قال جابر: "وما عمل به من شيءٍ عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهلَّ الناسُ بهذا الذي يُهلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله - ﷺ - عليهم شيئًا منه، ولَزِمَ رسول الله - ﷺ - تلبيته":
المسلم يتقرَّبُ إلى ربه جلَّ وعلا باتباع من تجب متابعته في الأقوال والأفعال، لذلك قال جابر: "وما عمل به - أي رسول الله - ﷺ - - من شيءٍ عملناه"، وفي هذا توكيدٌ لما توسعت في الحديث عنه في الفقرة السابقة من أنَّ غاية ما نقوم به نحن المسلمين هو الوثوق بكمال رسالة الإسلام، وتمام عقيدة الإيمان، ورقي الحضارة المنبثقة عن هذا الدين، فلا ابتداعٌ في انتسابٍ أو ممارسةٍ أو تجديدٍ وإنّما اتّباعٌ تثمره شجرة الحب والاقتناع، فما عمل به نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه عملناه، وتمسكنا بأهدابه، ومن ذلك الإهلال الذي هو رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام، مشتق في اللغة من رفع الصوت، ومنه قولهم: استهلّ المولود إذا صاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي رفع الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله تعالى، ولذلك سُمّي الهلالُ هلالًا لرفعهم الصوت عند رؤيته (١)، والذي أهلَّ به الصحابة الكرام تلك العبارة المشهورة في الحج: "لبيك"، وهي صيغة مبالغة في تلبية أوامِر الله عزّ
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، باب التلبية وصفتها ج ٨ ص ٢٦٥.
[ ١٢٢ ]
وجل أي نستجيب لك يا رب إجابةً بعد إجابة، واللفظ وإنْ كان أكثر الناس على أنه اسم مثنى على ما قاله سيبويه، بدليل قلْب ألفه ياء مع المظهر، إلّا أنها تثنية غير حقيقية، بمنزلة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي نعمتاه، والمراد نعم الله، فهذا للمبالغة والتكثير ومن الأمثلة عليه: حنانَيْك أي تحنُّنًا بعد تحنن، فاستثقلوا ثلاث نونات وفي لبيك استثقلوا ثلاث باءات؛ لأن الأصل: لبّبتك، فأبدلوا من الثالثة ياء (١).
والإهلال بالتلبية تجسيد لما تقوم عليه ثقافةُ المؤمن من العقيدة المستندة إلى إفراد الله تعالى بالربوبية والخضوع له بالعبودية، وهو ما دفع راوي الحديث إلى القول: "فأهلَّ بالتوحيد"؛ لأنَّ التلبية له عنوان، بدليل أن الصحب الكرام لم يُهلُّوْا بما كانت عليه العرب في جاهليتها تهلُّ به في الطواف وهو قولهم: "لبيك لا شريك لك، إلّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، وهو ما كان يدعو رسولَ الله - ﷺ - إلى الغضب فيزجر مَن يتفوّه به بقوله: "ويلكم قدٍ قدٍ" كما في رواية أُخرى لمسلم (٢).
والتوحيد يعد الأساس المتين الذي يقوم عليه البنيان الإسلامي كله، فما يعلوه من أدوار العبادات والمعاملات يعد منبثقًا عنه، وثمرة له.
والتوحيد هو المرآة التي تعكس عقيدة المؤمن، ورؤيته للوجود من حوله ماضيه وحاضره ومستقبله، ماديّاته ومعنوياته التي تجسدها منظومة القيم والأفكار.
والتوحيد هو الخط الفاصل بين الكفر والإيمان، لذلك اعتنى كتاب ربنا به، فجاءت
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، باب التلبية وصفتها ج ٨ ص ٢٦٣ وما بعدها.
(٢) صحيح مسلم برقم (١١٨٥/ ٢٢).
[ ١٢٣ ]
معظم الآيات القرآنية في مكة المكرمة - وفترتها الزمنية تزيد على نصف عمر الدعوة الإسلامية - تعريفًا بالعقيدة وترسيخًا لها، كما قام الركن الخامس من أركان الإسلام ليعضد الأساس الذي أرساه في المسلمين الركن الأول، مجسَّدًا في قوله - ﷺ -: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، ". من هنا فإن فريضة الحج لايشترك فيها أحد من غير المسلمين، ولو على سبيل التغطية الإعلامية لأحداثها، أو المواكبة لحجاجها، كما أن الأرض التي تقام عليها هي بيت الله الذي لايدخله أحدٌ ما لم يكن موحّدًا، ثم الشعار الذي يرفعه الحجاج، من لدن دخول النُسك إلى حين رمي جمرة العقبة، هو التلبية، وهي تتضمن إفراد الله بالألوهية، وإفراده بالعبادة، ولهذا قال جابر: "فأهلّ بالتوحيد ". وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة (١)، أن رسول الله - ﷺ - قال في التلبية: "لبيك إله العرش لبيك"، تأكيدًا على عقيدة التوحيد.
