قدمت على باقى العبادات، لأنها عماد الدين، وللإجماع على أفضليتها، (روى) ابن مسعود أنّ رجلا سأل النبى ﷺ: أىُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: الصلاةُ لوقتها. أخرجه الشيخان (١) ﴿١﴾
وهى لغة الدعاء. وشرعا عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، وهى مشتقة من الصلة، لأنها توصل البعد وتقرّبه من رحمة ربه.
وهى ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَأقيمُوا الصَّلاَةَ﴾ وقال: ﴿إنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِين كَتاَبًا مَوْقُوتًا﴾ (٢)، أى مفروضًا مقدّرًا وقتها فلا تؤخر عنه (وعن ابن عباس) ﵄ أنّ النبى ﷺ قال لمعاذٍ حين أرسلَه إلى اليمن: " إيك ستأتى قوما أهلَ كتابٍ فادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسولُ اللهِ، فإِنْ هُم أطاعوك لذلك فأعْلِمهم أنّ الله تعالى قد افْترض عليهم خمسَ صلواتٍ فى كل يوم وليلة " (الحديث) أخرجه السبعة وقال الترمذى حسن صحيح (٣) ﴿٢﴾
_________________
(١) انظر ص ٣٩٣ ج ١٣ فتح البارى (وسمى النبى ﷺ الصلاة عملا - التوحيد) وص ٧٣ ج ٢ نووى (الإيمان بالله افضل الأعمال) والسائل ابن مسعود كما فى رواية للشيخين. وتمام الحديث: وبر الوالدين ثم الجهاد فى سبيل الله. وكما يأتى رقم ١٣ ص ١٠
(٢) سورة النساء: عجز آية ١٠٣ وصدروها " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا ".
(٣) انظر رقم ٥ ص ٨٣ ج ٨ - الدين الخالص (دليل الزكاة).
[ ٢ / ٢ ]
(وقد فرضت) ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف.
(قال) أنس بن مالك ﵁: " فُرِضَتْ على النبى ﷺ ليلة أُسِرىَ به الصلاة خمسين، ثم نُقِصتْ حتى جُعِلتْ خمسا.
ثم نودِى يا محمد: إنه لا يُبدَّل القول لدىّ، وإن لك بهذا الخمس خمسين " أخرجه أحمد والنسائى والترمذى وقال حسن صحيح وهذا لفظه (١) ﴿٣﴾
أى أنها خمس فى العدد وخمسون فى الأجر: ﴿مَنْ جاَء بِالْحَسْنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمثَالِهاَ﴾ (٢)
(وحكمة مشروعيتها) القيام بشكر المنعم وتكفير الذنوب بأدائها.
(روى) أبو هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " أرأيتُم لو أنّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرات ما تقولون؟ هل يَبقى من دَرَنه؟ قالوا: لا يبقى من درَنه شئ، قال " فدّلك مثَلُ الصلوات الخمسِ يمحو الله بها الخطايا " أخرجه أحمد والشيخان (٣) ﴿٤﴾
والإجماع على أنّ المفروض منها خمس (قال) طلحة بن عُبيد الله: جاء رجل إلى النبى ﷺ من قِبَل نْجدٍ ثائرَ الرأس يسألُ عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: " خمسُ صلوات فى اليوم والليلة. قال: هل علّى غيرهنّ؟ قال لا، إلا أن تطوّع " (الحديث) أخرجه مالك وأحمد والشيخان. (٤)
_________________
(١) انظر ص ١٩٧ ج ٢ - الفتح الربانى. وص ٧٧ ج ١ مجتبى (فرض الصلاة) وص ١٨٦ ج ١ تحفة الأحوذى (كم فرض الله على عباده من الصلاة)
(٢) الأنعام: آية ١٦٠
(٣) انظر ص ٢٠٢ ج ٢ - الفتح الربانى، وص ٨ ج ٢ فتح البارى (الصلوات الخمس كفارة) وص ١٧٠ ج ٥ نووى (فضل المشى إلى الصلاة - المساجد).
(٤) انظر ص ٦٨ ج ١ - الفتح الربانى. ومن ٧٨ ج ١ فتح البارى (الزكاة من الإسلام - الإيمان) = وص ١٦٦ ج نووى (الصلوات الخمس أحد أركان الإسلام) وتطوع: بتشديد الطاء والواو، أصله تتطوع بتاءين أدغمت ثانيتهما فى الطاء، ويجوز تخفيف الطاء بحذف إحدى التاءين.
[ ٢ / ٣ ]
(وثمرة أدائها) سقوط الطلب والبعد عن المخالفات فى الدنيا، ونيل الثواب في العقبى، قال تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (١). (وعن أبى أُمامة) أن النبى ﷺ قال: "اتقوا الله ربكم وصلُّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وأدّوا زكاةَ أمواِلكم، وأطيعوا ذا أمْرِكم، تدخلوا جنة ربكم " أخرجه البيهقى والترمذى وقال حسن صحيح (٢) ﴿٦﴾
هذا. وقد اختلفوا فى صلاته ﷺ قبل الإسراء. فقال جماعة: إنّ النبى ﷺ لم يكن عليه الصلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أُمر به من صلاة الليل على نحو قيام رمضان من غير توقيت ولا تحديد ركعات معلومات. وكان ﷺ يقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفَه وثلثَه، وقام معه المسلمون نحوًا من حول حتى شقّ عليهم ذلك فأنزل الله التخفيف فى ذلك. فنسخه فضلا من رحمة. فلم يبق فى الصلاة فريضة إلا الخَمس. قال ابن عبد البر (وقال) ابن عباس ﵄ فى تفسيره: قم الليل يعنى قم الليل كله إلا قليلا منه، فاشتدّ ذلك على النبى ﷺ وعلى أصحابه، وقاموا الليل كله ولم يعرفوا ما حدّ القليل، فأنزل الله تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ فاشتدّ ذلك أيضًا عليهم وقاموا حتى انتفخت أَقدامهم. ففعلوا ذلك سنة فأنزل الله ناسختها فقال: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ يعنى قيام الليل من الثلث والنصف. وكان
_________________
(١) سورة العنكبوت: آية ٤٥
(٢) انظر ص ٤١٦ ج ١ تحفة الأحوذى (فضل الصلاة).
[ ٢ / ٤ ]
هذا قبل فرض الصلوات الخمس. فلما فرضت نسخت هذه كما نَسَخَت الزكاةُ كلَّ صدقة، وصومُ رمضان كلَّ صوم أهـ (١).
(وقال) الحربى: إنّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل الغروب وصلاة قبل طلوع الشمس (٢).
هذا. وقد فرضت الصلاة الرباعية أولا ركعتين ثم أربعًا (قالت) عائشة ﵂: " فُرِضَت الصلاة ركعتين ثم هاجر فُفرِضت أربعًا وتُرِكتْ صلاةُ السفر على الأولى " أخرجه البخارى وأحمد وزاد من طريق ابن كيسان إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا (٣). ﴿٧﴾
ويأتى تمامه فى مبحث (صلاة المسافر) إن شاء الله تعالى. ثم الكلام بعد ينحصر فى أربعة عشر بحثًا: