هو متفق على نجاسته ومختلف فيها. فالمتفق على نجاسته عشرة أنواع: -
١ - الدم المسفوح- هو من الحيوان البري نجس عند الأئمة الأربعة لا فرق بين قليله وكثيره، لقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى الى محرمًا على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دمًا مسفوحًا او لحم خنزير فإنه رجس) صدر آية ١٤٥ - الانعام- والرجس النجس. والضمير في قوله (فإنه رجس) راجع إلى كل ما تقدم في الآية.
٢ - لحم الخنزير- أجمع العلماء على نجاسته، لقوله تعالى (فإنه رجس) أي نجس.
٣ و٤ - غائط الإنسان وبوله- اتفق العلماء على نجاسة غائط الآدمي وبوله غير الأنبياء وغير بول الصبي الرضيع الذي لم يتناول الطعام للأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك بل نجاستهما من باب الضرورة الدينية، ولا يقدح في ذلك التخفيف في تطهيرهما في بعض الأحوال. (أ) أما في الغائط فكما في حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا وطئ أحدكم الأذى بنعله أو خفيه فظهورهما التراب .. أخرجه الطحاوي والحاكم وصححه (١) ﴿٣٩٣﴾.
_________________
(١) انظر ص ٣١ ج ١ شرح معاني الاثار .. وص ١٦٦ ج ١ مستدرك.
[ ١ / ٤١١ ]
فإن جعل التراب مع المسح مطهر، لا يخرجه عن كونه نجسًا بالضرورة، إذ اختلاف وجه التطهير لا يخرج النجس عن كونه نجسًا. (ب) وأما التخفيف في تطهير البول، فكما في حديث أبى هريرة قال: بال أعرابي في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﵌: دعوه وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء (الحديث) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي (١) ﴿٣٩٤﴾.
(فائدة) فضلات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ودماؤهم طاهرة قبل النبوة وبعدها تشريفًا لمقامهم (روي) أبو مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن ام ايمن قالت: قام النبي ﵌ من الليل إلى فخارة له في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشي فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي ﵌ قال: يا أم أيمن قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة. قلت قد والله شربت ما فيها. فضحك ﵌ حتى بدت نواجذه. ثم قال: أما انك لا يفجع بطنك بعده أبدًا. أخرجه الدارقطني والطبراني والحاكم. وأبو مالك ضعيف. ونبيح لم يدرك أم أيمن (٢) ﴿٣٩٥﴾.
(وعن) عبد الله بن الزبير أنه أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد،
_________________
(١) انظر ص ٢٢٤ ج ١ فتح الباري (صب الماء على البول في المسجد). وص ٢٥٥ ج ٣ - المنهل العذب (الارض يصيبها البول). و(السجل) بفتح فسكون، الدلو العظيمة.
(٢) انظر ص ٢٧١ ج ٨ مجمع الزوائد (باب منه) في الخصائص. وص ٦٣ ج ٤ مستدرك (ذكر ام ايمن). و(يفجع) بالفاء والجيم مبني للمفعول من الفجع، وهو الوجع.
[ ١ / ٤١٢ ]
قال: فلما برزت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت الى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما صنعت يا عبد الله؟ قلت جعلته في مكان ظننته أنه خاف على الناس. قال: فلعلك شربته؟ قلت: نعم. قال: ومن أمرك أن تشرب الدم، ويل لك من الناس، وويل للناس منك. أخرجه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل (١) ﴿٣٩٦﴾ وقال أبو عاصم: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم (٢).
٥ و٦ - روث وبول غير الآدمي- اتفق العلماء على نجاسة روث وبول ما لا يؤكل لحمه (لحديث) ابن مسعود ﵁ قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها ركس. أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي. وفي رواية: إنها روثة حمار (٣) ﴿٣٩٧﴾.
٧ - الودي - بفتح فسكون، وهو ماء ابيض ثخين يخرج بعد البول. وهو نجس من كل حيوان عند الأئمة الثلاثة، وكذا عند الحنبلية من غير مأكول اللحم، أما من مأكوله فطاهر كبوله وروثه.
وخروجه موجب للوضوء دون الغسل اتفاقًا (قال) ابن عباس: المني والودي والمذي. أما المني ففيه الغسل.
_________________
(١) انظر ص ٢٧٠ ج ٨ مجمع الزوائد (باب منه). و(حسوته) أي شربته.
(٢) انظر ص ٧٠ ج ٤ - الاصابة في تمييز الصحابة.
(٣) انظر ص ٢٧٩ ج ١ - الفتح الرباني. وص ٣٠٢ ج ٢ تيسير الوصول (ما يستنجي به) والركس النجس.
[ ١ / ٤١٣ ]
وأما المذي والودي ففيهما إسباغ الطهور. أخرجه الأثرم (١) ﴿٤٩﴾.
٨ - المذي - بفتح الميم واسكان الذال المعجمة. وبفتح الميم مع كسر الذال وتشديد الياء. وبكسر الذال مع تخفيف الياء، ماء رقيق أبيض لزج يخرج من القبل عند ملاعبة من تشتهي، او عند تذكر الجماع وإرادته، وقد لا يشعر بخروجه ويكون من الرجل والمرأة، ومن المرأة أكثر. وهو من الآدمي وما لا يؤكل لحمه نجس باتفاق العلماء (٢) (لقول) سهل بن حنيف: كنت ألقى من المذي شدة وعناء وكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. فقلت: يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح بها ثوبك حيث ترى أنه أصاب. أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح (٣) ﴿٣٩٨﴾.
(وعن) علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلًا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء. أخرجه الشيخان. ولمسلم "يغسل ذكره ويتوضأ" ولأحمد وأبي داود "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ" (٤) ﴿٣٩٩﴾.
_________________
(١) انظر ص ١٦٦ ج ١ مغنى ابن قدامة (نواقض الوضوء) وتقدم نحوه أثر ٢١ صـ ٢٦١.
(٢) وكذا من مأكول اللحم خلافًا لأحمد، فانه قال بطهارته منه كبوله وروثه.
(٣) انظر ص ٣١٥ ج ٢ تيسير الوصول (المذي). وص ٩٤ ج ١ - ابن ماجه (لوضوء من المذي). و(ترى) بضم التاء أي تظن.
(٤) انظر ص ٣١٤ ج ٢ تيسير الوصول (المذي). وتقدم نحوه رقم ٢٢٤ ص ٢٦٢ (نواقض الوضوء).
[ ١ / ٤١٤ ]
(وفي) الحديثين دلالة على أن المذي لا يوجب الغسل وهو مجمع عليه. (وقد) اختلف العلماء في المذي إذا أصاب الثوب (فقال) الشافعي واسحاق: لا يجزيه الا الغسل أخذًا برواية النضح مرادًا به الغسل. ولكن في رواية الأثرم: يجزئك أن تأخذ حفنة من ماء فترش عليه فيكفي فيه الرش، وإن كان الغسل أولى وأحوط على أن رواية الغسل إنما هي في الفرج لا في الثوب الذي هو محل النزاع. ولم يعارض رواية النضح المذكورة معارض فالاكتفاء به صحيح مجزيء (وفي) رواية أحمد وأبي داود لحديث على دلالة على وجوب غسل كل الذكر والانثيين على المذي. وبه قال الاوزاعي. وهو رواية عن أحمد (وقالت) المالكية: يجب غسل الذكر كله أخذًا بظاهر قوله في رواية علي: يغسل ذكره ويتوضأ فإن الذكر اسم للعضو كله (وهل) غسل كل الذكر معقول المعنى او هو حكم تعبدي؟ وعلى الثاني تجب النية. وقيل: أمر بغسله لينكمش الذكر فلا يخرج المذي (وقال) الحنفيون والشافعي والجمهور: الواجب غسل المحل الذي أصابه المذي من البدن. ولا يجب تعميم الذكر والانثيين بالغسل، وروي عن أحمد لقوله في حديث سهل: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. (ولقول) سعيد بن جبير: إذا أمذى الرجل غسل الحشفة وتوضأ وضوءه للصلاة. أخرجه الطحاوي (١) ﴿٥٠﴾.
٩ - لحم مالا يحل أكله من الحيوان- ذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم الى ان لحم الحيوان الذي لا يؤكل نجس ولو ذكي ذكاة شرعية وهو الأصح عند الحنفيين (لحديث) سلمة بن الأكوع قال: لما أمسى اليوم الذي فتحت عليهم فيه خيبر أوقدوا نيرانًا كثيرة. فقال رسول الله صلى الله
_________________
(١) انظر ص ٢٩ ج ١ شرح معاني الآثار (المذي).
[ ١ / ٤١٥ ]
عليه وعلى آله وسلم: ما هذه النار؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم. قال: على أي لحم؟ قالوا: على لحم الحمر الإنسية. فقال: أهريقوها واكسروها فقال رجل: يا رسول الله او نهريقها ونغسلها؟ فقال: أو ذاك. أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿٤٠٠﴾.
(وعن) أنس قال: أصبنا من لحم الحمر يعني يوم خيبر، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس او نجس. أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه (٢) ﴿٤٠١﴾.
(وفيهما) دلالة على تحربم الحمر الأهلية، لأن الأمر بكسر الآنية "أولًا" ثم بالغسل "ثانيًا" ثم قوله فإنها رجس او نجس "ثالثًا" يدل على النجاسة، ولكنه نص في الحمر الإنسية وقياس في غيرها مما لا يؤكل بجامع عدم الأكل.
١٠ - ما فصل من حي- هو كميتته، ولذا اتفقوا أن "ما فصل" من آدمي حي "طاهر" وأن ما فصل من حيوان آخر حي نجس (لحديث) أبي واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة. أخرجه أحمد والحاكم وأبو داود والترمذي وقال: حديث غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه والعمل على هذا عند أهل العلم (٣) ﴿٤٠٢﴾.
_________________
(١) انظر ص ٤٨ ج ٤ مسند احمد. وص ٣٢٧ ج ٧ فتح الباري (غزو خيبر) وص ٩٣ ج ١٣ نووي مسلم (تحريم أكل لحم الحمر الانسية- الصيد). و(اهريقوها) أي أريقوها والهاء زائدة. (او ذاك) أي او الغسل.
(٢) انظر ص ٨٠ ج ١٧ - الفتح الرباني. وص ٣٢٨ ج ٧ فتح الباري (غزوة خيبر). وص ٩٤ ج ١٣ نووي مسلم (تحريم أكل الحمر الانسية).
(٣) انظر ص ٢١٨ ج ٥ مسند أحمد. وص ٣٤٦ ج ٢ تحفة الاحوذي (ما قطع من الحي فهو ميت).
[ ١ / ٤١٦ ]
والميتة نجسة لقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى الى محرمًا على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دمًا مسفوحًا او لحم خنزير فإنه رجس) (أول آية ١٤٥ - الأنعام). والرجس: النجس.
(واستثنى) من الميتة ميتة السمك والجراد، فإنها طاهرة (لحديث) ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أحل لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال". أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي (١) ﴿٤٠٣﴾.
"وهو" وإن كان في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف "يقويه" حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال - حين سئل عن التوضؤ بما البحر - هو الطهور ماؤه الحل ميتتة. أخرجه مالك وأحمد والثلاثة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢) ﴿٤٠٤﴾.
(الثاني) ما اختلف في نجاسته - وهو سبعة عشر نوعًا.
(١، ٢) - بول وروث ما يحل أكل لحمه - (قال) أحمد ومحمد بن الحسن وزفر من الحنفيين وابن المنذر والاصطخري والروياني من الشافية: بول وروث ما يؤكل لحمه طاهران (لقول) أنس ﵁: قدم أناس من عكل او عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان (٣) ﴿٤٠٥﴾.
_________________
(١) انظر ص ٤٢٥ ج ٢ بدائع المنن (السمك والجراد- الاطعمة) وص ٢٥٥ ج ١ - الفتح الرباني. وص ١٦٣ ج ٢ - ابن ماجه (الكبد والطحال).
(٢) انظر ص ٢٩٠ ج ٢ تيسير الوصول (أحكام المياه) وص ٢٠١ ج ١ - الفتح الرباني.
(٣) انظر ص ٢٤٦ ج ١ الفتح الرباني وص ٢٣٣ ج ١ فتح الباري (أبوال الابل والدواب "عكل" بضم فسكون، وعرينه، بالتصغير، قبيلتان. و(اجتووا) أي اصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف اذا تطاول، اذ لم يوافقهم هواؤها. و(لقاح) جمع لقحة بكسر اللام وسكون القاف، وهي الناقة ذات اللبن.
[ ١ / ٤١٧ ]
"ولا يقال" هذا لا يدل على طهارة أبوالها، لأن الحالة حالة ضرورة كالمضطر يأكل الميتة "لأنه" لو كان كذلك، لأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بغسل أيديهم وأفواههم وما أصابهم منها عند إرادة الصلاة ونحوها. وأيضًا لو كانت أبوال الابل نجسة، لما أمرهم ﷺ بالتداوي بها (فقد) روي وائل بن حجر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود (١) ﴿٤٠٦﴾ وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن وائل أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن التداوي بالخمر فنهاه وقال أنه ليس بدواء ولكنه داء (٢) ﴿٤٠٧﴾.
فإنه وإن وقع جوابًا لمن سأل عن التداوي بالخمر، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (وعن) ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن في أبوال الابل شفاء للذربة بطونهم" أخرجه ابن المنذر (٣) ﴿٤٠٨﴾.
وقال: من زعم أن هذا خاص بأولئك الاقوام لم يصب، إذ الخصائص لا تثبت الا بدليل (٤) وما ورد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الصلاة
_________________
(١) انظر ص ٦٠ ج ١ نيل الاوطار (الرخصة في بول ما يؤكل لحمه) وانظر رقم ١٧٧٣ ص ٢٥٢ ج ٢ فيض القدير شرح الجامع الصغير. منسوبًا للطبراني عن أم سلمة.
(٢) انظر ص ٣٦٨ ج ٢ تيسير الوصول (الطب والرق).
(٣) انظر ص ٢٣٥ ج ١ فتح الباري. الشرح (أبوال الابل والدواب) و(الذربة بطونهم) الذين فسدت معدتهم. يقال ذربت معدته فهي ذربة من باب تعب إذا فسدت.
(٤) انظر ص ٢٣٥ ج ١ فتح الباري. الشرح (أبوال الابل والدواب) و(الذربة بطونهم) الذين فسدت معدتهم. يقال ذربت معدته فهي ذربة من باب تعب إذا فسدت.
[ ١ / ٤١٨ ]
في أعطان الابل "لا يستلزم" نجاسة أزبالها وأبوالها. وإنما نهى عن ذلك لضررها ونفارها حيث علل النهي بقوله: إنها من الشياطين.
(قال) البراء بن عازب: سئل ﷺ عن الصلاة في مبارك الابل فقال: لا تصلوا في مبارك الابل فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة. أخرجه أحمد وأبو داود (١) ﴿٤٠٩﴾.
(ويقاس) على الابل والغنم غيرهما مما يؤكل لحمه من بقية الحيوانات.
(وبهذا) قالت المالكية فيما لم يتغذ بالنجس. والا فبوله وروثه نجس كغير مأكول اللحم (٢) (وقال) أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعية: روث وبول جميع الحيوانات نجس.
(لحديث) ابن عباس ان النبي ﵌ مر بقبرين فقال: "انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول. وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". أخرجه السبعة (٣) ﴿٤١٠﴾.
_________________
(١) انظر ص ٢٠٠ ج ٢ - المنهل العذب (الوضوء من لحوم الابل) وجعل الابل من الشياطين لتمردها ونفارها. والشيطان كل عاد متمرد من انس او جن او دابة. وقيل المراد أنها تعمل عمل الشياطين لأنها كثيرة النفار والتشويش.
(٢) قال الشيخ الدردير في صغيره: ومن الطاهر فضلة المباح (أكله) من روث وبعر وبول وزبل ودجاج وحمام وجميع الطيور ما لم يستعمل النجاسة فإن استعمالها أكلًا او شربًا ففضلته نجسة والفأرة من المباح ففضلتها طاهرة إن لم تصل للنجاسة ولو شكًا لأن شأنها استعمال النجاسة كالدجاج بخلاف نحو الحمام فلا يحكم بنجاسة فضلته الا اذا تحقق او ظن استعمالها للنجاسة. انظر ص ١٧ ج ١ (الأعيان الطاهرة والنجسة).
(٣) انظر ص ١٢٧ ج ٨ - الفتح الرباني. وص ٣٠٧ ج ٣ تيسير الوصول (عذاب القبر).
[ ١ / ٤١٩ ]
(وجه) الدلالة أنه عمم في البول ولم يخصه ببول الإنسان، ولا أخرج منه بول ما يؤكل لحمه (وقاسوا) ما ذكر على غائط الإنسان وبوله قياسًا أولويًا، فإن الإنسان طاهر حيًا وميتًا. وقد حكم بنجاسة غائطه وبوله. فبول وروث غيره من الحيوانات نجس بالأولى (وأجاب) الاولون (أ) عن الحديث، بأن المراد بالبول فيه بول الإنسان فقط، لما في رواية للبخاري من قوله ﷺ: كان لا يستتر من بوله. فلا دلالة فيه على نجاسة الابوال كلها. (ب) وعن القياس بأن فضلة الإنسان مستقذرة بالطبع بخلاف فضلة بهيمة الأنعام فليست كذلك. وبأنه قياس في مقابلة النص، فلا يعول عليه.
(فالظاهر) طهارة الابوال والازبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكًا بالأصل واستصحابًا للبراءة الأصلية. والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها الا بدليل يصلح للنقل عنهما. ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك. وغاية ما جاءوا به حديث القبر وهو مع كونه مرادًا به الخصوص كما سلف، عمومه ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة (١).
٣ - لعاب الكلب- (قال) الحنفيون والشافعي وأحمد والجمهور: ان لعاب الكلب نجس. ورواه ابن وهب عن مالك (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب". أخرجه مالك والخمسة (٢) ﴿٤١١﴾.
(وقال) عبد الله بن مغفل: أمر رسول الله ﵌ بقتل
_________________
(١) انظر ص ٦١ ج ١ (نيل الاوطار) (الرخصة في بول ما يؤكل لحمه).
(٢) انظر ص ٢٩٥ ج ٢ تيسير الوصول (الكلب وغيره من الحيوان).
[ ١ / ٤٢٠ ]
الكلاب ثم قال: "مالهم ولها". فرخص في كلب الصيد وفي كلب الغنم. وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عفروه بالتراب". أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١) ﴿٤١٢﴾.
فما ذكر صريح في نجاسة لعاب الكلب (وقال) مالك في المشهور عنه: ان الكلب طاهر، فلعابه طاهر، لقوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه" (من آية ٤ - المائدة) ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلب ولم نؤمر بالغسل (وأجاب) الجمهور بأن إباحة الأكل مما أمسكن، لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الأمر بالغسل للاكتفاء بعموم أدلة تطهير النجس (فالراجح) القول بنجاسته وأنه يشترط في تطهير ما ينجس بلعابه الغسل سبعًا إحداهن بالتراب عند الشافعي وأحمد ويقوم الأشنان والصابون ونحوهما مقام التراب ولو مع وجوده عند أحمد وهو قول للشافعي وصححه صاحب المهذب لأنه تطهير نجاسة بجامد فلا يختص بالتراب كالاستنجاء والدباغ وقيل لا يقوم غير التراب مقامه للنص عليه فاختص به كالتيمم (٢).
(وقال) الحنفيون: يطهر ما ينجس بلعاب الكلب بالغسل ثلاثًا كغيره من النجاسات غير المرئية ولا يشترط التتريب لما روي عطاء عن أبي هريرة في الإناء يلغ فيه الكلب او الهر قال: "يغسل ثلاث مرات". أخرجه الدارقطني والطحاوي (٣) ﴿٥١﴾.
_________________
(١) انظر ص ٢٢٠ ج ١ - الفتح الرباني. وص ١٨٣ ج ٣ نووي مسلم (حكم ولوغ الكلب) ز وص ٢٦١ ج ١ - المنهل العذب (الوضوء بسؤر الكلب) و(مالهم ولها) أي شيء ثبت للناس وحملهم على اقتناء الكلاب.
(٢) انظر ص ١٣٢ ج ١ كشاف القناع. وص ٥٩٣ ج ٢ مجموع النووي.
(٣) انظر ص ٢٤ سنن الدارقطني. وص ١٣ ج ١ شرح معاني الآثار (سؤر الكلب).
[ ١ / ٤٢١ ]
وأبو هريرة هو الراوي للغسل سبعًا فدل ذلك على نسخ السبع فيجب العمل بتأويل الراوي (١).
٤ - المني - بتشديد الياء وقد تسكن. وهو "من الرجل" ماء ابيض ثخين ينكسر الذكر بخروجه، يشبه رطبًا رائحة الطلع، ويابسًا رائحة البيض "ومن المرأة" ماء رقيق أصفر (لحديث) ام سليم ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا او سبق يكون منه ألشبه. أخرجه مسلم (٢) ﴿٤١٣﴾.
(وهو) نجس عند الحنفيين ومالك والثوري والجمهور وأحمد في رواية (لقول) عائشة: ان رسول الله ﵌ كان يغسل المني ثم يخرج الى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر الى أثر الغسل فيه. أخرجه مسلم (٣) ﴿٤١٤﴾.
(وعن عائشة) أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﵌. قالت ثم أرى فيه بقعة او بقعًا. فيخرج الى الصلاة وان بقع الماء في ثوبه. أخرجه الستة (٤) ﴿٤١٥﴾.
(وقال) الشافعي وداود الظاهري وآخرون: المني طاهر وهو أصح الروايتين عن
_________________
(١) انظر ص ٢٥٤ ج ١ - المنهل العذب (الوضوء بسؤر الكلب).
(٢) انظر ص ٢٢٢ ج ٣ نووي مسلم (وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها والمراد بالعلو السبق وقيل المراد به الكثرة والقوة بحسب كثرة الشهوة.
(٣) انظر ص ١٩٧ ج ٣ نووي مسلم (حكم المني).
(٤) انظر ص ٢٣١ ج ١ فتح الباري (غسل المني وفركه) وص ٢٤٤ ج ٣ - المنهل العذب (المني يصيب الثوب) وص ٦٥ ج ١ نيل الأوطار (في المني).
[ ١ / ٤٢٢ ]
أحمد (لقول) عائشة: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي به. أخرجه أبو داود والطحاوي (١) ﴿٤١٦﴾.
(وجه) الدلالة أنه لو كان نجسًا لم يكف فركه كالدم وغيره (وأجاب) الأولون بأن ما ذكر لا يلزم طهارة المني، وإنما يدل على كيفية تطهيره، وأنه كما يطهر بالغسل، يطهر بالفرك إذا كان يابسًا فقد خفف في تطهيره بغير الماء.
(ومنه) تعلم أن القول بنجاسة المني هو الراجح "وأما قول" ابن عباس: سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المني يصيب الثوب فقال: إنما هو بمنزلة المخط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة او باذخرة "فقد" رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك (٢) ﴿٤١٧﴾. والصحيح أنه موقوف كما قاله البيهقي فلا يحتج به.
(وقد) اختلف من قال بنجاسة المني في كيفية تطهير ما أصابه (فقال) الحنفيون: يلزم غسل محله إذا كان رطبًا او يابسًا خالطه نجس خارج المخرج، كما لو بال وانتشر البول. ويطهر بالفرك يابسًا إن لم يخالطه نجس خارج المخرج، كما لو بال ولم ينتشر البول او انتشر لكن خرج المني دفقًا بلا انتشار، عملًا بالأدلة السابقة. وهو رواية عن أحمد (وقال) مالك والأوزاعي: لابد من غسل محله رطبًا ويابسًا (وهذا كله) في مني الآدمي. أما مني غيره (فقال) الحنفيون ومالك بنجاسته ولو من مباح الأكل، ولا يطهر محله الا بالغسل رطبًا ويابسًا (وقالت) الشافعية بنجاسة مني الكلب والخنزير دون سائر الحيوانات (وقال) أحمد: مني ما لا يؤكل لحمه نجس. أما مني ما يؤكل فطاهر كمذيه.
_________________
(١) انظر ص ٦٤ ج ١ نيل الأوطار. وص ٣٠ ج ١ شرح معاني الآثار (حكم المني).
(٢) انظر ص ٤٦ سنن الدارقطني (ما ورد في طهارة المني).
[ ١ / ٤٢٣ ]
٥ - عظم الميتة - عظم الميتة وعصبها وقرنها وظلفها وظفرها وسنها نجس عند مالك وهو المشهور عن الشافعي وأحمد سواء ميتة ما يؤكل وما لا يؤكل ولا يطهر بحال لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وما ذكر من جملتها وتحله الحياة لقوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم (عجز ٧٨) (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) (٧٩ يس) وما يحيا يموت ولأن دليل الحياة الإحساس والألم وهو في العظم ونحوه أشد منه في اللحم (وقال) الحنفيون والثوري: ما ذكر لا تحله الحياة فهو طاهر لا ينجس بالموت كالشعر (لقول) ابن عباس: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال. أخرجه الدارقطني وفي سنده أبو بكر الهذلي ضعيف (١) ﴿٥٢﴾.
