خصت هذه الأمة بجواز الصلاة فى أى موضع من الأرض غير ما تقدم من المواضع المنهى عن الصلاة فيها لما فى " حديث " جابر أن النبى ﷺ قال: وجُعِلتْ لِىَ الأرضُ طهورًا ومسجدًا، فأيُّمَا رجل من أمتى أدركته الصلاة فليْصل حيث أدركته. أخرجه أحمد والشيخان والنسائى (١). ﴿٣١٩﴾
والكلام هنا ينحصر فى عشرة فروع:
(١) فضل بناء المساجد: من بنى مسجدًا مخلصًا لله تعالى فله أجر عظيم وثواب دائم. وقد ورد فى ذلك أحاديث (منها) حديث ابن عباس أن النبى ﷺ قال: مَنْ بنى لله مسجدًا ولو كَمَفْحَص قطاة لبيضها بنى الله له بيتًا فى الجنة. أخرجه أحمد وابن حبان والبزار بسند جيد (٢). ﴿٣٢٠﴾
(وحديث) عثمانَ بن عفان ﵁ أن النبى ﷺ قال: من بنى لله مسجدًا يبتغى به وجه الله بنى الله له مثله فى الجنة. أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (٣). ﴿٣٢١﴾
_________________
(١) ص ١٨٧ ج ٢ - الفتح الربانى وص ٢٩٨ ج ١ فتح البارى (التيمم) وص ٣ ج ٥ نووى مسلم (المساجد) وص ٧٣ ج ١ مجتبى (التيمم بالصعيد) وأوله: أعطيت خمسًا.
(٢) ص ٤٧ ج ٣ - الفتح الربانى. و(مفحص)، كمذهب موضع تبيض فيه القطاة. وهى طائر. وهو محمول على المبالغة، لأن المفحص لا يكفى للصلاة، أو محمول على أن يشترك جماعة فى بناء مسجد فتكون حصة كل قدر المفحص.
(٣) ص ٤٦ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ٣٦٥ ج ١ فتح البارى (من بنى مسجدًا) وص ١٤ ج ٥ نووى مسلم (فضل بناء المساجد) وص ١٢٩ ج ١ سنن ابن ماجه (من بنى الله مسجدًا) (وص ٢٦٤ ج ١ تحفة الأحوذى فضل بنيان المساجد).
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وهذا من باب التقريب، وإلا فما فى الجنة لا مثيل له.
(وحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إنّ مما يلحقُ المؤمنَ من عمله وحسناتِه بعد موته علمًا علمه ونشره، وولدا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله فى صحته وحياته تلحقه من بعد موته أخرجه ابن ماجه والبيهقى بسند حسن (١). ﴿٣٢٢﴾
(وحديث) عمرو بن عتبة أن النبى ﷺ قال: من بنى لله مسجدًا لِيُذْكَرَ اللهُ تعالى فيه بنى الله له بيتًا فى الجنة. أخرجه أحمد والنسائى بسند جيد (٢). ﴿٣٢٣﴾
(٢) اتخاذ القبور مساجد: يجوز - عند الجمهور - نبش قبور الكفار واتخاذ أرضها مسجدًا " روى " أنس أن النبى ﷺ أُمِر ببناء المسجد فأرسلَ إلى بنى النجّار فقال يا بنى النجار ثامنونى بحائطكم هذا فقالوا: والله ما نطلبُ ثمنهُ إلا إلى الله وكان فيه قبورُ المشركين وفيه خرِب وفيه نخْل، فأمر النبى ﷺ بقبور المشركين فَنُبِشتْ، ثم بالخَرِبَ فَسُوِّيتْ ثم بالنخل فَقُطِعَ. فصَفوا النخل قبله المسجد، وجعلوا عِضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجون والنبى ﷺ معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خيرُ الآخرة. فانصرَ الأنصار والمهاجِرهْ. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى من حديث طويل (٣). ﴿٣٢٤﴾
_________________
(١) انظر رقم ٢٤٩٧ ص ٥٤٠ فيض القدير.
(٢) ص ٤٧ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١١٢ ج ١ مجتبى (الفضل فى بناء المساجد).
(٣) ص ٧٦ ج ٣ الفتح الربانى وصدره: كان موضع مسجد النبى ﷺ لبنى النجار فقال لهم امنونى وص ٣٥٤ ج ١ فتح البارى (هل تنبش قبور مشركى الجاهلية؟) وص ٦ ج ٥ نووى مسلم (المساجد ) وص ٥٢ ج ٤ - المنهل العذب (بناء المساجد) وص ١١٤ ج ١ = مجتبى (نبش القبور واتخاذها مساجد) و(أمر ببناء المسجد) أى مسجد المدينة. و(ثامنون)، أى ساومونى فى الثمن. و(إلا إلى الله) إلى بمعنى من. وقد صرح بها عند الإسماعيل قال: فقالوا لا نطلب ثمنه إلا من الله. وزاد ابن ماجه: ابدًا. وظاهر الحديث أنهم لم يأخذوا منه ثمنًا " ولا ينافيه " ما رواه ابن سعد فى الطبقات عن الواقدى أن النبى ﷺ اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها أبو بكر ﵁ " لأن هذا " كان من بنى النجار فى مبدأ المساومة، فلما تبين أن الأرض كانت ليتيمين لم يقبل النبى ﷺ منهما التبرع فأمر أبا بكر بدفع الثمن لهما. و(خرب) بفتح الخاء وكسر الراء بعدها موحدة، جمع خربة ككلم وكلمة (وحكى) الخطابى كسر أوله وفتح ثانيه، جمع خربة كعنب وعنبة .. و(عضادتيه) تثنية عضادة بالكسر جانب الباب.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
(دل) الحديث على جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها (وقال) الأوزاعي: لا يجوز نبش قبر الكافر لبناء موضعه مسجدًا (لحديث) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (الحديث) أخرجه مسلم. ﴿٣٢٥﴾
نهى أن ندخل بيوتهم فكيف قبورهم (ورد) بأن هذا قياس معارض بالنص فلا يعول عليه (وأما بناء المساجد) فى مقابر المسلمين فلا يجوز ما لم تندرس " لحديث " جُنْدُب بن عبد الله أن النبى ﷺ قال: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، إنى أنهاكم عن ذلك. أخرجه مسلم والنسائى (١). ﴿٣٢٦﴾
فاتخاذ القبور التى لم تندرس مساجدَ حرام كما يحرم بناء المساجد على القبور
_________________
(١) ص ١١١ ج ١٨ نووى مسلم (النهى عن الدخول على أهل الحجر إلا من يدخل باكيًا - الزهد) و(الحجر) بكسر فسكون، مساكن ثمود بوادى القرى بين المدينة والشام.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
ويجب هدم كل مسجد بنى على قبر (١).
وإنما نهى النبى ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة فى تعظيمه والافتتان به وربما أدّى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية.
