هو جسم لطيف سيال يتلون بلون إنائه (وهو قسمان) ما تصح به الطهارة وما لا تصح
(أ) فتصح بالماء الطاهر المطهر قليلا أو كثرا مستعملا أو غير مستعمل، عذبا أو ملحا، ماء آبار أو عيون أو مطر أو ندى لا يخرجه عن الطهورية إلا ما غير ريحه أو طعمه أو لونه من نجس يحل فيه. (لحديث) ابى سعيد الخدرى قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الماء طهور لا سنجسه شئ. اخرجه الشافعى وأحمد والثلاثة والحاكم وصححه وحسنه الترمذى (١) [٣].
_________________
(١) انظر ص ٢٠ ج ١ بدائع المنن، وص ٢١٤ ج ١ - الفتح الربانى ولفظه: إن الماء. وص ٢٩٠ ج ٢ تيسير الوصول (أحكام المياه) و(بضاعة) بتثليث الموحدة، والمحفوظ الضم وبالضاد المعجمة. وحكى بالصاد المهملة. و(الحيض) بكسر الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية- الخرق التى يمسح بها دم الحيض (والنتن) بفتح فسكون. او بفتحتين- ماله رائحة كريهة. و(طهور) بفتح الطاء المهملة. أى طاهر فى نفسه مطهر لغيره.
[ ١ / ١٥٧ ]
(وعن) أبى أمامة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أن الماء طهور إلا أن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه "أخرجه البيهقى (١) [٤].
وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة، لكن أجمع العلماء على مضمونها. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس (٢).
فالاحتجاج على نجاسة المتغير بالإجماع لا بتلك الزيادة (٣) (ومعلوم) أن الإجماع حجة ودليل من أدلة الشريعة المطهرة، وإن لم يظهر لنا مأخذه، لأنه لا ينعقد إلا عن دليل كما هو مقرر. فلا ينجس الماء بما لا قاه من النجاسة ولو كان قليلا إلا إذا تغير (وبه) قال ابن عباس وأبو هريرة والحسن البصرى وابن المسيب والثورى وداود الظاهرى والنخعى ومالك والغزالى وهو الراجح (وقال) أكثر الشافعية والحنفية وأحمد وإسحاق: ينجس القليل بما لاقاه من النجاسة وإن لم تتغر أوصافه، إذ تستعمل النجاسة باستعماله، ولحديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده " أخرجه الشافعى وأمد ومسلم والأربعة (٤) [٥].
_________________
(١) انظر ص ٢٦٠ ج ١ سنن البيهقى (نجاسة الماء الكثير إذا غيرته النجاسة).
(٢) انظر ص ٢٣٧ ج ١ - المنهل العذب المورود (باب ما جاء فى بئر بضاعة).
(٣) لم يحتج بهذه الزيادة الجمهور وإن تعددت طرقها لأنها شديدة الضعف جدا ومعظم رجالها متروك. ومن العلماء من قال: أنها تعتض وتأخذ قوة فتصير من قبيل الحسن لغيره- وبذا تقوى وتصلح للاحتجاج بها فتكون دليل الاجماع.
(٤) ص ١٧ ج ١ بدائع المنن. وص ٢٣ ج ٢ - الفتح الربانى. وص ١٧٨ ج ٣ نووى مسلم (كراهة غمس اليد المشكوك فى نجاستها فى الماء) وص ٨٠ ج ١ - ابن ماجه وص ٣٣٢ ج ١ - المنهل العذب (الرجل يدخل يده فى الاناء قبل غسلها) وص ٤ ج ١ مجتبى (الطهارة) وص ٣٦ ج ١ تحفة الأحوذى.
[ ١ / ١٥٨ ]
(وحديث) ابى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " إذا ولغ الكلب فى الاناء فاغسلوه سبع مرات، السابعة بالتراب " أخرجه أبو داود وابن ماجه (١) [٦].
(وعنه) أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغسل فيه "
أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه والنسائى (٢) [٧].
(وحديث) ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا ان الماء قلتين لم يجعل الخبث" أخرجه الشافعى وأحمد والأربعة والبيهقى (٣) [٨].
(قالوا) فحديث " الماء طهور لا ينجسه شئ" فخصص بهذه الأدلة (واختلفوا) فى حد القليل الذى يجب اجتنابه عند وقوع النجاسة فيه (فقال) الحنفيون: ما ظن استعمال النجاسة باستعماله (وقال) الشافعى وأحمد: ما كان دون القلتين على اختلاف فى قدرهما (وأجاب) القائلون بأن القليل لا يتنجس بملاقاة النجاسة
_________________
(١) انظر ص ٢٦٠ ج ١ - المنهل العذب (الوضوء بسؤر الكلب) وص ٧٦ ج ١ ابن ماجه (غسل الاناء من ولوغ الكلب).