ولأن علة التنجس في اللحم والجلد اتصال الدماء والرطوبات به ولا يوجد ذلك في العظم وما ذكر (وهذا) هو الذي يشهد له الدليل. والمراد بالإحياء في الآية الإعادة (كما بدأنا اول خلق نعيده) (من آية ١٠٤ - الأنبياء).
(٦) شعر الميتة وصوفها - المشهور عند الشافعية القول بنجاستهما ونجاسة كل من ريشها ووبرها لأن ما ذكر متصل بالحيوان اتصال خلقة فينجس بالموت كالأعضاء (وذهب) الحنفيون ومالك إلى طهارة كل مالا تحله الحياة من الميتة - غير الخنزير (٢) - كشعرها وصوفها وريشها والبيض الضعيف القشر وهو
_________________
(١) انظر ص ١٧ سنن الدارقطني. وصره عن ابن عباس في قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحى الى محرمًا على طاعم يطعمه) الى قوله: إنما حرم من الميتة.
(٢) (أما الخنزير) (فإنه بكل أجزائه نجس العين حيًا وميتًا عند الجمهور. وقال مالك بطهارته حيًا وطهارة شعره ولو بعد موته.
[ ١ / ٤٢٤ ]
المشهور عن أحمد في شعر مأكول اللحم وصوفه (لحديث) ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في شاة: هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا يا رسول الله انها ميتة. فقال إنما حرم أكلها. وفي رواية: إنما حرم عليكم لحمها، ورخص لكم في مسكها. أخرجه مالك وأحمد والخمسة إلا أبا داود (١) ﴿٤١٨﴾.
(دل) على أن ما عدا اللحم لا يحرم وأن الشعر ونحوه طاهر (وعن) أم سلمة أن النبي ﷺ قال: لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء. أخرجه الدارقطني (٢) ﴿٤١٩﴾ وفي سنده يوسف بن السفر متروك ولأن كلا من الصوف والشعر لا تفتقر طهارة المنفصل منهما إلى ذكاة أصله فلم ينجس بموته، ولأنه لا تحله الحياة، فلا يحله الموت. ومثل الشعر في ذلك الوبر وزغب الريش بخلاف قصبه (٣) فإنه نجس لأنه تحله الحياة.
(وأما) ما جزء من الشعر والصوف من الحيوان حال حياته، فإن كان مأكول اللحم، فطاهر بالإجماع وإن كان غير مأكول اللحم، فقالت الشافعية والحنبلية بنجاسته وقالت الحنفية والمالكية بطهارته.
(٧) لبن الميتة وأنفحتها- (قال) مالك والشافعي: هما نجسان وهو المشهور
_________________
(١) انظر ص ٢٩٦ ج ٢ تيسير الوصول (الجلود) وص ٢٣٣ ج ١ - الفتح الرباني بلفظ: ومر بشاة ميتة فقال: هلا استمتعتم باهابها (الحديث) و(المسك) بفتح فسكون: الجلد.
(٢) انظر ص ١٨ سنن الدارقطني (باب الدباغ).
(٣) (الزغب) بفتحتين. الريش أول ما يبدو (والقصب) بفتحتين منبت الزغب.
[ ١ / ٤٢٥ ]
عن أحمد (وقال) أبو يوسف ومحمد بن الحسن: هما متنجسان لأنه مائع ملاق لنجاسه فهو كما لو حلب اللبن في إناء نجس. وعلى هذا فإن كانت الأنفحة جامدة تطهر بالغسل والا تعذر تطهيرها (وقال أبو حنيفة): هما طاهران وهو رواية عن أحمد لأن الصحابة ﵃ أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالأنفحة وذبائح أهلها ميتة لأنهم مجوس ولا أثر للتنجس شرعًا ما دامت النجاسة في الباطن (وأجاب) الأولون بأنهم ما كانوا يذبحون بأنفسهم وكان جزاروهم اليهود والنصارى وذبائحهم ليست ميتة والاحتمال في هذا كاف والأصل الحل فلا يزول بالشك (١).
(٨) بيض الميتة- وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة صلب قشرها فهي طاهرة عند الحنفيين وأحمد وبعض الشافعية (وقال) مالك والليث وبعض الشافعية: بيض الميتة نجس لأنه جزء منها (وأجاب) الأولون بأنه ليس جزءًا منها فأشبه الولد إذا خرج حيًا من الميتة. وإن لم تكمل البيضة فهي طاهرة عند الحنفيين وبعض الحنبلية لأن البيضة عليها غشاء رقيق وهو القشر قبل ان يقوي فلا يتنجس منها الا ما لاقى النجاسة (وقال) مالك والشافعي: بنجاستها وهو مشهور مذهب الحنبلية لأن ما عليها ليس حائلًا حصينًا (٢).
(٩) ميتة ما لا دم له سائل- كالذباب والنمل والصرصار والزنبور والعقرب والبرغوث (٣). ذهب الجمهور الى طهارتها (لحديث) أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه
_________________
(١) انظر ص ٦١ ج ١ مغنى ابن قدامة (لبن الميتة وأنفحتها).
(٢) انظر ص ٦١ ج ١ مغنى ابن قدامة (لبن الميتة وأنفحتها).
(٣) اما القمل فميتته نجسة خلافًا لسحنون حيث قال: أنه كالبرغوث لا نفس له سائلة انظر ص ١٨ ج ١ صاوي صغير الدردير.
[ ١ / ٤٢٦ ]
كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء. أخرجه البخاري وأبو داود بسند حسن وزاد: وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله (١) ﴿٤٢٠﴾.
(وجه) الاستدلال ان الطعام قد يكون حارًا فيموت الذباب بالغمس فيه، فلو كان نجسًا يفسده، لما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بغمسه (وعن) سلمان ﵁ ان النبي ﷺ قال: يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال، أكله وشربه ووضوءه. أخرجه الترمذي والدارقطني وقال: لم يروه غير بقية عن سعيد بن أبي سعيد. وهو ضعيف وأعله ابن عدي بجهالة سعيد (٢) ﴿٤٢١﴾.
(ورد) ابن الهمام دعوى الضعف والجهالة وقال: والحديث مع هذا لا ينزل عن درجة الحسن (٣) (قال) بن المنذر: لا أعلم خلافًا في طهارة ما ذكر الا ما روي عن الشافعي أنه نجس، ويعفي عنه إذا وقع في المائع ما لم يغيره، وما ذكر من الادلة حجة عليه (٤) هذا. وحديث الذباب دليل ظاهر في جواز
_________________
(١) انظر ص ١٩٥ ج ١ فتح الباري (إذا وقع الذباب في الاناء - الطب).
(٢) انظر ص ١٤ سنن الدارقطني (كل طعام وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو طاهر).
(٣) قال ابن الهمام: بقية هذا هو ابن الوليد. روي عنه الحمادان وابن المبارك وابن عيينة ووكيع والاوزاعي وشعبة. وناهيك بشعبة واحتياطه. قال يحيي: كان شعبة مبجلًا لبقية وقد روي له الجماعة الا البخاري (وأما) سعيد هذا فذكره الخطيب وقال: اسم أبيه عبد الجبار وكان ثقة فانتفت الجهالة. انظر ص ٥٧ ج ١ فتح القدير (وموت ما يعيش في الماء لا يفسده).
(٤) ولذا صوب النووي قول الجمهور فقال: والصواب الطهارة وهو قول جمهور العلماء عوام (قال) ابن المنذر قال عوام أهل العلم: لا يفسد الماء بموت الذباب والخنفساء ونحوهما فيه ولا أعلم فيه خلافًا الا أحد قولي الشافعي (فإذا) قلنا بالصحيح أنه لا ينجس الماء فلو كثر هذا الحيوان فغير الماء فهل ينجسه؟ فيه وجهان: أصحهما أنه ينجسه سواء أكان الماء قليلًا ام كثيرًا (وإن) قلنا لا ينجس الماء المتغير به كان طاهرًا غير طهور (وقال) أمام الحرمين يكون كالمتغير بورق الشجر. انظر ص ١٢٩ ج ١ مجموع النووي.
[ ١ / ٤٢٧ ]
قتل الذباب دفعًا لضرره. وأنه يطرح ولا يؤكل. وأن الذباب إذا مات في مائع لا ينجسه، لأنه ﷺ أمر بغمسه ومعلوم أنه يموت من ذلك ولاسيما إذا كان الطعام حارًا فلو كان ينجسه لكان أمرًا بافساد الطعام. وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه. ويتعدى هذا الحكم الى كل مالا نفس له سائلة، كالنملة والزنبور - ومنه النحل - والعنكبوت وأشباه ذلك، إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتقي بانتفاء سببه. فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته.
والأمر بغمسه، ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء منه (وقد علم) أن في الذباب قوة سمية كما يدل عليه الورم والحكة الحاصلة من لسعه، وهي بمنزلة السلاح، فإذا وقع فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه كما قال ﷺ "فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء" ولذا أمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن تقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى فيه من الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله، فتقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها (وقد) ذكر غير واحد من الأطباء ان لسعة العقرب والزنبور إذا دلك موضعها بالذباب، نفع منه نفعًا بينًا ويسكن أثرها، وما ذلك إلا للمادة التي فيه من الشفاء (١).
(والحاصل) أن هذا الحديث الصحيح ناطق بأن الذباب فيه شفاء، فهل بعد ذلك يتخيل من عنده شائبة تمييز إنكار ذلك، ويحكم برد الحديث مستدلًا على زعمه بدعوى بعض الأطباء، أن الذباب لا شفاء فيه. ولو كان
_________________
(١) انظر ص ٣٠ و٣١ ج ١ سبل السلام. (شرح حديث الذباب).
[ ١ / ٤٢٨ ]
عند هذا الزعم مثقال ذرة من إيمان، ما توهم رد قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ولم يفقه أن قول بعض الاطباء حدس وتخمين، فكيف يرد به ما كان وحيًا من رب العالمين. فإنا لله وإنا اليه راجعون (١).
_________________
(١) وقد أثبت الطب الحديث صحة هذا الحديث وصدق ما جاء به (فقد ألقى) الدكتور ابراهيم مصطفى عبده يوم الخميس ٢٩ شوال سنة ١٣٤٩ هـ في جمعية الهداية الاسلامية محاضرة جاء فيها ما ملخصه: يقع الذباب على لمواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها أمراض مختلفة فينتقل بعضها بأطرافه ويأكل بعضًا فيتكون في جسمه مادة سامة تسمى مبعد البكتيريا وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الامراض ولا يمكن بقاء تلك الجراثيم حية ولا يكون لها تأثير في جسم الانسان حال وجود مبعد البكتيريا. وفي أحد جناحي الذباب خاصية تحويل البكتيريا الى ناحيته. فإذا سقط الذباب في شراب او طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الطعام او الشراب فأول مبيد لتلك الجراثيم وأقرب واق منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله لذباب في أحد جناحيه فإذا كان هناك داء فداؤه قريب منه وغمس الذباب كله وطرحه كاف في أبطال عملها. (انظر) المجلد الثالث من مجلة الهداية: عدد ذي الحجة سنة ١٣٤٩ هـ (وفي) مجلة التجارب الطبية الانجليزية عدد [١٠٣٧] سنة ١٩٢٧ ما ترجمته. لقد أطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض وبعد حين من الزمن ماتت تلك الجراثيم واختفى أثرها وتكونت في الذباب مادة مفترسة للجراثيم تسمى بكتريوناج. ولو وضعت خلاصة من الذباب في محلول ملحي لاحتوت. (أ) على البكتريوناج وهي تبيد أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للامراض. (ب) وعلى مادة أخرى نافعة للمناعة ضد أربعة أنواع أخرى من الجراثيم. (وبهذا) ثبت صحة الحديث الذي عده بعض المتسرعين كذبًا وخدشًا في الدين. وصار معجزة علمية خالدة فلعلهم بعد هذا لا يتسرعون في تكذيب ما لم يحيطوا به علمًا ومن أين للنبي الأمي هذه المسائل الدقيقة الطبية لولا أن الله تعالى يوحي إليه (وما ينطق عن الهوى (٣) إن هو إلا وحي يوحى (٤) علمه شديد القوى (٥) (النجم).
[ ١ / ٤٢٩ ]
(١٠) دم السمك - اختلفوا فيه فالمشهور عن المالكية والشافعية نجاسته وهو قول للحنبلية. والمشهور عنهم طهارته وهو قول لبعض المالكية والشافعية (وقال) الحنفيون: السمك لا دم له سائل لأنه يبيض إذا يبس. وعلى أنه دم فالظاهر طهارته لأنه لو كان نجسًا لتوقفت إباحة السمك على اراقته بالذبح كحيوان البر ولأنه يستحيل ماء (١).