" ولما " احتاجت الصحابة والتابعون ﵃ إلى الزيادة فى مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، وفيها حجرة عائشة مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبى بكر وعمر " بنوا " على القبر حيطانًا مرتفعة
_________________
(١) ومن هذا المسجد الذى بنى على مغارة الخليل بفلسطين (قال) تقى الدين ابن تيمية (ولما كان) اتخاذ القبور مساجد وبناء المسجد عليها محرمًا، ولم يكن شئ من ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر، وكان الخليل ﵇ فى المغارة التى دفن فيها وهى مسدودة لا أحد يدخل إليها، ولا تشد الصحابة الرحال لا إليه ولا إلى غيره من المقابر، لأن فى الصحيحين من حديث أبى هريرة وأبى سعيد ﵄ عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى (يأتى رقم ٣٤٨ ص ٢٤٠) (فكان) يأتى من يأتى منهم إلى المسجد الأقصى يصلون فيه ثم يرجعون لا يأتون مغارة الخليل ولا غيرها، وكانت مغارة الخليل مسدودة حتى استولى النصارى على الشام فى أواخر المائة الرابعة، ففتحوا الباب وجعلوا ذلك المكان كنيسة. ثم إلى فتح المسلمون البلاد اتخذه بعض الناس مسجدًا وأهل العلم ينكرون ذلك " والذى " يرويه بعضهم فى حديث الإسراء انه قيل للنبى ﷺ: هذه طيبة أنزل فصل فنزل فصلى .. هذه مكان أبيك أنزل فصل " كذب " موضوع لم يصل النبى ﷺ تلك الليلة إلا فى المسجد الأقصى خاصة كما ثبت ذلك فى الصحيح، ولا نزل إلا فيه (ولهذا) لما قدم الشام من الصحابة من لا يحصى عددهم إلا الله وقدمها عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس، وبعد فتح الشام لما صالح النصارى على الجزة وشرط عليهم الشروط المعروفة، وقدمها مرة ثالثة حتى وصل إلى سرغ " بفتح فسكون، موضع قرب تبوك " ومعه أكابر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار (فلم يذهب) أحد منهم إلى مغارة الخليل ولا غيرها من آثار الأنبياء التى بالشام لا ببيت المقدس ولا بدمشق ولا غير ذلك، مثل الآثار الثلاثة التى بجبل قابسيون فى غربيه الربوة المضافة إلى عيسى ﵇، وفى شرقية المقام المضاف إلى الخليل ﵇، وفى وسطه وأعلاه مغارة الدم المضافة إلى هابيل لما قتله قابيل. فهذه البقاع وأمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورونها ولا يرجعون منها بركة، فإنها محل الشرك. ولهذا توجد فيها الشياطين كثيرًا، وقد رآهم غير واحد على صورة الإنس، ويقولون لهم رجال الغيب، يظنون أنهم رجال من الإنس غائبين عن الأبصار، وإنما هم جن والجن يسمون رجالا كما قال الله تعالى: " وأنه كان رجال من الإنس يعزذون برجال من الجن فزادهم رهقًا ". انظر ص ١٢١ تفسير سورة الإخلاص.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
مستديرة حوله، لئلا يظهر فى المسجد فيصلى إليه العوامّ ويؤدى إلى المحظور. ثم بنوا جدارين من ركنى القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا، فلا يتمكن أحد من استقبال القبر (وقد حمل) بعضهم الوعيد على من كان فى ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان. وهو تقييد بلا دليل. لأن التعظيم والافتتان لا يختصان بزمان دون زمان " وقد " يؤخذ: (أ) من قوله ﷺ: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبو أنبيائهم مساجد.
(ب) ومما روى ابن عباس قال: لعن النبى ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. أخرجه أحمد والأربعة (١). ﴿٣٢٧﴾
" أن محل " الذم على ذلك أن تتخذ المساجد على القبور بعد الدفن، لا لو بنى المسجد أوى وجعل القبر فى جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره فليس بداخل فى ذلك (قال) العراقى: والظاهر أنه لا فرق، وأنه إذا بنى المسجد لقصد أن يدفن فى بعضه، فهو داخل فى اللعنة. بل يحرم الدفن فى المسجد. وإن شرط أحد أن يدفن فيه لم يصح الشرط، لأنه مخالف لمقتضى وقفه مسجدًا. وإن قُبِرَ ميت فى مسجد وطال مكثه سوى القبر حتى لا تظهر صورته. ويحرم دفن الميت فى المسجد.
(قال) النووى فى المجموع: وأما حفر القبر فى المسجد فحرام شديد التحريم أهـ. وإن اندرست القبور سُوِّيتْ وحلّ اتخاذها مسجدًا.
(قال) ابن القاسم المالكى: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجدًا لم أر بذلك بأسًا. (وقال) ابن الماجشون: المقبرة إذا ضاقت عن الدفن وبجانبها مسجد ضاق بأهله لا بأس أن يوسّع المسجد ببعضها، والمقبرة والمسجد حبس على المسلمين (وقالت) الحنبلية: إذا صار الميت رميمًا جازت زراعة المقبرة وحرثها والبناء عليها، وإلا فلا يجوز.
_________________
(١) انظر رقم ١٣ ص ٨ ج ٨ - الدين الخالص (محظورات القبر).
[ ٣ / ٢٣٠ ]
(وقال) الحنفيّون: المسجد إذا خرب ودَثرَ ولم يبق حوله جماعة. والمقبرة إذا عَفتْ وَدَثرَتْ تعود ملكًا لأربابها. وجاز أن يُبنى موضعَ المسجد دار، وموضعَ المقبرة مسجدٌ وغيرُ ذلك. فإن لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. هذا. وإذا نبشت المقبرة ونقل ترابها ولم يكن هناك نجاسة تخالط أرضها جازت الصلاة فيها.
(٣) يجوز جعل الكنائس والبيع مساجد " لحديث " عثمانَ بن أبى العاِص أن النبى ﷺ أمره أن يجعلَ مسجد الطاِئف حيث كان طواغيُتهم أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم بسند جيد (١). ﴿٣٢٨﴾
وكذلك فعل الصحابة والسلف الصالح لما فتحوا البلاد. حوَّلوا كنائسها مساجد ومدارس انتهاكًا للكفر ومحوًا لأثره.
(٤) يسن لمن أراد دخول المسجد أن يدخل برجله اليمنى ويصلىَ ويسلم على النبى ﷺ وأن يدعوَ بما فى حديث من هذه الأحاديث:
١ - حديث أبى حُمْيدٍ وأبى أسيْد أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدُكم المسجد فَلْيُسلِّمْ على النبى ﷺ ثم لْيَقُلْ: اللهم افتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم عن أسألك من فضلك. أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢). ﴿٣٢٩﴾
٢ - حديث فاطمةَ بنتِ الحُسين عن جدّتها فاطمةَ الزهراء قالتْ: كان
_________________
(١) ص ٤٧ ج ٤ - المنهل العذب (بناء المساجد) وص ١٣٠ ج ١ - سنن ابن ماجه (أين يجوز بناء المساجد؟) و(طواغيتهم) جمع طاغوت. يطلق على الشيطان والصْم وهو المراد هنا. والمعنى أنه ﷺ أمره أن يجعل المسجد فى المكان الذى كانت فيه أصنامهم.
(٢) ض ٧٣ ج ٤ - المنهل العذب (فيما يقول الرجل عند دخول المسجد) وص ١٣٤ ج ١ - سنن ابن ماجه (الدعاء عند دخول المسجد).
[ ٣ / ٢٣١ ]
رسولُ الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله والسلامُ على رسول الله، اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح فى أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: باسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر فى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك. أخرجه أحمد وابن ماجه وكذا الترمذى بلفظ: إذا دخلَ المسجدَ صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لى وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لى وهو رواية لأحمد. وقال الترمذى: حديث حسن وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى. إنما عاشت فاطمة بعد النبى ﷺ أشهرًا (١). ﴿٣٣٠﴾
٣ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبى ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ منى سائر اليوم. أخرجه أبو داود بسند جيد (٢). ﴿٣٣١﴾
٤ - وعن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلتَه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أخرجه أحمد وعبد الرازق والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣) ﴿٩٣﴾
٥ - حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبى ﷺ وليقل اللهم افتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبى ﷺ وليقل: اللهم
_________________
(١) ص ٥٢ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٣٤ ج ١ سنن ابن ماجه. وص ٢٦١ ج ١ تحفة الأحوذى (ما يقول عند دخوله المسجد).
(٢) ص ٧٥ ج ٤ - المنهل العذب (فيما يقول الرجل عند دخوله المسجد).
