يجب على كل مكلف أن يعتقد اعتقاد جازما أن الله تعالى أرسل جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو الدين الذى لا يقبل الله تعالى غيره. قال تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ (١٢٨) البقرة. وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًاّ وَلاَ نَصْرَانِيًاّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (٦٧) آل عمران. وقال حكاية عن سيدنا سليمان ﴿أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣١) النمل. وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (١٩) آل عمران. وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (٨٥) آل عمران. أى ومن يطلب غير دين النبى محمد
_________________
(١) قال طارق بن شهاب: قالت اليهود لعمر بن الخطاب ﵁: انكم لتقرءون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيدا. فقال عمر: انى لاعلم حين أنزلت وأين أنزلت أنزلت يوم عرفة وأنا والله بعرفة فى يوم جمعة يعنى (اليوم أكملت لكم دينكم) أخرجه الخمسة الا أبا داود [٢] ص ١١٥ ج ١ تيسير الوصول (سورة المائدة).
(٢) ص ١٨١ ج ١ مجمع الزوائد (الاقتداء بالسلف).
[ ١ / ٩ ]
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو فى الآخرة من الخاسرين، ولا يخرج من النار أبد الآبدين، لأن الله تعالى جعل شرعه ناسخا لجميع الشرائع.
هذا. والدين يطلق على الطاعة وعلى الطريقة الثابتة والملة المتبعة، فهو يشمل الشرائع كلها. فذا صدق العبد بكل ما جاء به النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو مؤمن (والإيمان) لغة: التصديق القلبى، قال تعالى حكاية عن اخوة يوسف (وما أنت بمؤمن لنا) أى بمصدق، وشرعا التصديق بكل ما جاء به النبى صلى الله عليه وعلى آله واعتقاده اعتقادا جازما، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، والتصديق بالأوامر والنواهى كافتراض الصلاة وتحريم قتل النفس المعصومة وأنا (روى) أبو ذر أن النبى ﷺ قال " ما من عبد قال لا اله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت: وان زنى وان سرق؟ قال: وان زنى وان سرق؟ قلت: وان زنى وان سرق؟ قال: وان زنى وان سرق، قلت: وان زنى وان سرق؟ قال: وان زنى وان سرق على رغم أنف أبى ذر " أخرجه أحمد والشيخان والترمذى (١)
(والإسلام) لغة الانقياد والاستسلام. ومنه إيمان الأعراب الذين قال الله تعالى فيهم ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١٤) الحجرات، لأنهم تلفظوا بكلمة الشهادة بلا تصديق (وشرعا) انقياد ظاهرى مع اعتقاد باطنى بكل ما جاء به النبى ﷺ، وعلم من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
_________________
(١) ص ٥٣ ج ١ - الفتح الربانى. وص ٢١٩ ج ١٠ فتح البارى (الثياب البيض وص ٩٤ ج ٢ نوى مسلم (من مات لا يشريك بالله دخل الجنة) وذكره تيسير الوصول بلفظ آخر، ص ١١ ج ١.
[ ١ / ١٠ ]
فكل من الإيمان والإسلام المنجيين لا ينفك عن الآخر. وكل مؤمن مسلم وكلم مسلم مؤمن، لأن المصدق ذلك التصديق للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لابد أن يكون خاضعنا لما جاء به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والخاضع هذا الخضوع لابد أن يكون مصدقا ذلك التصديق.
هذا. وقوام الدين ثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان. وقد بينها النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى حديث عمر ﵁ قال: " بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وقال: يا محمد أخبرنى عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت أن استطعت إليه سبيلا. قال: دقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: أ، تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك. قال: فأخبرنى عن ساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرنى عن إماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان. ثم انطلق. فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر أتدرى من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فانه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. أخرجه أحمد والخمسة إلا البخارى (١) ﴿٩﴾.
