هى كثيرة المذكور منها هنا خمسة عشر:
(١) تكره الصلاة فى المقبرة (١) عند الحنفيين والثورى والأوزاعى وابن المنذر وابن عباس وعمر وأبى هريرة وأنس وعطاء والنخعى وطاوس وعمرو بن دينار سواء أكانت المقبرة أمامه أم خلفه أم تحت ما هو واقف عليه " لحديث " ابن عباس أن النبى ﷺ قال: لا تصلوا إلى قبر ولا تُصلّوا على قبر: أخرجه الطبرانى فى الكبير. وفيه عبد الله بن كيسان المروزى ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان (٢). ﴿٣٠٥﴾
(وعن) أبى مَرثد الغنوى أن النبى ﷺ قال: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلوا عليها. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والبيهقى (٣). ﴿٣٠٦﴾
(وعن) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لعَن الله اليهودَ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. أخرجه مسلم والنسائى (٤). ﴿٣٠٧﴾
(ومحله) إذا لم يكن فى المقبرة موضع أعِدّ للصلاة لا تجاسه فيه ولا قذَر، وإلا فلا كراهة. وقيل لا تكره الصلاة فى المقبرة إلا إذا كان القبر بين يدى
_________________
(١) المقبرة، بفتح الميم وكسرها وضم الموحدة وفتحها، فالضم وهو المسموعُ بمعنى البقعة المتخذة لدفن الميت، والفتح بمعنى مكان الدفن.
(٢) ص ٢٧ ج ٢ مجمع الزوائد (الصلاة بين القبور وإليها).
(٣) انظر رقم ٥٦٤ ص ٣١٨ ج ٧ الدين الخالص (الصلاة على القبر).
(٤) انظر رقم ٧ ص ٣ ج ٨ منه (محظورات القبر)
[ ٣ / ٢١٤ ]
المصلى بحيث يراه لو نظر موضع سجوده (وقالت) الحنبلية والظاهرية: تحرم الصلاة ولا تصح فى المقبرة، وهى ما احتوت على ثلاثة قبور فأكثر لا فرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يُفْرش فيها شئ يقى من النجاسة أم لا. أما ما فيها قبر أو قبران، فالصلاة فيها صحيحة مع الكراهة إن استقبل القبر وإلا فلا كراهة (وقالت) اشافعي: إذا كانت المقبرة منبوشة واختلطت بما يخرج من الموتى لا تصح الصلاة فيها للنجاسة. فإن صلى فى مكان طاهر منها صحت مع الكراهة. وكذا إن كانت غير منبوشة أو شك فى نبشها على الأصح.
(وقالت) المالكية: لا تكره الصلاة فى المقابر " لحديث " جُعلتْ لىَ الأرض طُهورًا ومسجدًا. أخرجه أبو داود عن أبى ذر (١). ﴿٣٠٨﴾
(وحملوا) أحاديث النهى عن الصلاة ف المقبرة على ما إذا كان بها نجاسة (وردّ) بأن النبى ﷺ قال: كلّ الأرض مسجدٌ وطَهور إلا الحمام والمقبرة. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى والبيهقى وابن ماجه عن أبى سعيد (٢). ﴿٣٠٩﴾
(فهذا) الحديث ونحوه (٣) خاص يقيِّد عمومَ حديث: جُعلت لى الأرض طُهورًا ومسجدًا. وأحاديث النهى عن الصلاة فى المقبرة مطلقة لا دليل على تقييدها بما إذا كان فيها نجاسة، بل المقبرة وغيرها فى ذلك سواء.
_________________
(١) ص ١١١ ج ٤ - المنهل العذب (المواضع التى لا تجوز فيها الصلاة).
(٢) ٩٩ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١١٦ ج ٤ - المنهل العذب (المواضع التى لا تجوز فيها الصلاة) وص ٢٦٣ ج ١ تحفة الأحوذى (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) وهذا لفظ الحديث عند غير أحمد. وص ٤٣٥ ج ٢ - السنن الكبرى (النهى عن الصلاة فى المقبرة والحمام) وص ١٣٠ ج ١ سنن ابن ماجه (المواضع التى تكره الصلاة فيها).