(٣) ص ٥٥ ج ٤ فتح القدير الشوكانى. وص ٤٠١ ج ٢ مستدرك.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
عصمنى من الشيطان الرجيم. أخرجه ابن حبان والبيهقى وابن ماجه (١) ﴿٣٣٢﴾
(٥) يطلب ممن دخل المسجد غير المسجد الحرام ألاَّ يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد " لحديث " أبى قتادة أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس. أخرجه الستة والبيهقى وقال الترمذى حسن صحيح (٢). ﴿٣٣٣﴾
(والعدد) لا مفهوم له (ولظاهر) الأمر قالت الظاهرية بوجوب تحية المسجد على كل من دخله فى وقت تجوز فيه الصلاة. وقال بعضهم تجب فى كل وقت، لأن فعل الخير لا يمنع إلا بدليل (وقال) الجمهور: الأمر للندب فهى سنة لما تقدم أن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ يسألُ عن الإسلام، فقال النبى ﷺ: خمسُ صلوات فى اليوم والليلة. قال: هل علىّ غيرُهن؟ قال لا إلا أن تطّوع (٣).
" ولقول " عبد الله بن بُسْر: جاء رجل يتخطَّى رقابَ النِاس يومَ الجمعة والنبى ﷺ يخطب فقال له النبى ﷺ: اجلس فقد آذيت وآنيت. أخرجه أحمد والطحاوى وأبو داود والنسائى (٤). ﴿٣٣٤﴾
أمره بالجلوس ولم يأمره بالصلاة (قال) البدر العينى: لو قلنا بوجوب
_________________
(١) ص ٤٤٢ ج ٢ - السنن الكبرى (ما يقول إذا دخل المسجد) وص ١٣٤ ج ١ سنن ابن ماجه (الدعاء عند دخول المسجد).
(٢) ص ٣٦١ ج ١ - فتح البارى (إذا دخل المسجد ..) وص ٢٢٥ ج ٥ نووى مسلم (استحباب تحية المسجد ..) وص ٧٧ ج ٤ - المنهل العذب (ما جاء فى الصلاة عند دخول المسجد) ولفظه: إذا جاء أحدكم. وص ١١٩ مجتبى (الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه) وص ٢٦٢ ج ١ تحفة الأحوذى (إذا دخل أحدكم المسجد ..) وص ٥٣ ج ٣ - السنن الكبرى (تحية المسجد).
(٣) (تقدم رقم ٥ ص ٣ ج ٢ طبعة ٢ - الصلاة).
(٤) ص ٧١ ج ٦ - الفتح الربانى وص ٢١٥ ج ١ شرح معانى الآثار (الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة ) وص ٢٨٥ ج ٦ - المنهل العذب (تخطى رقاب الناس يوم الجمع) وص ٢٠٧ ج ١ مجتبى (النهى عن تخطى رقاب الناس ..) (آنيت) أى تأخرت.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
تحية المسجد لَحَرُمَ على المحدث الحدثَ الأصغر دخولُ المسجد حتى يتوضأ ولا قائل به. فإذا جاز الدخول المسجد على غير وضوء، لزم منه أن لا يجب عليه صلاة تحية المسجد عن دخوله (١) (وهذه) الأحاديث تدل على مشروعية تحية المسجد فى كل وقت حتى وقت خطبة الجمعة. وبه قال الشافعية وابن عيينة وابن المنذر وداود وإسحاق بن راهويه والحسن البصرى، لعموم هذه الأحاديث " ولحديث " جابر بن عبد الله قال: جاء سُليك الغطفانىّ يومَ الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما. ثم قال: إذا جاء أحدُكم يومَ الجمعة والإمامُ يخطب فليْركعْ ركعتين ولْيَتَجوَّزَ فيهما. أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٣٥﴾
" وأما " أحاديث النهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس "فمحمولة" على مالا سبب له من الصلوات " لقول " أم سلمة: دخل علىّ رسول الله ﷺ بعد العصر فصلى سجدتين قلت: يا بنى الله أنزل عليك فى هاتين السجدتين؟ قال: لا ولكن صليت الظهر فشغلت (أى عن راتبته) فاستدركتها بعد العصر. أخرجه أحمد بسند لا بأس به (٣). ﴿٣٣٦﴾
(وقالت) الحنبلية: تُسنّ التحية وقت الخطبة وتحرم فى أوقات النهى ولا تنعقد (وقال) الحنفيون وابن سيرين وعطاء بن أبى رباح والليث وشُرَيح والأوزاعى: تكره تحية المسجد فى أوقات النهى وحال خطبة الجمعة.
(وقالت) المالكية: تكره بعد صلاة الصبح والعصر وتحرم حال الخطبة
_________________
(١) ص ٢٠٢ ج ٤ عمدة القارى (إذا دخل أحدكم المسجد ..).
(٢) ص ١٦٤ ج ٦ نووى مسلم (التحية والإمام يخطب).
(٣) ص ٣٠٩ ج ٦ مستدرك (حديث أم سلمة ﵂).
[ ٣ / ٢٣٤ ]
ووقت طلوع الشمس وغروبها "لحديث" ابن عمر أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدُكم المسجدَ والإمامُ على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمامُ. أخرجه الطبرانى. وفى سنده أيوب بن نهيك منكر الحديث ومتروك ضعفه جماعة وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: يخطئ (١). ﴿٣٣٧﴾
فهو حديث لا يحتج به ولا يعارض الأحاديث الصحيحة.
" وأما أمره " ﷺ سُلَيْكًا بصلاة الركعتين " فأجابوا " عنه بوجوه كلها ضعيفة. ويعارضها ما تقدّم فى الحديث الصحيح عن جابر ابن عبد الله من قوله ﷺ: إذا جاء أحدُكم يومَ الجمعة والإمامُ يخطبُ فلْيركعْ ركعتين ولْيتَجوّزْ فيهما (٢) (وهو) يرد ما قبل من أن قصة سليك واقعة عين لا عموم لها (وأقوى) دليل لمن قال بعدم جواز الصلاة حال الخطبة (حديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت. أخرجه الجماعة إلا الترمذى (٣). ﴿٣٣٨﴾
(ووجه) الدلالة أنه إذا مُنع من هذه الكلمة مع كونها أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر فى زمن يسير وهو واجب، فلأن يمنع من الركعتين مع كونهما مسنونتين وفى زمن طويل من باب أولى (ورد) بأن هذا قياس فى مقابلة النص فلا يعوّل عليه. (فالراجح) القول بمشروعية تحية المسجد حال الخطبة ويؤيده أن النبى ﷺ قطع الخطبة وهى فرض وأمر سليكًا بالصلاة (وهذا) يدلّ دلالة قاطعة على تأكد صلاة ركعتى التحية إذ معلوم أن الفرض وهو الخطبة لا يقطع إلا لمتأكد فعله. هذا. ولا تفوت التحية
_________________
(١) ص ١٨٤ ج ٢ مجمع الزوائد (فيمن يدخل المسجد والإمام يخطب).
(٢) تقدم عجز رقم ٣٣٥.
(٣) انظر رقم ٨٠١ ص ٤١٨ ج ١ فيض القدير.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
بالجلوس ولو طال عند الحنفيين ومالك، ولما تقدّم أن النبى ﷺ أمر سُليكًا بالصلاة بعد جلوسه (ولقول) أبى ذر: أتيت رسول الله ﷺ وهو فى المسجد فجلست فقال: هل صليت: قلت لا. قال: قم فصلّ فقمت فصليت ثم جلست (الحديث) أخرجه أحمد وأخرجه ابن حبان نحوه فى باب تحية المسجد لا تفوت بالجلوس (١). ﴿٣٣٩﴾
(وقالت) الشافعية: لا تفوت بالجلوس سهوًا أو نسيانًا وتفوت بالجلوس عمدًا ولو قصر ولا يشرع قضاؤها (ورده) الحافظ بحديث أبى ذر وقصة سليك. ثم قال: ويحتمل أن يحمل مشروعيتها بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل (٢) (وقالت) الحنابلة: لا تفوت إلا بالجلوس الطويل.
(وتتكرر) بتكرر دخول المسجد عند الشافعية، لظاهر الأحاديث.
(وقال) الحنفيون: لا تتكرر بتكرر الدخول بل يكفيه ركعتان لها فى اليوم (وقال) المالكيون: إن رجع
عن قرب كفته الأولى وإلا كررها.
(وقال) الحنبليون: تُسنّ تحية المسجد لكل داخل فى غير وقت النهى قبل أن يجلس إذا كان متطهرًا. وتتكرر بتكرر الدخول لغير مقيم بالمسجد يتكرر دخوله وغير داخل لصلاة العيد فيه لعذر كمطر، وغير خطيب دخل للخطبة، لأن المطلوب منه أن يصعد المنبر عند دخوله اقتداء بالنبى ﷺ. (وتطلب) التحية ممن دخل المسجد مجتازًا عند الجمهور، لعموم الأحاديث. (وقالت) المالكية: لا يطالب المجتاز بالتحية. لأنه ﷺ علق تأديتها بالجلوس حيث قال: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين. أخرجه ابن ماجه عن المطلب بن عبد الله عن أبى هريرة
_________________
(١) ص ١٧٨ ج ٥ - مسند أحمد (حديث أبى ذر الغفارى ﵁).
(٢) ص ٣٦١ ج ١ فتح البارى (إذا دخل المسجد فليركع ركعتين).
[ ٣ / ٢٣٦ ]
بسند رجاله ثقات وهو منقطع. المطلب بن عبد الله لم يلق أبا هريرة (١). ﴿٣٤٠﴾
فينتفى طلبها بانتفاء الجلوس (ورد) بان الجلوس ليس هو المقصود بالتعليق عليه بل المقصود الوجود فى البقعة " لحديث " أبى قتادة أن النبى ﷺ قال: إذا جاء أحدكم المسجد فَلْيُصَلِّ سجدتين قبل ان يجلسَ، ثم لْيقعد بعدُ إن شاء أو لِيذْهَبْ لحاجته. أخرجه أبو داود (٢). ﴿٣٤١﴾
" فوائد " (الأولى) هل يصلى التحية من دخل المسجد لصلاة العيد إذا دعت ضرورة إلى صلاتها فيه؟ (قالت) الحنبلية: لا يصليها كما تقدّم.
(وعند) الجمهور يصليها، لعموم الحديث " ولا ينافيه " قول ابن عباس ﵄: خرج رسول الله ﷺ يوم فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما " الحديث " أخرجه أبو داود (٣). ﴿٣٤٢﴾
" لأنه " محمول على صلاته ﷺ فى الصحراء كما كانت عادته ﷺ. وما صلاها فى المسجد إلا لضرورة مطر كما سيأتى فى صلاة العيد إن شاء الله تعالى.
(الثانية) كان من هدى النبى ﷺ أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية للمسجد ثم يسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق حق لهم وحق الله تعالى فى مثل هذا أحق بالتقديم. بخلاف الحقوق المالية فإن فيها نزاعًا معروفًا عند الفقهاء، وكانت عادة القوم معه ﷺ هكذا يدخل أحدهم المسجد فيصلى ركعتين ثم يسلم على النبى ﷺ.
_________________
(١) ص ١٦٤ ج ١ - سنن ابن ماجه (من دخل المسجد فلا يجلس حتى يركع).
(٢) ص ٨٢ ج ٤ - النهل العذب (ما جاء فى الصلاة عن دخول المسجد).
(٣) ص ٣٤٠ ج ٦ منه (الصلاة بعد صلاة العيد).
[ ٣ / ٢٣٧ ]
(ففى حديث) رفاعة بن رافع أن النبى ﷺ بينما هو جالس فى المسجد يومًا ونحن معه إذْ جاءه رجل كالبدوى فصلى فأخفَّ صلاته ثم انصرف فسلم على النبى ﷺ. فقال النبى ﷺ: وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل (الحديث) أخرجه أحمد والترمذى وهذا لفظه وحسِّنه (١). ﴿٣٤٣﴾
(فأنكر) ﷺ صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه بعد الصلاة (وعلى هذا) فَيسنّ لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مرتبة: أن يقول عند دخوله باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يصلى ركعتين تحية المسجد، ثم يسلم على القوم.
(الثالثة) ما تقدم من طلب صلاة تحية المسجد إنما هو فى غير المسجد الحرام. أما هو فتحيته الطواف، إلا لمن أراد الجلوس قبل الطواف. فإنه يشرع له أن يصلى التحية (الرابعة) يسنّ للقادم من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلى فيه ركعتين " لقول " كعب بن مالك فى حديث تخلفه عن تبوك: وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا. وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين. أخرجه أحمد والشيخان والثلاثة (٢). ﴿٣٤٤﴾
وينبغى لمن يدخل المسجد لصلاة أو غيرها أن ينوى الاعتكاف.
(٦) السعى إلى المساجد والجلوس فيها للطاعة من أسباب السعادة فى الدنيا والآخرة، وقد ورد فى ذلك عدة أحاديث (منها) حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إن للمساجد أوتادًا الملائكةُ جلسلؤهم، إن
_________________
(١) ص ١٥٦ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ٢٤٧ ج ١ تحفة الأحوذى (وصف الصلاة).
(٢) ص ٤٥٧ ج ٣ مسند أحمد. وص ٨٢ ج ٨ فتح البارى (حديث كعب بن مالك - المغازى) وص ١٢٩ ج ٣ تيسير الوصول (سورة براءة).
[ ٣ / ٢٣٨ ]
غابوا يفتَقِدونهم، وإن مَرِضوا عادوهم، وإن كانوا فى حاجة أعانوهم. ثم قال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخٌ مستفاد، أو كلمةُ مْحكمة، أو رحمة مُنْتظرة. أخرجه أحمد والمنذرى. وفى سنده ابن لهيعة، متكلم فيه. وأخرج الحاكم صدره من حديث عبد الله بن سلام. وقال: صحيح على شرط الشيخين (١). ﴿٣٤٥﴾
(دل) الحديث على فضل من لازم المسجد، وأنه لا يعدم صحبة أخ صالح يستفيد منه نصيحة أو مساعدة أو بيان آية قرآنية أو مسألة علمية، أو رجاء رحمة من رب البرية. فقد ثبت أن الجالس فى المسجد تدعو له الملائكة بالمغفرة والرحمة. ودل على أن الملائكة تجالسه، فإن غاب بحثوا عنه، وإن مرض عادوه. وفى ذلك فليتنافس المتنافسون (وحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من غدا إلى المسجد وراح أعدّ اللهُ له الجنةَ نُزُلا كلما غدا وراح. أخرجه أحمد والشيخان (٢). ﴿٣٤٦﴾
(وحديث) أبى سَعيد الخدرىّ أن النبى ﷺ قال: إذا رأيتم الرجلَ يعتاد المسجد فاشهدوا عليه بالإيمان. قال الله ﷿: إنَّمَا يَعْمرُ مساجدَ الله مَن آمنَ باللهِ وَاليومِ الآخرِ. أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقى والترمذى، وقال: حسن غريب، والحاكم وقال صحيح الإسناد (٣). ﴿٣٤٧﴾
_________________
(١) ص ٢٢ ج ٢ مجمع الزوائد (لزوم المساجد) وص ٤٩ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ٣٩٨ ج ٢ مستدرك. و(الأوتاد) جمع وتد بكسر التاء وتفتح، والمراد بهم من يكثرون الجلوس فى المساجد للطاعة.