_________________
(١) ص ٦٢ ج ١ - الفتح الربانى. وص ١٣ ج ١ تيسير الوصول (حقيقة الايمان =
[ ١ / ١١ ]
دل الحديث على أن الأحكام الشرعية علمية وعملية. فالعلمية ستة:
(الأول) الإيمان بالله، وهو اعتقاد وجود الله تعالى متصفا بكل كمال يليق بجلاله، منزها عن كل نقص. وأنه قادر على إيجاد الممكن وإعدامه.
(الثانى) الإيمان بالملائكة، وهو أ، تؤمن بوجودهم، وأنهم عباد مكرمون لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
(الثالث) الإيمان بالكتاب، وهو أن تصدق بان الله كتبا أنزلها على بعض رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام منها: القرآن وهو أفضلها أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والإنجيل أنزل على سيدنا عيسى. والتوراة أنزلت على سيدنا موسى. والزبور أنزل على سيدنا داود. وصحف سيدنا إبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام.
_________________
(١) = والاسلام) و(القدر) بفتحتين، هو ايجاد الله تعالى الاشياء على قدر مخصوص وتقدير معين فى ذواتها واحوالها طبق ما سبق به علم الله، بخلاف القضاء فانه تعلق الارادة بالاشياء ازلا. وقيل فيهما غير ذلك. قال الأجهورى: ارادة الله مع التعليق فى ازال قضاؤه فحقق والقدر الايجاد للأشياء على وجه معين ارده علا وبعضهم قد قال معنى الاول العلم مع تلق فى الأزل والقدر الايجاد للأمور على وفاق علمه المذكور هذا. ولما كان الايمان بالقدر مستلزما الايمان بالقضاء، لم يتعرض له فى الحديث. و(أن تلد الأمة ربتها) أى سيدتها. وهو كتابة عن كثرة اتخاذ الجوارى. وتلد الجارية بنتا او ابنا من سيدها. والولد بمنزلة ابيه فى السيادة. و(العالة) بفتح اللام المخففة جمع عائل وهم الفقراء. و(رعاء) بكسر الراء جمع راع وبجمع على رعاه بضمها، (والشاء) جمع شاة، (ويتطاولون فى البنيان) أى يتفاخرون بطوله وارتفاعه. والمراد أن الأسفل يصيرون اصحاب ثروة ظاهرة.
[ ١ / ١٢ ]
(الرابع) الإيمان بالرسل، وهو أن تؤمن بأن الله تعالى أرسل رسلا من البشر مبشرين الطائعين بالجنة، ومنذرين بالعذاب الأليم. متصفين بما يليق بهم من صدق وأمانة وتبليغ وفطانة ومالا يؤدى إلى نقص فى مراتبهم العلية، ولا إلى نفرة الناس عنهم، منزهين عما لا يليق بمقامهم من كذب وخيانة وكتمان وبلادة.
(الخامس) (الإيمان باليوم الآخر. وهو يوم القيامة. وسيأتى أن أوله من الموت أو البعث، وبما اشتمل عليه من سؤال القبر وعذابه ونعيمه وبعث وحشر وميزان ونشر كتب الأعمال وتعليقها فى الأعناق وأخذها باليمين لقوم وبالشمال لآخرين، وقراءة كل كتابه قال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائرة فى عنقة ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (١) وما إلى ذلك مما يأتى بيانه إن شاء الله تعالى.
(السادس) الإيمان بالقدر كله، أى التصديق والإذعان بان كل ما قدر الله فى الأزل لابد من وقوعه وما لم يقدره يستحيل وقوعه، وبأنه تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق. " روى " ابن عمرو أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء " أخرجه مسلم والترمذى (٢) ﴿١٠﴾.
وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤٩) القمر. وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٢) الفرقان
_________________
(١) الاسراء: ١٣ و١٤ (وطائره) عمله.
(٢) ص ٢٠٣ ج ١٦ نووى مسلم. وص ١٧٤ ج ٣ تيسير الوصول (ذم القرية).
[ ١ / ١٣ ]
وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣٠) الدهر. وعن ابن عمر ﵄ أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " كل شئ بقدر حتى العجز والكيس " أخرجه أحمد ومسلم (١) ﴿١٢﴾.
وقد تكفل بتفصيل هذه الأحكام: