣ - افتح الربانى. وص ٢٥٨ ج ٥ - المنهل العذب. وص ١٤٦ ج ١ - مجتبى. وص ٢٥٤ ج ١ - تحفة الأحوذى. وص ١٤٤ ج ١ - ابن ماجه (إذا قرأ الإمام فأنصتوا) و(أنازع) بضم الهمزة وفتح الزاى - مبنى للمفعول، = أى غالب فى قراءاتى. كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه " فانتهى الناس عن القراءة الخ " مدرج فى الخبر. والمراد أنهم تركوا الجهر بها.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وفى لفظ للدار قطنى: إذا أسررت بقراءتى فاقرءوا، وإذا جهرت بقراءتى فلا يقرأ معى أحد.
(وأجاب) الحنفيون عن حديث عبادة ونحوه، بأنه معارض بحديث أبى سعدي الخدرى مرفوعا: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط وابن عدىّ فى الكامل وغيرهما من عدة طرق (١) ﴿٤٠٤﴾
وفيه منع المأموم من القراءة والمنع مقدم على الإطلاق عند التعارض. وبأنّ حديث " من كان له إمام الخ " أقوى سندًا فيقدم عليه.
(وأجاب) الشافعية عن أدلة القائلين إنّ المؤتم لا يقرأ خلف الإمام فى الصلاة الجهرية، بأنها عمومات، وحديث عبادة خاص، وبناء العام على الخاص واجب كما تقرّر فى الأصول، وعليه فيحمل قوله " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " على غير الفاتحة، وهذا لا محيص عنه، ويؤيده الأحاديث المتقدّمة القاضية بوجوب قراءة فاتحة الكتاب فى كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم، أن البراءة عن عهدتها إنما تحصل بناقل
_________________
(١) ص ١١١ ج ٢ - مجمع الزوائد. ص ١١ ج ٢ - نصب الراية (قال) ابن الهمام: " ولا يقال " ليس فى حديث " من كان له إمام الخ " منع، إنما فيه الاكتفاء بقراءة الإمام " لأنا نقول " هذا بالنظر إليه بمجرده " أما " بالنظر إليه من آثار الصحابة المبينة له، فهو مانع لما فيها من الوعيد كقول عمر: ليت فى فمه حجرا كما تقدم. ورجح الطحاوى العلم بحديث " من كان له إمام الخ " لما اتفقوا عليه من أن من أتى الإمام وهو راكع يكمر ويركع معه وتجزئه تلك الركعة وإن لم يقرا فيه شيئًا. فلو كانت القراءة فرضا فيهما لما أجزأته كما لو تجزئ من ركع مع الإمام من غير أن يقف لتكبيرة الإحرام باتفاقهم أهـ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
صحيح لا بمثل هذه العمومات التى اقترنت بما يجب تقديمه عليها.
(وأجابوا) عن قوله فى حديث أبى هريرة فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه (١) " بأنهم " تركوا قراءة غير الفاتحة جميعًا بين الأحاديث.
(وروى) صدُقه بن يَسار عن القاسم بن محمد أن عائشة اَعتمرتْ فى سنة ثلاثَ مرات، قلا صدقه: قُلْت: هل عابَ ذلك عليها أحد؟ قال: سبحان الله أُمّ المؤمنين. أَخرجه الشافعى والبيهقى.
(وقال) مالك: يُكْرَه تكرير العمرة فى السنة، لأَنَّ النبىَّ ﷺ (قال) المالك: يكره تكرير العمرة فى السنة، لأن النبى ﷺ لم يكرها فى عام (ورد) بأن المندوب لا ينحصر فى فعله ﷺ، فقد كان يترك الشئ وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته، وقد رغب ﷺ فى العمرة بقوله: فثبت الاستحباب من غير تقييد، ولذا خالف مالكًا مطرف وطائفة من أتباعه.
٤ - مواقيت العمرة: هى: (أ) لمن كان خارج المواقيت، مواقيت الحج، المتقدمة، فلا يحل لمريد العمرة مجاوزتها بلا إحرام، لقول زهير ابن معاوية، حدثنى زيد بن جبير أنه أتى عبد الله بن عمر فسالته: من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول الله ﷺ لأهل نجد قرنا، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة. أخرجه البخارى.