(٢) ص ٥٠ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ١٠٣ فتح البارى (فضل من غدا للمسجد ومن راح) وص ١٧٠ ج ٥ نووى مسلم (ثواب المشى إلى الصلاة) و(الغدو) الذهاب أول النهار (والرواح) الرجوع آخره. والمراد مطلق الذهاب والإياب (والنزل) المنزل وما يعد للضيف. والمراد به الأجر والثواب.
(٣) ص ٥٠ ج ٣٦ - الفتح الربانى. وص ١٣٨ ج ١ سنن ابن ماجه (لزوم المسجد ) وص ٦٦ ج ٣ - السنن الكبرى (فضل المساجد وفضل عمارتها بالصلاة فيها ..) وص ٢١٢ ج ١ مستدرك. وقوله: صحيح الإسناد يرده أن فيه دراجًا أبا السمح قال الذهبى: دراج كثير المناكير.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وتقدم حديث: إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ الوُضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفعْ قدمه اليمنى إلا كتبَ الله ﷿ له حسنة، ولم يضعْ قدمه اليسرى إلا حطّ الله ﷿ عنه سيئةً، فَليقرِّب أحدُكم أو لِيُبعِّدْ فإن أتى المسجد فصلى فى جماعة غفر له (١). والأحاديث فى هذا كثيرة تقدم بعضها فى بحث " فضل الوضوء " (٢).
(٧) أفضل المساجد: أفضلها المسجد الحرام ثم المسجد النبوى ثم مسجد بيت المقدس ثم مسجد قباء ثم القدم فالأقدم (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدى هذا والمسجد الأقصى. أخرجه السبعة إلا الترمذى (٣). ﴿٣٤٨﴾
_________________
(١) تقدم رقم ٧٨ ص ٤٩.
(٢) تقدم ص ٢٣٩ ج ١ طبعة ثانية.
(٣) انظر رقم ٩٨٠٢ ص ٤٠٣ ج ٦ فيض القدير. وص ٤٢ ج ٣ فتح البارى (فضل الصلاة فى مسجد مكة والمدينة) وص ١٦٧ ج ٩ نووى مسلم (فضل المساجد الثلاثة). و(الرحال) جمع رحل، وهى فى الأصل الإبل. والمراد هان مطلق السفر، عليها او على غيرها. أى لا ينبغى السفر لقصد الصلاة إلا لهذه المساجد الثلاث. ففى رواية لأحمد: لا ينبغى للمصلى أن يشد رحاله إلى مسجد يبغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا (قال) الشيخ تقى الدين السبكى: ليس فى الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة. والمراد بالفضل ما شهد به الشرع ورتب عليه حكمًا وأما غيرها فلا تشد إليها الرحال لذاتها، بل لطلب العلم والتجارة وصلة الرحم وزيارة الصالحين والإخوان وغير ذلك. وزعم بعضهم أن شد الرحال إلى زيارة من فى غير البلاد الثلاثة داخل فى المنع. وهو خطأ، لأن المستثنى يكون من جنس المستثنى منه. ومعنى الحديث لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد، أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان، إلا إلى الثلاثة المذكورة. وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان بل إلى من فيه أهـ و(المسجد الحرام) أول مسجد وضع فى الأرض وهو مسجد مكة قال تعالى: إن أول بيت وضع الناس للذى ببكة مباركًا (آل عمران آية ٩٦) وقال ابو ذر: قلت يا رسول الله أى مسجد وضع فى الأرض أولا؟ قال المسجد الحرام قلت ثم أى؟ قال المسجد القصى قلت كم بينهما؟ قال أربعون سنة (الحديث) أخرجه احمد ومسلم والنسائى وابن ماجه وأبو داود الطيالسى .. ص ١٥٠ ج ٥ مسند أحمد وص ٢ ج ٥ نووى مسلم (المساجد) وص ١١٢ ج ١ مجتبى وص ١٣١ ج ١ سنن ابن ماجه (أى مسجد وضع أولا) ورقم ٤٦٢ (مسند الطيالسى) بنى المسجد الحرام سيدنا إبراهيم ﵊. وبنى المسجد الأقصى حفيده سيدنا يعقوب ﵇ بعد أربعون عامًا. ثم جدده سيدنا سليمان ﵊ =
[ ٣ / ٢٤٠ ]
(وعن أبى هريرة) أن النبى ﷺ قال: صلاة فى مسجدى هذا أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام. أخرجه الشيخان والنسائى (١). ﴿٣٤٩﴾
(وعن جابر) أن النبى ﷺ قال: صلاة فى المسجد الحرام
_________________
(١) = وعلى هذا يحمل حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أن سليمان لما بنى بيت المقدس سال الله ﷿ خلالا ثلاثة (الحديث) أخرجه النسائى بسند صحيح ص ١١٢ ج ١ مجتبى. (فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه) قال بدر الدين محمد بن عبد الله الزوكشى: إن سليمان ﵇ إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه. والذى أسسه يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا القدر يعنى أربعين عامًا (ص ٤ إعلام الساجد بأحكام المساجد رقم ١٥٨٢ فقه عام بالمكتبة الأزهرية) ومنه يعلم (أولا) أن المسجد الأقصى كان قائمًا حين نزلت آية الإسراء. ويؤيده حديث أنس بن مالك أن النبى ﷺ قال: أتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التى يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم (انظر هامش ص ١٤٧ ج ٥ الدين الخالص) ولا حاجة إلى التأويل وصرف لفظ القرآن والحديث إلى ما يخالف الحقيقة. وما كان من عمر ﵁ - حين فتح القدس سنة ١٦ ست عشرة هجرية صلحًا - إلا تجديد المسجد لا تأسيسه " ومن زعم " أن المسجد الأقصى لم يكن قائمًا حين نزلت آية الإسراء " فزعمه " باطل يرده الواقع والكتاب والسنة (ثانيًا) دلت الأحاديث السابقة على أن المسجد الأقصى هو بيت المقدس الذى طلب مطعم بن عدى من النبى ﷺ أن يصفه لهم. فقال ﷺ: دخلته ليلا وخرجت منه ليلا. فأتاه جبريل ﵇ فصوره فى جناحه فجعل يقول باب منه كذا فى موضع كذا وباب منه كذا فى موضع كذا. ويؤيده حديث ميمونة مولاة النبى ﷺ أنها قالت: يا رسول الله أفتنا فى بيت المقدس. فقال ﷺ: ائتوه فصلوا فيه فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج فى قناديله. أخرجه أبو داود وابن ماجه (ص ٦٤ ج ٤ المنهل العذب المورود - السرج فى المساجد). (قال) ابن كثير فى تفسيره (من المسجد الحرام) وهو مسجد مكة (إلى المسجد الأقصى) وهو بيت المقدس الذى بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇. وعلى هذا اتفق العلماء ومنه يتبين أن بيت المقدس هو المسجد الأقصى وليس هو المدينة المقدسة التى تسمى القدس. ومن زعم غير ذلك فزعمه باطل مردود بما ذكر. وسمى المسجد الأقصى لبعده عن مكة بالنسبة لمسجد المدينة. وخصت المساجد الثلاثة بهذا الفضل، لأن الأول إليه الحج وبه القبلة، والثانى أسس على التقوى (روى) أبى بن كعب أن النبى ﷺ قال: المسجد الذى أسس على التقوى مسجدى هذا. أخرجه أحمد من عدة طرق (انظر ص ٢٤٢ ج ٤ تفسير ابن كثير) والثالث قبلة الأمم الماضية وكان قبلة المسلمين سبعة عشر شهرًا فى أول الهجرة.
