على العاقل أن يعلم أن جميع أئمة المسلمين على هدى من ربهم، ولا هم لأحدهم إلا الوصول إلى الحق الصحيح، وبيانه بالدليل الصريح، وإرشاد الناس إليه وحثهم على التمسك به والاعتصام بحبله. وتنفيرهم من البدع التى حذر منها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه العرباض بن سارية رضى الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم. أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون. ووجلت منها القلوب. فقال قائل يا رسول الله: كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان عبدا حبشيا، فانه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا
[ ١ / ٤ ]
كثيرًا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الأمور، فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه والدرامى والترمذى وقال: حسن صحيح (١) ﴿٣﴾.
وما إلى ذلك من الأحاديث الصحيحة الواردة في ذم البدع وأنها ضلالة " فمن " زعم أن بعض البدع في العبادة قد تكون حسنة " فقد أخطأ " وذلك أنه ﷺ أخبر أن كل بدعة ضلالة ولفظ " كل " موضوع للأفراد. فمعنى الحديث: أن كل فرد من أفراد البدع ضلالة. وموضوعه العبادة كما علمت " ومن أدعى " أن الحديث دخله التخصيص بحديث " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ " أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه عن جرير بن عبد الله (٢) ﴿٤﴾.
" فدعواه " باطلة لأن الحديث إنما ورد في الحث على مكارم الأخلاق العادية التى بها ارتباط القلوب واتفاق الكلمة والقضاء على أسباب التباغض والنفور،
_________________
(١) ص ١٨٨ ج ١ - الفتح الربانى. وص ١٠ و١١ ج ١ سنن ابن ماجه (اتباع سنة الخلفاء الراشدين) وص ٩٧ ج ١ مستدرك (كل محدثة بدعة.) وص ٤٤ ج ١ سنن الدرامى (اتباع السنة) وص ٢٤ ج ١ تيسير الوصول (الاستمساك بالكتاب والسنة).
(٢) ص ٣٥٧ ج ٤ مسند أحمد. وص ٢٢٦ ج ١٦ نووى مسلم (العلم) وص ٤٦ ج ١ - سنن ابن ماجه (من سن سنة حسنة أو سيئة).
[ ١ / ٥ ]
وأيضا فان الاستنان فيه ليس المراد به الاختراع. وإنما المراد به العمل بما ثبت بالكتاب والسنة النبوية. وذلك لأن سبب الحديث هو الحث على الصدقة المشروعة. فقد قال جرير بن عبد الله: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابى النمار متقلدى السيوف عامتهم بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة) الآية، والآية التى في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما تقدمت لغد) تصدق رجل من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره، حتى قال ولو بشق تمرة. فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفة تعجز عنها بل عجزت. ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم: من سن في الإسلام (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (١) ﴿٥﴾. (قال) الشاطبى: فتأملوا أين قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من سن سنة حسنة؟ تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه حتى أتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى قال " من سن في الإسلام " الحديث.
فدل
_________________
(١) ص ٣٥٨ ج ٤ مسند أحمد، وص ١٠٢ ج ٧ نووى مسلم (الحث على الصدقة) وص ٢٥٠ ج ٢ تيسير الوصول. و(مجتابى) أى لابيى (النمار) جمع نمرة بفتح فكسر وهى كساء من صوف مخطط. و(كومين ٩ بفتح الكاف وضمها: أى صبرتين من طعام. و(مذهبه) كمرسلة: أى مستنيرة صافية.
[ ١ / ٦ ]
على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابى. وهو العمل بما ثبت كونه سنة (١).
(وأما) البدعة التى قسموها إلى حسنة وغيرها فهى اللغوية (ومن المعلوم) أن البدع ليست من الدين، فكيف يتقرب بها إلى الله ﷿. وهل يصح من عاقل أن يعبد الله تعالى بغير ما شرع؟ وأن سنة النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم هى فعله وقوله وتقريره. وأن ما ترك مع قيام المقتضى فرتكه سنة وفعله بدعة. كالأولى والثانية يوم الجمعة تركهما النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع قيام المقتضى وهو التشريع. فتركهما سنة (وكذا) الترقية بين يدى الخطيب ورفع الصوت حال السير مع الجنازة وسائر البدع في العبادة. وتركها مطلوب شرعا لأنها ضلالة يجب البعد عنها ٠ (وقد) أجمعوا على أن كل بدعة حدثت رفع مثلها من السنة، لحديث غضيف بن الحارث أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة " أخرجه أحمد بسند جيد (٢) ﴿٦﴾.
(وقال) عبد الله بن الديلمى " بلغنى أن أول ذهاب الدين ترك السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة " أخرجه الدارمى (٣) ﴿١﴾.
(فالمطلوب) ممن يريد حفظ دينه من الضياع وسلامة عقيدته من الفساد، ألا يركن إلى أى كتاب ادعي صاحبه استحسان أي بدعه في العبادة أو مال إلى
_________________
(١) ص ٢٣٩ ج ١ - الاعتصام (ليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع).
(٢) ص ١٩٤ ج ١ - الفتح الربانى (التحذير من الابتداع في الدين).
(٣) ص ٤٥ ج ١ سنن الدرامى (اتباع السنة).
[ ١ / ٧ ]
عقيدة فاسدة، وإلا ضل وخاب، وغرق في غياهب التباب. هذا، والمعلوم أن الدين هو ما أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وأنه مأمور بتبليغه من غير تغيير ولا زيادة ولا نقص قال الله تعالى " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى " (٣) " إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى " (٤) النجم. وقال: " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ " (٦٧) المائدة. وقال: " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرَ " (١١٢) هود. وقال " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ " (١٢) آل عمران. وقال: " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ " (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ" (٤٧) الحاقة (١) وما إلى ذلك من الآيات الناطقة بأنه لا مشرع إلا الله تعالى. (ولو أدرك) المتعرضون للتأليف ذلك ما قالوا بتحسين أى بدعة سيما وأن كل بدعة مردودة بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه الشيخان وأبو داود عن عائشة. وفى رواية لمسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) " ﴿٧﴾.
(ولو عقلوا) أن الأحكام لا تثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة (ما أثبتوا) شيئا من هذه المخالفات فى كتبهم. (وإذا) كانت البدع ليست من الدين فما الدليل على حسنها؟ (وهل) الدين كان ناقصا فكمل بالبدع التى ليست منه؟ ألم يبلغهم قول الله ﷿: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
_________________
(١) أى لو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلنا هـ كما يفعل الملوك بمن يكذب عليهم، أو المعنى انتقمنا منه بالحق، فليمين على هذا بمعنى الحق كقوله تعالى (انكم كنتم تأتوننا عن اليمين) أى من قبل الحق. والوتين، عرق بالقلب يتصل بالرأس إذا انقطع مات صاحبه.
(٢) ص ٢٥ ج ١ تسير الوصول (الاستمساك بالكتاب والسنة).
[ ١ / ٨ ]
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (٣) المائدة (١)؟ أم بلغهم ولم يفقهوه؟ أم أعتقدوا أن الدين الذى شرعه الله ﷾ كامل ولكن البدع أكمل منه؟ فلذا تركوا العمل بالكثير منه وعكفوا على العمل ببدعهم، وغفلوا عن قول بن مسعود ﵁ " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " أخرجه الطبرانى فى الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٣﴾.