بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه (أما بعد) فهذه قطرة من بحر، للتعريف بالشيخ الإمام.
المؤلف - هو الفقيه المحدث المفسر الثقة الثبت ناصر السنة وقامع البدعة، المرشد الإمام الكبير أبو محمد محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكى.
مولده - ولد الشيخ الإمام ببلدة سبك الأحد من قرى مركز أشمون بمحافظة المنوفية، فى يوم الخميس التاسع عشر من شهر ذى القعدة عام أربع وسبعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية (١٢٧٤ هـ) أول يوليو ١٨٥٨ م.
نشأته - نشأ الشيخ الإمام بين أبوين طاهرين كريمين تعهداه بحسن التربية، وغرس فيه والده منذ نعومة أظفاره روح السخاء والشجاعة والسؤدد وعلو الهمة وتلك مكارم أخلاق تحلى بها هذا الوالد العظيم، وقد كان سيدا فى قومه ذا بسطة فى الرزق والجسم محببا بين عشيرته وعارفى فضله ونبله.
ولقد أنجب والد المؤلف ستة ذكور كل اثنين من سيدة فضلى، فكان يبعث واحدا للتعليم الأولى ثم تلقى العلم بالأزهر المعمور، ويبقى الآخر يعمل معه فى مزرعته الفسيحة الخصبة، ويعاونه على أعماله الأخرى. وكان من حظ المؤلف أن يبقى بجانب والده فى بحبوحة العز وعظيم الجاه، ولكن غير خامل ولا كسل، بل تراه فى حداثة سنة يكل إليه والده رعاية غنمه ليقظته النادرة وعزيمته الوثابة، وحسن سياسته وكياسته فكان خير حارس لها، وخير قائم على أمرها. ثم عهد إليه مراعاة خيل كان يملكها لما رآه شجاعا رابط الجأش " قوى القلب " فساس الجموح منها مرة بالشدة، وآونه باللين فاستحال ذلولا منقادا.
وهل أحدثك عن آثار شجاعة المؤلف وهمته " وهو حدث (١) مراهق " حتى
_________________
(١) (حدث) بفتحتين أى شاب.
[ المقدمة / ٢ ]
يتجلى لك أن عناية الله تعالى كانت تحوطه وترعاه من بدايته. كان لوالد الشيخ الإمام حديقة واسعة الأرجاء. مساحتها ستة أفدنه أو تزيد، عدت عليها عوادى الدهر، واستلبت ثمارها أيدى الناهبين فشوهت جمالها، وأذهبت بهجتها، فما كان من هذا الوليد الفتى وهو رابط الجأش شجاع، له نفس أبيه تعاف الضيم، ما خالطها خور (١) العزيمة ولا جبن النذلاء (٢) كان لزاما عليه أن ينهض بتلك الحديقة يغرس أشجارها ويصلح أرضها، ويروى أزهارها ويشذب غصونها (٣) فإذا جن الليل واختلط، تعهدها بالحراسة غير مستسلم إلى الكرى " النوم " الذى لم يغمض له جفنا.
شاء الله تعالى أن تصبح الحديقة روضة أريضة (٤)، يانعة الثمر وارفة الظل (٥) دانيه القطوف " تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها " وتجود بأطيب الثمرات.
وحذق المؤلف غير هذا. النجارة والحياكة وفن البناء، وهو زراع ماهر صائد لا يخطئ الرماية، يصيب الطائر السريع سابحا فى جو السماء فيخر صريعا وفى الليل البهيم يصيد طيورا معتمدا على سماع صوتها.