(٢) ص ٤٤ ج ٣ فتح البارى (فضل الصلاة فى مسجد مكة والمدينة) وص ١٦٣ ج ٩ نووى مسلم. و(صلاة) أى ولو نفلا (فى مسجدى هذا) يؤخذ من الإشارة أن الزيادة التى حدثت فى مسجد المدينة بعد النبى ﷺ ليس لها هذا الفضل، بل هى كغيرها من المساجد، بخلاف الزيادة التى حصلت فى المسجد الحرام فلها هذا الفضل لعدم التقييد فيه بالإشارة.
[ ٣ / ٢٤١ ]
مائةُ ألفِ صلاةٍ وصلاة فى مسجدى ألْفُ صلاة، وفى بيت المقدس خمُسمِائِة صلاةٍ. أخرجه البيهقى وحسنه السيوطى (١). ﴿٣٥٠﴾
(وقال) ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يأتى مسجد قُباء كل سبت ماشيًا وراكبًا فيصلِّى فيه ركعتين. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى والبيهقى والطيالسى (٢). ﴿٣٥١﴾
(وَفُضِّلَ) المسجد الأقدم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ (٣)﴾ ولأن قِدَمه يقتضى كثرة العبادة فيه، وهذا يقتضى زيادة فضله. فإن استوى مسجدان فى القدم فالأقرب أفضل، ولو استويا فى القدم والقرب، فالأفضل ما كثر جمعه، إلا إن كان مريدُ المسجد فقيهًا يقتدى به، فالأفضل له الذهاب إلى ما جماعته أقل تكثيرًا لها. ومسجدُ الجهة وإن قلّ جمعه أفضل من الجامع وغن كثر جمعه. وهذا مذهب الحنفيين (وقالت) الشافعية: أفضل المساجد المساجد الثلاثة على الترتيب السابق ثم الأكثر جمعًا إن كان إمامُه صالحًا لا تكره إمامته ولم يترتب على الصلاة فيه تعطيل مسجد آخر، وإلا كانت الصلاة فيما قل جمعه أفضل (وقالت) الحنبلية: أفضل المساجد، المساجد الثلاثة ثم العتيق ثم ما كثر جمعه ثم الأبعد إلاّ إن تَوقف الجماعة فى غير
_________________
(١) انظر رقم ٥١٠٩ ص ٢٢٨ ج ٤ فيض القدير. و(مائة ألف) أى كمائة ألف، وكذا يقال فيما بعد (وبهذه) الأحاديث استدل الجمهور على أن مكة أفضل من المدينة، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها. وعكس مالك (واختلفوا) فى المراد بالمسجد الحرام على أقوال: أرجحها أنه مسجد مكة، وقيل إنه مكة كلها، وقيل الحرم كله.
(٢) ص ٤ ج ٢ مسند أحمد ورقم ١٨٤٠ ص ٢٥٢ مسند الطيالسى. وص ٢٤٩ ج ٢ تكملة المنهل (تحريم المدينة) وباقى المراجع بص ٢٥٠ منه
(٣) الحج عجز آية: ٣٣ وصدرها: لكم فيها (أى الأنعام) منافع. و(محلها) أى مكان نحرها عند البيت العتيق، وهو الكعبة كما قال تعالى (هديًا بالغ الكعبة) والمراد أرض الحرم وسمى عتيقًا لأنه أول بيت وضع للناس.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
ما ذكر على حضور شخص، أو كان فى حضوره تشجيع لإمامه وجماعته، فصلاته فيه أفضل (ومشهور) مذهب المالكية أن أفضل المساجد مسجد النبى ﷺ، ثم المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى، ثم مسجد قباء، ثم القريب ثم المساجد كلها سواء (وقال) ابن وهب وابن حبيب: المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوى. وهو الذى تشهد له الأدلة.
(٨) يكره تزيين المساجد ونقشها بغير الذهب والفضة وتشييدها " لحديث " أنس أن النبى ﷺ قال: لا تقومُ الساعةُ حتى يتباهى الناسُ بالمساجد. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقى وصححه ابن حبان (١). ﴿٣٥٢﴾
" ولحديث " ابن عباس أن النبى ﷺ قال: ما أُمِرْتُ بتشييد المساجد. أخرجه أبو داود والبيهقى وصححه ابن حبان (٢). ﴿٣٥٣﴾
(وقال) ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّهَا ما زخرفت اليهود والنصارى. ذكره البخارى معلقًا (٣). ﴿٩٤﴾
وهو وإن كان موقوفًا فى حكم المرفوع، لنه لا يقال من قبل الرأى. والتشييد رفع البناء وتطويله " ولا ينافيه " قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ (٤)﴾. " لأن المراد " برفعها تعظيمُها فلا يذكر فيها فحش القول، وتطهيرُها من الأدناس والبدع، فلا ترفع فيها الأصوات. ولا تدخلها الصبيان، ولا تقام فيها الخصومات (وقال) ابن عمر: نُهِينا أن نُصلّى فى مسجد مُشْرفٍ. أخرجه البيهقى (٥). ﴿٣٥٤﴾
_________________
(١) ص ٦٧ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ٤٦ ج ٤ - النهل العذب (فى بناء المساجد) وص ١٢٩ ج ١ سنن ابن ماجه (تشييد المساجد) وص ٤٣٩ ج ٢ - السنن الكبرى (كيفية بناء المساجد) و(التباهى) التفاخر بالنقش وعلو البناء.
(٢) ص ٤٣ ج ٤ - المنهل العذب (فى بناء المساجد) وص ٤٣٨ ج ٢ - السنن الكبرى.
(٣) ص ٣٦٢ ج ١ - فتح البارى و(لتزخرفتها) بفتح لام القسم وضم التاء والفاء وشد نون التوكيد من الزخرفة، وهى التزيين.
(٤) النور آية: ٣٦.
(٥) ص ٤٣٩ ج ٢ - السنن الكبرى.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
(وأمر) عمر ببناء المساجد فقال: أَكِنّ الناسَ من المطر، وإياك أن تُحمِّر أَو تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. أخرجه ابن خزيمة وصححه. وأخرجه البخارى معلقًا. ﴿٩٥﴾
وزاد: وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرُونها إلا قليلا (١). ﴿٩٦﴾
(ولذا) قال غير المالكية: يكره تشييد المسجد وزخرفته بغير الذهب والفضة. ويحرم زخرفته بهما (وقالت) المالكية يكره نقشة وزخرفته فى المحراب وغيره ولو بالذهب والفضة. ويندب تشييده وتجصيصه، فقد شيد عثمان ﵁ مسجد المدينة وجصَّصه (قال) البدر العينى: نقش المسجد وتزيينه مكروه: ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذى يخرجه سواء أكان إما اشتغال المصلى به أو إخراج المال فى غير وجهه (٢) (وقال) النووى: يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزييه، للأحاديث المشهورة، ولئلا تشغل الزخرفه قلب المصلى (٣).
(وقال) الأذرعى: ينبغى أن يحرم لما فيه من إضاعة المال لاسيما إن كان من مال المسجد. (وقال) ابن رسلان: هذا الحديث (٤)؟ فيه معجزة ظاهرة لإخباره ﷺ عما سيقع بعده، فإن تزويق المساجد
_________________
(١) ص ٣٦٢ ج ١ فتح البارى. والمراد بالمسجد مسجد المدينة (وقد) وصفه ابن عمر فقال إن المسجد كان عل عهد رسول الله ﷺ مبنيًا باللبن (بفتح اللام وكسر الباء الطوب النيئ) وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه عل بنيانه فى عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (بفتح القاف وشد الصاد المهملة وهى الجص) وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. أخرجه البخارى وأبو داود ص ٣٦٣ ج ١ فتح البارى (بنيان المسجد) وص ٤٨ ج ٤ - المنهل العذب (فى بناء المساجد) و(أكن) بفتح فكسر فنون مشددة مفتوحة، أمر من الإكنان وهو الستر. و(تفتن) مضارع فتن من باب ضرب، أى تلهيهم عن الخشوع فى الصلاة. و(يتابهون) بفتح الهاء من المباهاة وهى المفاخرة والمعنى انهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعدون فيها يتمارون ويتباهون ولا يشتغلون بالطاعة فيها إلا قليلا.