(٣) (ونحوه) كحديث: جعلت لى كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا. أخرجه أحمد والضياء المقدسى عن أنس. فإنه يدل عى أن المراد أرض مخصوصة هى الطيبة. ومعلوم أن المقبرة ليست منها. فانتفى العموم الذى تمسك به المالكية.
[ ٣ / ٢١٥ ]
(وحكمة) النهى عن الصلاة فى المقبرة ما قد يتصل بالمصلىِّ من نجاسة، وقيل لحرمة الموتى.
(٢) وتكره - عند الجمهور - الصلاة فى الحمام غير المتنجس " لحديث " أبى سعيد السابق (وقال) أحمد والظاهرية وأبو ثور: لا تصح الصلاة فيه، لظاهر هذا الحديث " ولقول " ابن عباس: لا يُصلَّين إلى إلى حُش (١) ولا فى حمام ﴿٨٥﴾
(وقال) ابن حزم: لا تحل الصلاة فى حمام سواء فى ذلك مبدأ بابه إلى جميع حدوده، ولا على سطحه وسقف مستوقده وأعالى حيطانه خربًا كان أو قائمًا. فإن سقط نبنائه شئ وسقط عنه اسم الحمام جازت الصلاة فى أرضه حينئذ. (وقالت) المالكية: تصح الصلاة فى الحمام بلا كراهة، لعموم حديث وجعلت لى الأرض طهورًا ومسجدًا (وردّ) بأنه عام مخصص بحديث النهى عن الصلاة فى حمام ونحوه. (وحكمة) النهى عن الصلاة فى الحمام أنه محل النجاسات ومأوى الشياطين.
(٣ - ٧) وتكره الصلاة فى المزبَلة. والمجزَرة. وقارعة اطريق: وأعطان الإبل وفوق الكعبة " لحديث " ابن عمران أن النبى ﷺ نهى أن يصلىَّ فى سبعة مواطن: فىِ المزبَلة والمجزَرة والقمبرة وقارعة الطريق وفى الحمام وفى أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله تعالى. أخرجه ابن ماجه والترمذى وقال: إسناده ليس بذاك القوى (٢). ﴿٣١٠﴾
" ولحديث " أبى هريرة أن النبى ﵌ قال: صلوا فى مَرِابض الغنم ولا تُصلّوا فى أعطان الإبل. أخرجه أحمد وابن ماجه
_________________
(١) الحش، بضم الحاء وفتحها، بيت الخلاء.
(٢) ص ١٣٠ ج ١ سنن ابن ماجه (المواضع التى تكره فيها الصلاة) وص ٢٨٠ ج ١ تحفة الأحوذى (كراهية يصلى إليه وفيه) و(أعطان) جمع عطن بفتحتين، وهو مبرك الإبل حول الماء. وروى بلفظ معاطن ومبارك ومزايل ومناخ. وهى أعم من المعاطن.
[ ٣ / ٢١٦ ]
والترمذى وقلا حسن صحيح. ﴿٣١١﴾
(وهو) يدل على جواز الصلاة فى مرابض الغنم وهو متفق عليه. وعلى تحريمها فى معاطن الإبل. وإليه ذهب أحمد فقال: لا تصح بحال وقال: من صلىَّ فى عَطن إبل أعاد أبدًا (وحمل) الجمهور النهى على القول بأن علة النهى هى النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها. وقد تقدم فى بحث " ما اختلف فى نجاسته " بيان الخلاف فيها وأن الراجح طهارتها (١). ولو سلمنا نجاستها لم يصح جعلها علة، لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم، إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها. وأيضًا قد قيل إن حكمة النهى ما فيها من النفور فربما نفرت وهو فى الصلاة فيؤدى إلى قطعها أو إلى أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهى عن الخشوع فى الصلاة. وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل فى معاطنها وبين غيبتها عنها، إذ يؤمن نفورها حينئذ (وقيل) الحكمة فى النهى كونها خلفت من الشياطين (ويرشد) إلى هذا قول عبد الله بن مغفّل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تُصلّوا فى عَطن الإبل فإنها من الجن خلقت، ألا ترَونَ عيونها وهبابها إذا نفرت (الحديث) أخرجه أحمد بسند صحيح (٢). ﴿٣١٢﴾
(والحق) حمل النهى فيه لعى التحريم كما قال أحمد والظاهرية.