(ب) أَمَّا مَنْ كان داخل المواقيت، فميقاتُه فى العمرة الحل ولو كان بالحرم، لحديث الأَسْوَد أَن عائشةَ ﵂: قالت: يا رسول الله يصدر الناس بنُسُكَيْن وأَصْدُرُ بنًسكُ؟ فقِيل
(واختلفت) الشافعية فى قراءة الفاتحة أتكون عند سكتات الإمام أم عند قراءته؟ (قال) الشوكانى: وظاهر الأحاديث أنها تقرأ عند قراءة الإمام. وفعلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط، لأنه يجوز عند أهل القول الأول، فيكون فاعل ذلك آخذًا بالإجماع (وأما) اعتياد قراءتها حال قراءة الإمام للفاتحة فقط، أو حال قراءته للسورة فقط " فليس " عليه دليل، بل الكل جائز وسنة، نعم حال قراءة الإمام للفاتحة مناسب " من جهة " عدم الاحتياج إلى تأخير الاستعاذة عن محلها الذى هو بعد التوجه، أو تكريرها عند إرادة قراءة الفاتحة إن فعلها فى محلها أوّلا وأخر الفاتحة إلى حال قراءة الإمام للسورة " ومن جهة " الاكتفاء بالتأمين مرّة واحدة عند فراغه وفراغ الإمام ن قراءة الفاتحة إن وقع الاتفاق فى التمام، بخلاف من أخر قراءة الفاتحة إلى حال قراءة الإمام للسورة (٢).
(فائدة) اتفق الأئمة الأربعة والجمهور على أنّ المأموم يدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام وإن لم يقرا شيئا، إلا أنهم اختلفوا فيما يتحقق به إدراك المأموم الركوع (فقال) الحنفيون والمالكية والحنبلية: يدرك الركوع بوضع يديه على ركبتيه قبل رفعه الإمام رأسه من الركوع ولو لم يطمئن
_________________
(١) تقدم رقم ٤٠٣ ص ٢٨٦.
(٢) ص ٢٣٧ ج ٢ - نيل الأوطار (قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
إلا بعد رفعه (وقالت) الشافعية: لا يدركه إلا إذا اطمأنّ مع الإمام قبل رفعه.
(واستدلوا) على إدراك الركعة بإدراك الركوع (بحديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يُقيَم الإمامُ صُلبه " أخرجه الدار قطنى وابن خزيمة (١) ﴿٤٠٥﴾
(وبحديثه) أنّ النبى ﷺ قال: " إذا جئتم على الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدّوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاةَ " أخرجه أبو داود والدار قطنى وابن خزيمة والحاكم (٢) ﴿٤٠٦﴾
(وبقول) زيد بن وهب: دخلتُ أنا وابن مسعود المسجد والإمامُ راكع فركعنا ثم مضينا حتى استوينا بالصف فلما فرغ الإمامُ قمتُ أقضى فقال قد أدركته. أخرجه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات (٣) (وعن) على وابن مسعود قالا: من لم يُدْرك الركعةَ فلا يعتدّ بالسجدة. أخرجه الطبرانى فى الكبير ورجاله موثقون (٤) (وقال) جماعة من الظاهرية: إن من أدرك الإمام راكعًا ولم يدرك معه القراءة لم تحسب له الركعة وهو مروى عن أبى هريرة. قاله ابن سيد الناس فى شرح الترمذى. واحتجوا لذلك بما روى أبو هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " مَن أدرك الإمام
_________________
(١) ص ١٣٢ - الدار قطنى (فقد أدركها) مقدم من تأخير. والأصل من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقين الإمام صلبه فقد أدرك الصلاة. كما رواه ابن حبان وصححه.
(٢) ص ٣٣٨ ج ٥ - المنهل العذب (الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يسمع) وص ١٣٢ - الدار قطنى.
(٣) ص ٧٧ ج ٢ - مجمع الزوائد (من أدرك الركوع).
(٤) ص ٧٦ منه. وهذان الأثران لهما حكم الفرع، إذ مثل هذا لا يقال من قبل الرأى، ولا مجال للاجتهاد فيه. وقولهما " من لم يدرك الركعة " أى الركوع " فلا يعتد بالسجدة " مفهومه أن من أدرك الركعة " أى الركوع " يعتد به فتحسب له الركعة.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فى الركوع فليركع معه ولْيُعِد الركعة " أخرجه ابن خزيمة (١) ﴿٤٠٧﴾
ورواه البخارى فى القراءة خلف الإمام من حديث أبى هريرة قال: إن أدركَت القومَ رُكوعا لم تعتدّ بتلك
الركعة (٢) (قال) الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبى هريرة موقوفا. وأما المرفوع فلا أصل له أهـ. وحكى البخارى هذا المذهب فى القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام وحكاه فى الفتح عن جماعة من الشافعية. وقوّاة الشيخ تنقى الدين السبكى وغيره من محدِّثى الشافعية (٣).