(٢) انظر ص ٢٤٠ ج ١ فتح البارى (البول فى الماء الدائم) وص ١٨٧ ج ٣ نووى مسلم (البول فى الماء الراكد) وص ٢٤٣ ج ١ - المنهل العذب. وص ٧٣ ج ١ - ابن ماجه. (النهى عن البول فى الماء الراكد).
(٣) انظر ص ١٩ ج ١ بدائع المنن (أحكام المياه ..) وص ٢١٦ ج ١ - الفتح الربانى وص ٢٢٣ ج ١ - المنهل العذب. (ما ينجس الماء) وص ٦٣ ج ١ مجتبى. وص ٧ ج ١ تحفة الأحوذى. وص ٩٦ ج ١ - ابن ماجه (مقدار الماء الذى لا ينجس).
[ ١ / ١٥٩ ]
إلا أن تغير (١) بأن ما استدلوا به ليس صريحا فى مدعاهم. (٢) أو أنه محمول على ما إذا تغير أحد أوصاف الماء جمعا بين الأدلة (٣) وبأن الظن لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص وايضا جعل ظن الاستعمال مناطا يستلزم استواء القليل والكثير. (٤) وبأن حديث القلتين مضطرب الإسناد والمتن. وعلى تسليم صحته فلا معارضة بينه وبين حديث " الماء طهور لا ينجسه شئ" لأن ما بلغ مقدار القلتين فصاعدا لا يحمل الخبث ولا ينجس بملاقاة النجاسة إلا أن تغير أحد أوصافه، فيتنجس بالاجماع فيخص به حديث القلتين، وحديث لا ينجسه شئ. وأما ما دون القلتين (فإن) تغير خرج عن الطهارة بالاجماع لمفهوم حديث القلتين فيخص بذلك عموم حديث لا ينجسه شئ (وإن) لم يتغير بنجاسة وقعت فيه (فحديث) لا ينجسه شئ، يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة لمجرد ملاقاة النجاسة (وحديث) القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها. والمنطوق مقدم على المفهوم.
(ومما) يدل على جواز التطهير بماء البحر الملح قول أبى هريرة: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا، افنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " أخرجه مالك وأحمد والأربعة، وقال الترمذى: حسن صحيح (١) [٩].
(ويدل) على جواز التطهير بماء الثلج والبرد حديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول فى دعائه " اللهم اغسل خطاياى بماء الثلج والبرد،
_________________
(١) انظر ص ٢٩٠ ج ٢ تيسير الوصول (أحكام المياه). وص ٢١ ج ١ - الفتح الربانى. وص ٧٩ ج ١ - ابن ماجه (الوضوء بماء البحر).
[ ١ / ١٦٠ ]
ونق قلبى من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس " أخرجه النسائى (١) [١٠].
(ووجه) الدلالة أنه من باب التشبيه، فدل على أن المشبه به طهارة شرعية حاصلة بماء الثلج والبرد.
ب- (ويجوز) التطهير بفضل طهارة المرأة أو الرجل، لقول عائشة ﵂: كنت أغتسل أنا والنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد، من قدح يقال له الفق. أخرجه الشيخان (٢) [١١].
(وعن) عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان الرجال والنساء يغتسلون على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد. أخرجه مالك والبخارى وأبو داود والنسائى (٣) [١٢].
(وعن) ميمونة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من اناء واحد من الجنابة. أخرجه الترمذى وقال: حسن صحيح. وهو قول عامة الفقهاء أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من اناء واحد (٤) [١٣].
(وعن) ابن عباس ﵄ قال: اغتسل بعض أزواج النبى صلى الله
_________________
(١) انظر ص ٦٣ ج ١ مجتبى (الوضوء بماء الثلج).
(٢) انظر ص ٢٥٢ ج ١ فتح البارى (غسل الرجل مع امرأته) وص ٤ ج ٤ نووى مسلم. و(الفرق) بفتح الراء ثلاثة آصع ووزنة من البر نحو ستة عشر رطلا.
(٣) انظر ص ٢٩٢ ج ٢ تيسير الوصول (أحكام المياه).
(٤) انظر ص ٦٤ ج ١ تحفة الأحوذى (وضوء الرجل والمرأة من اناء واحد)
[ ١ / ١٦١ ]
عليه وعلى آله وسلم فى جفنة فأراد رسول الله ﵌ أن يتوضأ منه. فقالت: يا رسول الله، انى كنت جنبا. قال: " ان الماء لا يجنب ". أخرجه أحمد والثلاثة. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وهو قول سفيان الثورى ومالك والشافعى (١) [١٤].