(قال) ابن حزم: إن أحاديث النهى عن الصلاة فى أعطان الإبل متواترة تواترًا يوجب العلم (وأما) الأمر بالصلاة فى مرابض الغنم، فأمر إباحة ليس
_________________
(١) تقدم ص ٣٥٢ ج ١ - طبعة ثانية.
(٢) ص ٥٥ ج ٥ مسند أحمد (حديث عبد الله بن مغفل ﵁) و(الهباب) بكسر الهاء، نشاط كل سائر كالهبوب والهيب.
[ ٣ / ٢١٧ ]
للوجوب اتفاقًا. وإنما نبه النبى ﷺ على ذلك. لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل، أو أنه اخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين، فأجاب فى الإبل بالمنع. وفى الغنم بالإذن (وأما) الترغيب المذكور فى الأحاديث بلفظ: فإنها بركة (فهو) لقصد تبعيدها عن حكم الإبل، كما وصف أصحاب الإبل بالغلظة والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة.
(وأما) علة النهى عن الصلاة فى المزبلة والمجزرة فلكونها محلين للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير حائل اتفاقًا، ومع الحائل تكره عند الجمهور. وتحرم عند أحمد والظاهرية. وقيل إن العلة فى المجزرة كونها مأوى الشياطين.
(وأما) علة النهى عنها فى قارعة الطريق، فلما فيها من شغل الخاطر بمرور الناس ولغطهم المؤدّى إلى ذهاب الخشوع الذى هو سر الصلاة ولأنها مظنة النجاسة: (وأما) علة النهى عنها فوق الكعبة، فلأنا مأمورون بالصلاة إليها لا عليها. واختلفت الأئمة فى الصلاة عليها (فقالت) المالكية: لا يجوز الفرض فوقها ولو كان بين يديه بعض بنائها (وأما النفل) ففيه أقوال ثلاثة: قيل بالمنع مطلقًا. وقيل بالجواز مطلقًا. وقيل بمنع المؤكدون غيره. والراجح الأول: ووافقهم الحنبلية فى الفريضة وقالوا بجواز النافلة من غير خلاف.
(وقالت) الشافعية: تصح فوقها الفريضة والنافلة بشرط أن يستقبل من بنائها قدر ثلثى ذراع (وقال) الحنفيون: تصح الصلاة فرضًا ونفلا فوقها مع الكراهة. لما فى ذلك من ترك التعظيم.
(٨) وتكره الصلاة - عند الجمهور- إلى جدار مرحاض " لقول " عبد الله بن عمرو: لا يصلىّ للحُش ﴿٨٦﴾ " ولقول " على: ل يصلى تجاه حش. أخرجهما ابن أبى شيبة فى مصنفه ﴿٨٧﴾ (وذكر) الطبرى فى شرح التنبيه: أنه يكره استقبال الجدار والنجس والمتنجس فى الصلاة (وقال)
[ ٣ / ٢١٨ ]
ابن حبيب المالكى: من تهمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته إلا أن يكون بعيدًا جدًا.
(وقال) العراقى فى شرح الترمذى: نص الشافعى على أنه لا تكره الصلاة وبين يديه جيفة.
(٩) وتكره الصلاة فى أرض عُذِّبَ أهلها كأرض بابل وثمود.
(قال) البخارى: ويذكر أن عليًا كره الصلاة بخسْف بابل (١) ﴿٨٨﴾ " وروى " عبد الله بن أبى المُحِلِّ العامرى قال: كنا مع علىّ فمررنا على الخسْف الذى ببابل فلم يصلّ حتى أجازه. أخرجه عبد الرازق وابن أبى شيبة (٢) ﴿٨٩﴾ (وعن) حجر بن العنبس أن عليًا قال: ما كنتُ لأصلىّ فى أرض خَسَف الله بأهلها قاله ثلاثًا.