(٢) ص ٢٠٦ ج ٤ عمدة القارى (بنيان المسجد).
(٣) ص ١٨٠ - شرح المهذب (قبل باب صفة الغسل).
(٤) يعنى حديث أنس وابن عباس رقم ٣٥٢، ٣٥٣ ص ٣٤٣.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
والمباهاة برخرفتها كثر من الملوك والأمراء فى هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلمًا وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع، والحديث يدل عل أن تشييد المساجد بدعة، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك فى آخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة، ورخص فى ذلك بعضهم وهو قول أبى حنيفة إذا وقع ذلك تعظيمًا للمساجد ولم يكن الصرف من بيت المال.
(وقال) ابن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يضع ذلك بالمساجد صونًا عن الاستهانة " وتعقب " بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف فى ترك الرفاهية فهو كما قال. وإن كان لخشية شغل بال المصلى بالزخرفة فلا، لبقاء العلة. قاله الحافظ (١)؟ . ومن جملة ما عول عليه المجوزون للتزيين، أن السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك، وبأنه بدعة مستحسنة، وبأنه مرغِّب إلى المسجد (وهذه) حجج لا يُعوِّل عليها من له حظ من التوفيق، لاسيما مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله ﷺ، وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة، وأنه من صنع اليهود والنصارى، وقد كان النبى ﷺ يحب مخالفتهم ويرشد إليها (ودعوى) ترك إنكار السلف ممنوعة، لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الجور من غير مؤاذنة لأهل العلم والفضل وأحدثوا من البدع ما لا يأتى عليه الحصر، وسكت العلماء عنهم تقية لا رضا بل قام فى وجه باطلهم جماعة من علماء الآخرة وصرخوا بين أظهرهم بنعى ذلك عليهم (ودعوى) أنه بدعة مستحسنة باطلة بالحديث الصحيح: من
_________________
(١) ص ٣٦٣ ج ١ فتح البارى الشرح (بنيان المسجد).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ (١). ﴿٣٥٥﴾
ودعوى أنه مرغب إلى المسجد فاسدة، لأن ذلك لا يكون إلا لمن كان غرضه وغاية قصده النظرَ إلى تلك النقوش والزخرفة " فأما من " كان غرضه قصدَ المسجد للعبادة التى لا تكون عبادة حقيقة إلا مع الخشوع، وإلا كانت كجسم بلا روح " فليست " زخرفة المسجد إلا شاغلة له عن ذلك كما فعل النبى ﷺ فى الأنبجانية التى بعث بها إلى أبى جهم (٢)؟ وكهتْكه للستور التى فيها نقوش وصور. وتقويم البدع المعوجة التى يحدثها الملوك، يوقع أهل العلم فى المسالك الضيقة فيتكلفون فى ذلك من الحجج الواهية مالا ينفق " أى لا يروج " إلا على بهيمة (٣)؟ (وقال) ابن الحاج: وينبغى للإمام أن يغير ما أحدثوه من الزخرفة فى المحراب وغيره، فإن ذلك من البدع ومن أشراط الساعة. قال ابن القاسم: وسمعت مالكًا يذكر مسجد المدينة وما عمل من التزويق فى قبلته فقال: كره الناس ذلك حين فُعِل، لأنه يشغلهم بالنظر إليه. وسئل مالك عن المساجد هل يكره أن يكتب فى قبلتها بالصبغ مثل آية الكرسى وقل هو الله أحد والمعوذتين؟ فقال: أكره أن يكتب فى قبلة المسجد شئ من القرآن والتزويق. وقلا: إن ذلك يشغل المصلى. وينبغى للإمام أن يغير ما أحدثوه من إلصاق العمُد فى جدار القبلة وما يلصقونه أو يكتبونه فى الجدران والأعمدة (٤).
(٩) يُسنّ لأهل كل جهة بناء مسجد. ويُسنّ اتخاذ موضع فى البيت
_________________
(١) أخرجه أحمد ومسلم عن عائشة ص ١٩٤ ج ١ - الفتح الربانى. وص ١٦ ج ١٢ نووى مسلم (رد محدثات الأمور - الأقضية).
(٢) تقدم بهامش رقم ٥٢٥ صفحة ١٨٣ بيان الأنبجانية، وأن النبى ﷺ إنما أرسل إلى أبى جهم خميصة لها أعلام، كان أهداها إلى النبى ﷺ فقال: شغلتى أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبى جهم وأتونى بأنبجانسته.
(٣) ص ١٥٧ ج ٢ نيل الأوطار (الاقتصاد فى المساجد).
(٤) ص ٧٩ ج ٢ - المدخل.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
للصلاة فيه وتنظيفه من الأقذار وكنسه وتطييبه " لحديث " عائشة أن النبى ﷺ أمر ببناء المساجد فى الدُّور، وأمر بها أن تنظف وتطيب. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان بسند جيد (١). ﴿٣٥٦﴾
والمراد بالدور القبائل (وحكمة) أمر أهل كل محلة ببناء مسجد فيها، أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب إلى الأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه، فأَمَرُوا بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة فى مسجدهم من غير مشقة تلحقهم. قاله فى المرقاة (٢)؟ (وقال) غيره: المراد بالدور البيوت أو المحال التى فيها الدور. وهذا هو الظاهر لورود النهى عن اتخاذ البيوت مثل المقابر. وقال الخطابى: فى هذا حجة لمن رأى أن المكان الأمر يتم فيه بأن يجعله مسجدًا بالتسمية فقط، لكانت مواضع تلك المساجد فى بيوتهم خارجه عن أملاكهم. فدل على أنه لا يصح أن يكون مسجدًا بنفس التسمية (٣)؟ . ولذلك قال صاحب الهداية: إن اتخذ وسط داره مسجدًا وأذن للناس بالدخول فيه، له أن يبيعه ويورث عنه، لأن المساجد ما لا يكون لأحد فيه حق المنع. وإذا كان ملكه محيطًا بجوانبه كان له حق المنع فلم يصر مسجدًا (٤).
(وروى) أبو رافع عن أبى هريرة أن امرأة سوداء أو رجلا كان يقّم المسجد ففقده النبى ﷺ فسأل عنه فقيل مات فقال:
_________________
(١) ص ٧٩ ج ٣ - الفتح الربانى. وص ٦١ ج ٤ - النهل (اتخاذ المساجد فى الدور) ولفظه: أرم رسول الله .. وص ٤٠٩ ج ١ تحفة الأحوذى (فى تطيب المساجد) وص ١٣٢ ج ١ سنن ابن ماجه (تطهير المساجد وتطييبها).
(٢) ص ٤٥٩ ج ١ - مرقاة المفاتيح (الفصل الثانى - باب المساجد).
(٣) ص ١٤٢ ج ١ معالم السنن.
(٤) ص ٦٣ ج ٥ شروح الهداية (فصل فى أحكام المسجد - الوقف).
[ ٣ / ٢٤٧ ]
ألا آذنتمونى به؟ دلونى على قبره فصلى عليه. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وهذا لفظه وابن ماجه والبيهقى (١). ﴿٣٥٧﴾
(قال) ابن بطّال: فيه الحض على كنس المساجد وتنظيفها لأنه ﷺ إنما خص المذكور فى الحديث بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك. وقد روى عن النبى ﷺ أنه كنس المسجد ذكره البدر العينى (٢).
