لبث الشيخ يدرس بالأزهر بعد نيله العالمية سبعا وثلاثين سنة من (١٣١٣ إلى ١٣٥٠ هـ) وما ترك الأزهر زهادة فيه، بل حال بينه وبين مواصلة جهاده فيه، إحالة مجلس الأزهر الأعلى له على التعاقد بجلسة يوم الخميس الخامس من جمادى الأولى سنة ١٣٥٠ هـ الموافق ١٧ من سبتمبر سنة ١٩٣١ م وإنها لجلسة صارخة روعت فداحتها العالم الإسلامي أجمع، إذ بلغ فيها عدد المحالين إلى المعاش والمفصولين من الأزهر والمعاهد الدينية سبعين عالما. كثير منهم فى مقتبل العمر، ونضرة الشباب، وبذا نكل المجلس بسبعين أسرة، وسامها سوء العذاب! ! وكان ذلك فى عهد حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد الأحمدى الظواهرى شيخ الأزهر ورئيس مجلسه الأعلى. وفى عهد رئيس الوزراء حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقى باشا.
ولا تحدثك نفسك أن الشيخ مال إلى الراحة بعد نصب وطول سهاد (١)
_________________
(١) (السهاد) بضم السين الارق. وبابه طرب.
[ المقدمة / ١٩ ]
كما مال غيره من المعمرين. بل ما زال عاكفا على العمل، فى داره بين مسجده الزاهر، ومكتبته العامرة، ومؤلفاته القيمة، وجمعيته الشرعية الميمونة، وتلامذته العديدين الوافدين إليه يغترفون من منهله العذاب، ويحيطون به إحاطة الهالة بالقمر فى مجلسه الخاص بعد عصر كل يوم، ويعلوهم جميعا حياء وأدب جم من هيبة الشيخ وجلاله. وما يمنعهم حياؤهم السؤال عن مهمة دينية أو دنيوية. ومن جلس منهم لا يفك حبوته إلا مؤذن المغرب، يدعوه إلى الوقوف بين يدى الحى القيوم! !