وكره بعض الفقهاء الوضوء بفضل طهور المرأة. وهو قول أحمد واسحاق.
واستدلا بحديث الحكم بن عمرو الغفارى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى وزاد: أو قال بسؤرها، وحسنه (٢) [١٥].
ولكن فيه مقال. وعلى فرض حسنة خ، فالحسن لا يعارض الأحاديث الصحيحة السابقة. وعلى فرض المساواة يحمل النهى على التنزيه (وبذا) تزداد علما بجواز التطهير بماء البرك ونحوها بالطريق الأولى.
(فائدة) لم يقم دليل على طلب نية الاغتراف اذا كان الوضوء أو الغسل من اناء مفتوح خلافا لمن زعم ذلك وقال: ان لم ينو الاغتراف أو الغسل وبعد غسل الوجه فى الوضوء، صار الماء مستعملا لا يتطهر به (بل يدل) على عدم طلبها حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أنه قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى له وسلم، فدعا باناء فأكفأ منه على يديه ثلاثا
_________________
(١) انظر ص ٢١١ ج ١ - الفتح الربانى. وص ٢٤٠ ج ١ - المنهل العذب (الماء لا يجنب) وص ٦٢ ج ١ مجتبى (المياه). د ص ٦٥ ج ١ تحفة الاحوذى. و(الجفنة) بفتح فسكون، القصعة الكبيرة.
(٢) انظر ص ٢٧٣ ج ١ - المنهل العذب (النهى عن ذلك) أى عن تطهر الرجل بفضل طهور المرأة والعكس. وص ٧٨ ج ١ - ابن ماجه. وص ٦٥ ج ١ تحفة الأحوذى (كراهية فضل طهور المرأة).
[ ١ / ١٦٢ ]
فغسلهما، ثم أدخل يده واستخرجها غمضمض واستشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثا. ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا. ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه الى المرفقين مرتين مرتين. ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر. ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه الشيخان وأحمد، وهذا لفظه (١). [١٦].
(فترى) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كرر الاغتراف من الإناء، فأتم وضوءه. وكذلك أصحابه ﵃. ولم ينقل عنهم أن إدخال اليد فى الإناء بلا نية اغتراف يصيره مستعملا لا يصح التطهير به، لما تقدم أن الماء لا ينجسه شئ، ولا تسلب طهورته إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة.
جـ- (ويصح) التطهير بالماء المستعمل فى طهارة بلا كراهة عند الظاهرية لأنه يصدق عليه اسم الماء المطلق. (وقالت) المالكية: يكره التطهر به عند وجود غيره، ولم يضف إليه ماء مطلق لضعفه باستعماله فى الطهارة الأولى. ولا يجوز التيمم مع وجوده. أما إذا لم يوجد غيره أو أضيف إليه ماء مطلق فلا يكره التطهر به (وقال) أبو حنيفة والشافعى: لا تجوز الطهارة به على كل حال لأنه لا يتناوله اسم الماء المطلق (وشذ) أبو يوسف فقال: إنه نجس.
(والحق) أن الماء المستعمل طاهر مطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور. وهو مذهب جماعة من السلف والخلف.
_________________
(١) انظر ص ٢٠٣ ج ١ فتح البارى (مسح الرأس كله) وص ١٢١ ج ٣ نووى مسلم (صفة الوضوء) وص ٤ ج ٢ - الفتح الربانى.
[ ١ / ١٦٣ ]
د - ولا تصح الطهارة بما تغير بطاهر كماء الورد والزعفران والصابون والأشنان (١)، فهو طاهر غير مطهر عند الأئمة الثلاثة، لزوال اسم الماء المطلق عنه. (وقال) الحنفيون: انه طاهر مطهر وان تغير بعض أوصافه ما دام باقيا على رقته وسيلانه، لقول عائشة رضى الله قعنها: كان النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب فيجتزئ بذلك ولا يصب عليه الماء أخرجه أبو داود والبيقهى بسند حسن (٢) [١٧].
ومعناه أنه كان يكتفى بالماء الذى يزيل به الخطمى، ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فيمن سقط عن راحلته فمات - " اغسلوه بماء وسدر ". أخرجه السبعة من حديث ابن عباس (٣) [١٨].
والميت لا يغسل الا بما يصح التطهير به للحى. أما ما تغيرت كل أوصافه أو خرج عن رقته وسيلانه، فلا يصح التطهير به اتفاقا.