(١٠) يجوز عند الجمهور بناء مسجد فى الطريق ما لم يضرّ العامة " لقول " عائشة: لم أعقل أبوىّ إلا وهما يدينان الدينَ، ولم يمرّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفى النهار بكرة وعشية. ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدًا بفِناء داره فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن، فتقف نساءُ المشركين وأبناؤهم يعجَبون منه وينظرون إليه، وكان رجلا بَكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشرافَ قريش من المشركين أخرجه البخارى (٣). . ﴿٣٥٨﴾
_________________
(١) ص ٣٧١ ج ١ فتح البارى (كنس المسجد) وانظر باقى المراجع وشرح الحديث بهامش الحديث رقم ٥٦٠ ص ٣١٧ د ٧ - الدين الخالص (الصلاة على القبر).
(٢) ص ٢٣١ ج ٤ عمدة القارى.
(٣) ص ٣٧٧ ج ١ - فتح البارى (المسجد يكون فى الطريق ..) و(أبوى) مشى اب مضاف إلى ياء المتكلم. و(أفزع ذلك الخ) أى أخاف ما فعله أبو بكر - من الصلاة والقراءة - المشركين، خافوا أن يميل به أبناؤهم ونساؤهم إلى دين الإسلام. والحديث هنا مختصر. وأخرجه البخارى يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفى النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون (بأذى الكفار) خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك (بفتح فسكون) الغماد (ككتاب، موضع على خمس ليال جنوب مكة) لقيه ابن الدغنة (بفتح فكسر ففتح النون مخففة. وقيل بضم الدال والغين وتشديد النون) وهو سيد القارة (بتخفيف الراء قبيلة) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجنى قومى فأريد أن أسيح فى الأرض وأعبد ربى. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج (بفتح الياء) ولا يخرج (بضمها) إنك تكسب المعدوم (أى تعطى الفقير المال) وتصل الرحم، وتحمل الكل (بفتح الكاف وشد اللام وهو ما يقل حمله من القيام بأمر العيال ونحوه) قرى الضيف، وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك .. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة قطاف ابن الدغنة عشية فى أشراف قريش فقال لهم: إن =
[ ٣ / ٢٤٨ ]
(وعن) أحمد منع بناء مسجد فى الطريق أو على سقيفة تحتها ممر نافذ أو قنطرة. وعنه أنه قال: يهدم مسجد بنى فى الطريق. وعنه يجوز بناؤه
_________________
(١) = أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقرى الضعيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة (أى لم ترده) وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه فى داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك (ألا بصلاته وقراءته) ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لبى بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه فى داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرا فى غير داره، ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فيتقذف (بفتح التاء والقاف وشد الذال المعجمة) عليه نساء المشركين وأبناؤهم (أى يتدفعون عليه لسماع قراءته) وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفرغ ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم. فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه فى داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على ان يعبد ربه فى داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فاسأله أن يرد إليك ذمتك (أى عهدك بجواره) فإنا قد كرهنا أن تخفرك (بضم فسكون فكسر من الإخفار وهو نقض العهد) ولسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان. فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتى، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإنى أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ﷿. فقال النبى ﷺ للمسلمين: إنى أريت (بضم الهمزة) دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان (تثنية حرة وهى حجارة سود مرتفعة) فهاجر من هاجر قبل (بكسر ففتح أى جهة) المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله ﷺ على رسلك " (بكسر فسكون أى على مهلك) فإنى أرجو أن يؤذن لى، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر (بفتح فسكون) وهو الخبط (بفتحتين الورق الساقط من الشجر) قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوس فى بيت أبى بكر فى نحر (بفتح فسكون) الظهيرة (أفى أول وقت الحرارة) قال قائل لبى بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا (أى مغطيًا رأسه) فى ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبى وأمى، والله ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبى ﷺ وسلم لأبى بكر: أخرج من عندك. فقال أبو بكر إنما هم أهلك (يعنى عائشة وأسماء) بأبى انت يا رسول الله قال نعم. قال أبو بكر: فخذ إحدى راحلتى هاتين. قال رسول الله ﷺ: بالثمن. قالت عائشة: فجهرنا هما أحث الجهاز (أى أسرعه) وصنعنا لهما سفرة (بضم فسكون، الزاد يصنع للمسافر) فى جواب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها (بكسر النون الإزار) فربطت به على فم الجراب، فبذلك =
[ ٣ / ٢٤٩ ]
بلا إذن الإمام وحيث جاز صحت الصلاة فيه وإلا فوجهان. وتصح فيما بنى على درب مشترك بإذن أهله. هذا. ويجوز توسعة المسجد من الطريق
_________________
(١) = سميت ذات النطاقين. قالت. ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار فى جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت فى الغار عبد الله بن أبى بكر وهو غلام شاب ثقف (بفتح فكسر او سكون، أى حاذق فطن) لقن (أى سريع الفهم) فيدلج (بشد الدال أى يخرج) من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتاذان به (من الكيد وهو المكر وطلب الغوائل) (إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة بالتصغير) مولى أبى بكر منحة (بكسر فسكون أى شاة يعطى لبنها للغير) من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبتان فى رسل (كحمل أى لبن طرى) وهو لبن منحتهما ورضيفهما الرضيف كرغيف. اللبن يجعل فيه الرضفة وهى الحجارة المحماة لتزول وخامته وثقله، حتى ينعق بها (بكسر العين أى يصبح بغنمه) عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى الثلاث واستأجر رسول الله ﷺ وابو بكر رجلا من بنى الديل (بكسر فسكون) وهو من بنى عبد بن عدى هاديًا خريتًا (بكسر الخاء والراء مشددة) والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفًا (بكسر فسكون أى أخذ بنصيب) فى (أى من عهد) آل العاص بن وائل السهمى وهو على دين كفار قريش فأمناه (بكسر الميم ائتمناه) فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث. وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل. قال ابن شهاب: وأخبرنى عبد الرحمن بن مالك المدلجى. وهو ابن أخى سراقة بن مالك ابن جعشهم: أن اباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول جاءنا رسل كفار قريش يجعلون فى رسول الله ﷺ وأبى بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو اسره، فبينما أنا جالس فى مجلس من مجالس قومى بنى مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إنى قد رأيت آنفًا أسودة (جمع أسود وهو الشخص) بالساحل أراها محمدًا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم. ثم لبثت فى المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتى أن تخرج بفرسى وهى من وراء أكمة فتحبسها على، وأخذت رمحى فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه (بضم الزاى وشد الجيم الالجديدة فى أسفل الرمح) الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسى فركبتها فرفعتها (أى حملتها على الإسراع فى السير) تقرب بى حتى دنوت منهم فعثرت بى فرسى فخررت عنها فقمت فأهويت يدى إلى كنانى فاستخرجت منها الأزلام فاستقمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذى أكره فركبت فرسى وعصبت الأزلام تقرب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلفت وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فارسى فى الأرض حتى بلغتنا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا الأثر يديها عثان (بضم العين أى دخان بلا نار ساطع فى السماء مثل الدخان) فاستقمت بالأزلام فخرج الذى أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى ولم يسألان إلا أن قال: =
[ ٣ / ٢٥٠ ]
وعكسه عند الحاجة وعدم الضرر لأن كلًاّ منهما مرتفق للعامة ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض مملوكة لشخص أخذت منه بالقيمة ولو كرهًا دفعًا للضرر العام. ولو كانت وقفًا على المسجد جاز توسعته بها بإذن القاضى.