(١١) الآدمي- أجمع العلماء على أن المسلم لا ينجس بالموت، وكذا شعره وجزؤه المنفصل منه (لحديث) حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقيه وهو جنب فحاد عنه فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جنبًا فقال: إن المسلم لا ينجس. أخرجه أحمد ومسلم والأربعة إلا الترمذي (٢) [٤٢٢].
وهو عام في الحي والميت (وقال) ابن عباس: المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا. ذكره البخاري معلقًا (٣) [٥٣].
(وعن) أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق، ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال احلقه، فحلقه فأعطاه أبا طلحة وقال أقسمه بين الناس. أخرجه أحمد ومسلم (٤) ﴿٤٢٣﴾.
_________________
(١) انظر ص ١٣٧ ج ١ كشاف القناع (ولا يعفي عن يسير نجاسة).
(٢) انظر ص ٢٥٣ ج ١ - الفتح الرباني. وص ٦٧ ج ٤ نووي مسلم (المسلم لا ينجس). وص ٣٠٦ ج ٢ - المنهل العذب (الجنب يصافح) وص ٩٩ ج ١ - ابن ماجه (مصافحة الجنب).
(٣) انظر ص ٨٢ ج ٣ فتح الباري (غسل الميت).
(٤) انظر ص ١٨٦ ج ١٢ - الفتح الرباني. وص ٥٤ ج ٩ نووي مسلم (السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق).
[ ١ / ٤٣٠ ]
"وقول" جماعة من الشافعية: إن شعر الآدمي نجس "يرده" أحاديث الباب "وقولهم" إن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يقاس عليه غيره "غير مسلم" لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل. والأصل عدمه. فلا يلتفت إلى ما وقع في كثير من كتب الشافعية مما يخالف القول بالطهارة، فقد استقر القول من أئمتهم على القول بها (١) (وقال) الجمهور: الآدمي المشرك طاهر أيضًا حيًا وميتًا، لقوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم" أول آية ٧٠ - الإسراء. ومن التكريم طهارته حيًا وميتًا. وأما قوله تعالى "إنما المشركون نجس" من آية ٢٨ - التوبة. فالمراد به الزجر والتنفير مما هم عليه.
(والأصل) في الأشياء الطهارة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه مساو له أو أقوى "فما لم يرد" فيه يدل على نجاسته "فليس" لأحد أن يحكم بها بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال، كما يدعيه البعض من نجاسة ما حرمه الله تعالى، زاعمًا أن النجاسة والتحريم متلازمان، وهو زعم باطل، إذ تحريم الشيء لا يستلزم نجاسته، ولو كان كذلك للزم نجاسة ما دل الدليل على تحريمه، كالأنصاب والأزلام، وما يسكر من النبات والثمرات بأصل الخلقة ولم يقل بهذا أحد.
(فالواجب) على المنصف أن لا يحكم بنجاسة شيء ولا بتحريمه إلا بحجة شرعية.
(والحق) أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلازم النجاسة، فإن الحشيشة محرمة وهي طاهرة. وكذا المخدرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها (وأما) النجاسة فيلازمها التحريم، فكل نجس محرم ولا عكس
_________________
(١) انظر ص ١٩١ ج ١ فتح الباري (الماء يغسل به شعر الإنسان).
[ ١ / ٤٣١ ]
وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها. بخلاف الحكم بالتحريم، فإنه يحرم لبس الحرير والذهب وهما طاهران إجماعًا (إذا) عرفت هذا فتحريم الحمر والخمر الذي دلت عليه النصوص، لا يلزم منه نجاستهما، بل لابد من دليل آخر عليه، وإلا بقيا على الأصول المتفق عليها من الطهارة. فمن ادعى خلافه فالدليل عليه (١).
(١٢) القيء- هو نجس مطلقًا لأنه طعام استحال في الجوف إلى النتن والفساد سواء قيء الآدمي وغيره، وسواء خرج القيء متغيرًا أو غير متغير عند الثلاثة (وقال) مالك وبعض الشافعية: القيء غير المتغير طاهر (٢) كالقلس والصفراء ومرارة غير محرم الأكل.
(١٣) الرطوبة تخرج من المعدة - هي نجسة عند الشافعي وأحمد لخروجها من محل النجاسة (وعن) أبي حنيفة ومحمد أنها طاهرة (٣) (وقالت) المالكية: المعدة طاهرة، فما خرج منها فهو طاهر ما لم يستحل إلى فساد كالقيء المتغير. (وأما) رطوبة الفرج وهي ماء ابيض متردد بين المذي والعرق، فهي نجسة عند الحنفيين ومالك ورجحه بعض الشافعية لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة. (ولحديث) زيد بن خالد أنه قال لعثمان بن عفان: رأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره. سمعته من
_________________
(١) انظر ص ٤٣ ج ١ سبل السلام (حديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية).
(٢) انظر ص ٥٥١ ج ٢ مجموع النووي والقلس (بفتحتين ماء تقذفه المعدة عند امتلائها فهو طاهر عند المالكية ما لم يصل في التغيير إلى أحد أوصاف العذرة. فلا تضر حموضته لخفته وتكرره. انظر ص ١٧ صاوي صغير الدردير (الأعيان الطاهرة والنجسة).
(٣) انظر ص ٥٥١ ج ٢ مجموع النووي.
[ ١ / ٤٣٢ ]
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه الشيخان (١) ﴿٤٢٤﴾.
وهذا الحديث ونحوه منسوخ في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل إذا جامع ولم ينزل كما تقدم في التقاء الختانين من موجبات الغسل (٢) وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فغير منسوخ (وقال) أحمد: رطوبة الفرج طاهرة وهو الأصح عند الشافعية للحكم بطهارة المني فلو حكمنا بنجاسة رطوبة الفرج لزم الحكم بنجاسة المني وحملوا الأمر بالغسل في الحديث على الاستحباب لكن مطلق الأمر للوجوب عند الجمهور (٣).
١٤ - ما يسيل من فم الإنسان- المختار أنه طاهر لا يجب غسله إلا إذا علم أنه عن المعدة ومتى شك فلا يجب غسله لكن يستحب احتياطًا وعلى القول بنجاسته إذا عمت بلوى إنسان به وكثر فالظاهر أنه يعفي عنه في حقه (٤).