أخرجه ابن أبى شيبة (٣) ﴿٩٠﴾.
(وقد كان) ﷺ إذا مرَّ بأرض قد عُذِّب أهلها كديار ثمود جَدّ السير وقنع رأسه.
(١٠) وتكره - عند الحنفيين - الصلاة فى الأرض المغصوبة إن كانت لذمىّ مطلقًا. أو لمسلم وهى مزروعة أو محروثة، ولم يكن بين المصلىّ وصاحبها
_________________
(١) ص ٣٥٧ ج ١ فتح البارى (الصلاة فى موضع الخسف ..) و(بابل) مدينة قديمة بالعراق. كان يجرى بها الفرات فحوله بختنصر على موضعه الآن. وأول من نزلها وعمرها عقب الطوفان سيدنا نوح ﵊. والمراد بالخسف هنا ما ذكره الله بقوله: قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون آية ٢٦. النحل وسببه أن النمروذ بن كنعان ملك بابل كان من أكبر ملوك الأرض فى زمن سيدنا إبراهيم ﵇ وكان قد طغى وبغى وتجير وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه سيدنا إبراهيم إلى عبادة الله وحده، حمله الجهل والضلال على إنكار الصانع. فحاج إبراهيم فى ربه وادعى لنفسه الربوية. فلما حاجة إبراهيم وغلبه وبهت الذى كفر ولم يرتدع واستمر على ضلاله وطغيانه، أهلكه الله وقومه. قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاء الثانية فابى، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعى، فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليهم ذبابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وجلودهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها فى منخر الملك فكثت فيه أربعمائة سنة عذبه الله بها، فكان يضرب رأسه المرازب فى هذه المدة حتى أملكه الله بها. أفاده ابن كثير ص ١٤٨ ج ١ - البداية والنهاية.
(٢) ص ٣٥٧ ج ١ - فتح البارى (الشرح).
(٣) ص ٣٥٧ ج ١ - فتح البارى (الشرح).
[ ٣ / ٢١٩ ]
صداقة، أو كان صاحبها سيئ الخلق، فحينئذ يصلى فى الطريق وتكره الصلاة فيها، وعليه إثم غصبه كالصلاة فى ثوب مغصوبة.
(وقالت) المالكية والشافعية والجمهور: تحرم الصلاة فى الأرض المغصوبة مع صحة الصلاة (وقالت الحنبلية): تحرم الصلاة فى المغصوب. وفى صحة الصلاة فيه روايتان (قال) ابن قدامة: هل تصح الصلاة فى المغصوب؟ على روايتين إحداهما لا تصح والثانية تصح. وهو قول أبى حنيفة والشافعى لأن التحريم لا يختص الصلاة ولا النهى يعود إليها فلم يمنع الصحة كما لو غسل ثوبه من النجاسة بماء مغصوب وكما لو صلى وعليه عمامة مغصوبة. ووجه الرواية الأولى أنه استعمل ما يحرم عليه استعماله فلم تصح. كما لو صلى فى ثوب نجس. وأما إذا صلى فى عمامة مغصوبة أو بيده خاتم من ذهب. فإن الصلاة تصح. لأن النهى لا يعود إلى شرط الصلاة. وإن صلى فى دار مغصوبة، فالخلاف فيها كالخلاف فى الثوب المغصوب، إلا أن أحمد قال فى الجمعة تصلى فى مواضع الغصب، لأنها تختص بموضع معين فالمنع من الصلاة فيه إذا كان مغصوبًا يفضى إلى تعطيلها (١) (وقال) الغزالى: المواضع التى بناها الظلمة كالقناطر والرباطات والمساجد والسقايات، ينبغى أن يحتاط فيها وينظر (أما القنطرة) فيجوز العبور عليها للحاجة. والورع الاحتراز ما أمكن، وإن وجد عنه مَعْدِلا تأكد الورع، وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلا، لأنه إذا لم يعرف لتلك الأعيان مالكًا كان حكمه أن يرصد للخيرات وهذا خير. فأمام إذا عرف أن الآجرّ والحجر قد نقلا من دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذه لا يحل العبور عليها أصلا إلا لضرورة يحل بها مثل
_________________
(١) ص ٦٢٩ ج ١ مغنى (ما يحرم لبسه والصلاة فيه).