واستدلوا أيضًا بحديث أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تأتوها تسْعَون وأْتُوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " أخرجه الشيخان وأبو داود (٤) ﴿٤٠٨﴾
قالوا: فيه الأمر بإتمام ما فاته وقد فاته الوقوف والقراءة (ويجاب) بأن قوله: وما فاتكم فأتموا عام مخصوص بغير القراءة والقيام للمسبوق الذى أدرك الإمام راكعًا فلا يقضيها للأحاديث المتقدّمة.
(خاتمة) من توابع بحث القراءة فتح المأموم على الإمام إذا التبست عليه القراءة وهو مشروع (لحديث) ابن عمر أنّ النبى ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فالْتبس عليه فيها فلما فرغ قال لأبىّ أصليت معنا؟ قال نعم. قال فما منعك أن تفتَحَ علىّ؟ أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم والطبرانى فى الكبير بسند رجاله ثقات (٥) ﴿٤٠٩﴾
_________________
(١) ص ٢٤١ ج ٢ - نيل الأوطار (قراءة المأموم وإنصاته).
(٢) ص ٢٤١ ج ٢ - نيل الأوطار (قراءة المأموم وإنصاته).
(٣) ص ٢٤١ ج ٢ - نيل الأوطار (قراءة المأموم وإنصاته).
(٤) ص ٢٦٦ ج ٢ - فتح البارى (المشى إلى الجمعة ..) وص ٩٨ ج ٥ - نووى (إتيان الصلاة بوقار ..) وص ٢٧١ ج ٤ - المنهل العذب (السعى إلى الصلاة)
(٥) ص ٣ ج ٦ - المنهل العذب (الفتح على الإمام) وص ٦٩ ج ٢ - مجمع الزوائد (تلقين الإمام).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
(ولقول) أنس: " كنا نفتح على الأئمة فى عهد رسول الله ﷺ " أخرجه الحاكم وصححه (١) ﴿٤١٠﴾
(وهو) واجب فى الفاتحة مستحب فى غيرها عند مالك والشافعى وأحمد وإسحاق (ومشهور) مذهب الحنفيين استحباب الفتح على الإمام فى الفاتحة وغيرها ناويًا الفتح لا التلاوة. وقيل إن قرأ الإمام القدر المجزئ فى الصلاة (٢) لا يفتح عليه وإلا فتح (قال) الشوكانى: وتقييد الفتح بأن يكون على إمام لم يؤدّ الواجب من القراءة، وبآخر ركعة " مما لا دليل عليه " وكذا تقييده بأن يكون فى القراءة الجهرية (والأدلة) قد دلت على مشروعية الفتح مطلقًا فعند نسيان الإمام الآية فى القراءة الجهرية، يكون الفتح عليه بتذكيره تلك الآية. وعند نسيانه لغيرها من الأركان يكون الفتح عليه بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء أهـ (٣).
أما الفتح على غير الإمام مصليًا أم غيره فهو مبطل عند الحنفيين إلا إذا قصد به التلاوة. وكذا عند المالكية مطلقًا إلا إذا فتح المأموم على إمام آخر. ففيه خلاف ٠ والأصح البطلان (وقالت) الحنبلية: الفتح على غير الإمام مكروه والصلاة صحيحة (وقالت) الشافعية: هو جائز بلا كراهة،
_________________
(١) ص ٢٧٦ ج ١ مستدرك.
(٢) القدر المجزئ فيها عند النعمان آية ولو قصيرة مركبة من كلمتين كآية " ثم نظر " وعند الصاحبين ثلاث آيات قصار أو آية طويله تعدلها " وأما حديث " أبى إسحاق عن الحارث الأعور عن على مرفوعا: يا على لا تفتح على الإمام فى الصلاة " فقد " أخرجه عبد الرازق وابو داود وقال: أبو إسحاق لم يسمع من الحارق إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. انظر ص ٤ ج ٦ - المنهل العذب (الفتح على الإمام) (وقال المنذرى) الحارث الأعور قال غير واحد: إنه كذاب " فهو " لا ينتهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة القاضية بمشروعية الفتح على الإمام.
(٣) ص ٣٧٣ ج ٢ - نيل الأوطار (الفتح على الإمام ..)
[ ٢ / ٢٩١ ]
إلا أنه يقطع الموالاة فى قراءة الفاتحة إن فتح وهو يقرؤها فيستأنفها بخلاف الفتح على إمامه.