١٥ - الجرة - بكسر فشد هي ما يخرجه البعير ونحوه من جوفه إلى فمه للاجترار وهي نجسة عند الجمهور. وقال مالك انها طاهرة (٥).
_________________
(١) انظر ص ٢٧٣ ج ١ فتح الباري (غسل ما يصيب- الرجل- من رطوبة فرج المرأة) وص ٣٩ ج ٤ نووي مسلم (الجماع كان لا يوجد إلا أن ينزل وبيان نسخة) "ولا يقال" إذا كان منسوخًا كيف يصبح الاستدلال به "لأنا" نقول المنسوخ عدم وجوب الغسل وناسخه الأمر بالغسل وأما الأمر بالوضوء فهو باق لأنه مندرج تحت الغسل. انظر ص ١٩٩ ج ١ فتح الباري الشرح (من لم ير الوضوء إلا من المخرجين).
(٢) انظر ص ٣٠٤ (الثاني من موجبات الغسل).
(٣) انظر ص ٧٥١ ج ٢ مجموع النووي. وص ١٤٠ ج ١ كشاف القناع.
(٤) انظر ص ٥٥١ ج ٢ مجموع النووي.
(٥) انظر ص ٥٥٢ منه.
[ ١ / ٤٣٣ ]
١٦ - العلقة والمضغة- العلقة بفتحات مني استحال في الرحم فصار دمًا عبيطًا (١) فإذا استحال بعده فصار قطعة لحم فهو مضغة. والعلقة نجسة عند الثلاثة وهو قول للشافعية لأنها دم خارج من الرحم (وقال) بعضهم: هي طاهرة لأنها دم غير مسفوح كالكبد والطحال. وأما المضغة فهي طاهرة عند الجمهور كالولد ومشيمته (٢) (وقال) بعض الشافعية بنجاستها كالعلقة (٣).
١٧ - اللبن- هو أربعة أقسام (أ) لبن مأكول اللحم وهو طاهر بالكتاب والسنة وإجماع الأمة (ب) لبن الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وهو نجس بالإجماع (جـ) لبن الآدمي وهو طاهر بالإجماع "وما نقل" عن بعض الشافعية من أنه نجس حل شربه للطفل للضرورة "فهو" خطأ ظاهر.
(د) لبن باقي الحيوانات الطاهرة غير ما ذكرنا. وهو نجس عند مالك وأحمد وهو الصحيح عند الشافعية لأنه يتناول كما يتناول اللحم المذكي. ولحم ما لا يؤكل نجس فكذا لبنه (وقال) الحنفيون وبعض الشافعية: هو طاهر لأنه من حيوان طاهر فكان طاهرًا كلبن الشاة. فإن قلنا بالطهارة فهل يحل شربه؟ فيه وجهان أصحهما جواز شربه لأنه طاهر. والثاني تحريمه لأنه متقذر ويؤذي فأشبه المخاط (وحكى) الدارمي في كتاب السلم في لبن الأتان ونحوها ثلاثة أوجه: الصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه وشربه والثالث طاهر لا يجوز بيعه ولا شربه (٤).
(فوائد) (الأولى) النجاسة المستقرة في الباطن لا حكم لها ما لم يتصل بها
_________________
(١) الدم العبيط الطري الخالص لا خلط فيه.
(٢) (مشيمة) كفعليه هي كيس الولد.
(٣) انظر ص ٥٥٩ ج ٣ مجموع النووي.
(٤) انظر ص ٥٦٩ ج ٢ مجموع النووي.
[ ١ / ٤٣٤ ]
شيء من الظاهر مع بقاء حكم الظاهر عليه كما إذا ابتلع بعض خيط فاستقر بعضه في المعدة وبعضه خارج في الفم او دخل أصبعه او عودًا في دبره وبقي بعضه خارجًا فوجهان أصحهما الحكم بنجاسة ما ذكر فلا تصح صلاته ولا طوافه (عند من يشترط في الطواف الطهارة) لأنه مستحب بمتصل بالنجاسة. والثاني لا يثبت حكم النجاسة (١) (الثانية) الولد الخارج من الرحم طاهر لا يحتاج الى غسله بالاجماع وكذلك البيض لا يجب غسله ظاهره. والنجاسة الباطنة لا حكم لها فإن اللبن يخرج من بين فرث ودم وهو طاهر حلال (٢) (الثالثة) الوسخ المنفصل من بدن الآدمي طاهر، لأنه عرق متجمد. والوسخ المنفصل من حيوان آخر حكمه حكم ميتته (٣) (الرابعة) إذا أكلت البهيمة حبًا وخرج منها صحيحًا فإن كان صلبًا بحيث لو زرع نبت فهو طاهر لكن يجب غسل ظاهره لملاقاة النجاسة كما لو ابتلع نواة وخرجت فباطنها طاهر ويطهر ظاهرها بالغسل. وإن كان الحب قد زالت صلابته بحيث لو زرع ينبت فهو نجس (٤).
(الخامسة) الزرع النابت على السرجين ونحوه ليس نجسًا لكن يتنجس منه ما لاقى النجاسة. ويطهر بالغسل وحبه الخارج منه طاهر قطعًا وكذا القثاء والخيار ونحوهما يكون طاهرًا وكذا الشجرة إذا سقيت ماء نجسًا فأعصانها وأوراقها وثمرها طاهرة (٥) (السادسة) الزباد- كسحاب: طيب معروف فهو طاهر يصح بيعه كالمسك وفأرته- وهي الجلدة المتكون فيها- لاستحالته الى صلاح (وغلط) من قال انه لبن سنور بحري. وإنما هو رشح يجتمع تحت ذنب
_________________
(١) انظر ص ٥٧٢ ج ٢ مجموع النووي.
(٢) انظر ص ٥٧٢ ج ٢ مجموع النووي.
(٣) انظر ص ٥٧٣ ج ٢ مجموع النووي.
(٤) انظر ص ٥٧٣ ج ٢ مجموع النووي.
(٥) انظر ص ٥٧٣ ج ٢ مجموع النووي.
[ ١ / ٤٣٥ ]
السنور ثم يسلت بسكين او خرقه (١) (وقيل) الزباد عرق سنور بري فهو طاهر عند الحنفيين ومالك والشافعية- لكن يغلب فيه اختلاطه بما يتساقط من شعره فينبغي أن يحترز عما فيه شيء من شعره لأنه نجس عند الشافعية (٢) - وعلى هذا فهو نجس عند الحنبلية لأنه من حيوان بري غير مأكول (٣).