[ ٣ / ٢٢٠ ]
ذلك من مال الغير. ثم يجب عيه الاستحلال من المالك الذى يعرفه.
(وأما المسجد) فإن بُنى فى أرض مغصوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو ملك معين، فلا يجوز دخوله أصلا ولا للجمعة وإن كان من مال لا يُعرف مالكه، فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم يجد غيره فلا يترك الجمعة والجماعة به، لأنه يحتمل أنِ يكون من ملك الذى بناه ولو على بعد. وإن لم يكن له مالك معين فَهَو لمصَالح المسلمين. وأما الْخَلوق والتخصيص فلا يمنع من الدخول، لأنه غير منتفع به وإنما هو زينة. والأولى أنه لا ينظر إليه (١).
(١١ و١٢) وتكره الصلاة فى الكنيسة والبيعة " بكسر الباء وهى معبد اليهود " إذا كان فيهما تصاوير عند الحنبلية لقول عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التى فيها الصور ﴿٩٠﴾ وكان ابن عباس يصلى فى البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. ذكرهما البخارى ﴿٩١﴾ (وقد وصل) أثر ابن عباس البغوى وزاد فيه: فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى فى المطر (ووصل) أثر عمر عبد الرازق من طريق أسْلم مولى عمر قال: لما قدِم الشامَ صنع له رجل من النصارى طعامًا وكان من عظمائهم وقال: أنا أحِب أن تجيبنى وتُكرِمَنى فقال له عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التى فيها (٢). أما الخالية من الصور فالصلاة فيها مباحة. وعليه يُحمل ما روى سهل بن سعِد عن حَميد عنْ بكثرٍ قال: كَتِب إلى عُمر من نجران أنهم لم يجدوا مكانًا أنظف ولا جود من بيعة، فكتب: انضحوها بماء وسِدْر وصلوا فيها. أخرجه ابن أبى شيبة.
_________________
(١) ص ١١٤ ج ٢ إحياء علوم الدين (الباب السادس من كتاب الحلال والحرام) و(الخلوق) بفتح فضم، نوع من الطيب.
(٢) ص ٣٥٨ ج ١ فتح البارى (الصلاة فى البيعة) و(التى) فى أثر عمر صفة لكنائسكم. وفيها غير مقدم. والصور مبتدأ مؤخر والجملة صلة التى.
[ ٣ / ٢٢١ ]
(وقالت) الحنفية والشافعية: تكره الصلاة فيها مطلقًا، ولعل وجهه اتخاذُهم قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، فتصير جميع البيع والكنائس مظنة لذلك (ويؤيده) حديث عائشة أن ألم سلمة ذكرتْ لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرتْ له ما رأَتْه فيها من الصُّور. فقال ﷺ: أولئك قوم إذا مات فيهم العبدُ الصالح أو الرجل الصالح. بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله. أخرجه الشيخان والنسائى (١). ﴿٣١٣﴾
(وقالت) المالكية: تكره الصلاة فيها إن دخلها اختيارًا ويُعيد فى الوقت إن كانت عامرة. ولا يُعيد إن كانت دارسة. أما إن دخلها مضطرًا فلا تكره الصلاة فيها (ولم ير) الشعبى وعطاء بن أبى رباح وابن سيرين بالصلاة فى الكنسية بأسًا. وصلى أبو موسى الأشعرى وعمر بن عبد العزيز فى كنيسة.
(١٣) وتكره الصلاة فى مسجد فيه بدعة " لقول " مجاهد: كنت مع ابن عمر فثوب رجل فى الظهر أو العصر فقال: اخرج بنا فإن هذه بدعة. أخرجه أبو داود: (وقال) الترمذى: وروى عن مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدًا وقد أذِّن فيه ونحن نريد أن نصلىّ فيه فثوّب المؤذن فخرج عبد الله بن عمر من المسجد قال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع ولم يصل فيه (٢) ﴿٩٢﴾ (وقصدَ) ابن عمر بخروجه من المسجد زجرَ المبتدع عن الحدث فى الدين والتنفيرَ من البدع، وانه يطلب البعد عن المكان الذى حدثت فيه بدعة.
(١٤) وتكره الصلاة فى بطن الوادى إن خيف سيل يُذهب الخشوع
_________________
(١) ص ٣٥٨ ج ١ فتح البارى. وص ١١ ج ٥ نووى مسلم (النهى عن بناء المسجد على القبور ..) وص ١١٥ ج ١ - مجتبى (النهى عن اتخاذ القبور مساجد) و(مارية) بتخفيف الياء آخر الحروف.
(٢) تقدم ص ٥٦، ٥٧ ج ٢ طبعة ثانية.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
وإن لم يتوقع ذلك فلا كراهة.
(١٥) وتكره الصلاة فى مسجد الضرار (١)
عند الجمهور لقول الله تعالى ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ (٢) (وقال) ابن حزم: لا تجزئ الصلاة فى مسجد أحدِث مباهاة أو ضرارًا
_________________
(١) مسجد الضرار هو مسجد أسسه اثنا عشر رجلا من المنافقين مضارة لأهل مسجد قباء، بنوه بأمر أبى عامر الراهب رجل ترهب وتنصر فى الجاهلية وكان له شرف فى الخارج، فلما هاجر النبى ﵌ إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وظهر أمره، تغيظ اللعين أبو عامر وقال النبى ﷺ: ما هذا الذى جئت به. قال جئت بالحنيفية دين إبراهيم قال أبو عامر: فأنا عليها. فقال له النبى ﷺ: إنك لست عليها. قال أبو عامر: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها. فقال النبى ﷺ: ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية. فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدًا غريبًا وحيدًا فقال النبى ﷺ: آمين، وسماه أبا عامر الفاسق، وخرج أبو عامر فارًا إلى كفار مكة فألبهم على حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله وكانت العاقبة للمتقين، وما زال الفاسق يخرج مع المشركين فى كل حرب يقاتلون فيه رسول الله ﷺ إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن يئس الفاسق، فخرج هاربًا إلى الشام يستنصر هرقل على النبى ﷺ فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من أهل النفاق: أن أعدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يكون مرصدًا له إذا قدم عليهم فبنوا مسجدًا بجوار مسجد قباء وأحكموه قبل خروج النبى ﷺ إلى تبوك فأتوه ﷺ وقالوا: إنا نبينا مسجدًا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة، ونحب أن تصلى فيه وتدعو بالبركة، فقال: إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله .. فلما رجع ﷺ من تبوك ولم يبق بينه وبين المدينة إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما قصد بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المسلمين فى مسجد قباء الذى أسس من أول يوم على التقوى. فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم من بنى سالم بن عوف، ومعن بن عدى وقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا سر يعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف. فقال مالك لمعن: أنظرنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى فدخل أهله وأخذ سعفًا من النخل فأشعل فيه نارًا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرق أهله وفيهم نزل (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا) (" " أى إعدادًا " لمن حارب الله ورسوله من قبل " أى قبل بنائه " " وهو أبو عامر الفاسق " وليحلفن إن أردنا إلا " الفعلة " الحسنى " وهى الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن المسير إلى مسجد قباء " والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبدًا) ومات أبو عامر الفاسق بالشام طريدًا غريبًا وحيدًا إجابة لتأمين النبى ﷺ.
(٢) التوبة آية: ١٠٨
[ ٣ / ٢٢٣ ]
على مسجد آخر إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد الأول (١) ثم قال: ولا تجُزئ الصلاة فى مكان يستهزأ فيه بالله ﷿ أو برسوله ﷺ أو بشئ م الدين أو فى مكان يُكْفر بشئ من ذلك فيه. فإن لم يتمكن من الانتقال إلى مكان آخر صلى وأجزأته صلاته (٢).