وليس هذا فقط، فإن عناية رسول الله - ﷺ - بإخلاص العمل، وسؤاله ربه أن يجنّبه الرياء والسمعة يدخل في صميم عقيدة الولاء لله، والبراء من الأغيار، وهو ما رواه ابن ماجة أيضًا (٢) من حديث أنس - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "اللهمّ حجة لارياء فيها ولاسمعة"، والحديث وإن ضعفه الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح (٣)، إلّا أنه يتقوى بمجموع طرقه.
ومن تربيته لنا - ﷺ - على هذه العقيدة الجامعة المانعة، قراءته بسورتي الإخلاص في ركعتي الطواف، كما روى جابر - ﵁ - قال: "فقرأ فيهما بالتوحيد، قل ياأيُّها الكافرون".
_________________
(١) سنن ابن ماجة برقم (٢٩٢٠).
(٢) سنن ابن ماجة برقم (٢٨٩٠).
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٣/ ٤٤٦.
[ ١٢٤ ]
كما يتجلى لنا ذلك من خلال أدعيته المتعددة، في شتى المواضيع ففي ارتقائه على كلٍّ من جبلي الصفا والمروة، يستقبل القبلة، ويوحّد الله مكبرًا، في قوله "لا إله إلّا الله وحده لاشريك له، .".
وفي عرفه يدعو مرة أخرى بالتوحيد رأس الأمر كله في هذا الدين، لذلك قبل أن نتعرض لهذه الفقرة بالشرح والبيان، لا بد لنا من إلقاء الضوء على الذي يعد مع فريضة الجح رمز التوحيد ومحوره (١):
البيت هو الكعبة المشرّفة، وقد تعدّدت أساليب القرآن الكريم في تقديمه، فمن الاقتصار على لفظ "البيت" إلى إضافته إلى ذات الله تعالى، إلى جعله يقترن بوصفٍ يوحي بالتعظيم والتقديس وإليك نماذج توضيحية حسب الترتيب المذكور:
جاء في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [الآية: ٩٦].
وجاء في سورة البقرة: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الآية: ١٢٥].
وفي سورة الحج نقرأ قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الآية: ٢٩].
والبيت هو المكان الذي أعطاه الله ﷿ خصوصية من الشرف والقداسة، وحسبنا في هذا أن جعله بيتًا له يقصده فيه طلاّبُ المعرفة، وروَّاد الشوق والحبّ لله ربّ
_________________
(١) هذه هي سياستي في كتابة البحث، إذ كلما تعرَّض إمامنا مسلم بن الحجاج لمصطلح ما أو اقتربنا منه، فإنني أبدأ بتسليط الضوء عليه، هذا ما سيتكرر معك في مقام إبراهيم والحجر الأسود، والصفا والمروة وهلمّ جرًّا.
[ ١٢٥ ]
العالمين، لذلك أضافه البيان القرآني لذاته العلية في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ وهو الذي باشر بناءه خليل الرحمن إبراهيم، والذبيح إسماعيل بأمر من ربِّ البيت جلَّ وعلا فهل بعد هذا من تعظيم وتقديس.
غير أنَّ هذه القداسة ما ينبغي أن تسريَ إلى وجدان المؤمن على حساب عقيدته التي قامت على التوحيد الخالص لربِّ العزة، الذي لا يضرُّ ولا ينفع في الوجود سواه، والذي اقتضت حكمته أن يجعل من هذا البيت المشاد شعارًا لتوحيد الله، وإفراد ذاته بالعبادة، ومن هذه الزاوية، وذاك الأمر تتجلى القداسة والعظمة، وليس من أيّ منفذ آخر قد يتسلل منه الجاهلون أوْ دعاة الشرك وعبَّاد الوثن.
يقول أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:
"هذا المعبد الذي أقيم لعبادة الله وحده، يدخله الإنسان ليقف عزيزًا لا يخضع ولا يذلُّ إلّا لخالق الكون كله، وإذا كان لا بدّ للمؤمنين بوحدانية الله، والداخلين في دينه من رابطة يتعارفون بها، ومثابة يؤوبون إليها، مهما تفرقت بلدانهم، وتباعدتْ ديارهم، واختلفت أجناسهم ولغاتهم، إذا كان لا بدّ من ذلك فليس أجدر من هذا البيت الذي أُقيم رمزًا لتوحيد الله، وردًّا على باطل الشرك والأصنام، أن يكون هو الرابطة وهو المثابة لهم جميعًا، يتعارفون في حماه، ويلتقون على الحق الذي شُيِّدَ ليكون تعبيرًا عنه، فهو الشعار الذي يجسد وحدة المسلمين في أقطار الأرض، ويعبر عن توحيد الله والعبادة له وحده مهما أقيم من آلهة زائفة وانتصب من متألّهين باطلين على مرِّ الأزمنة والعصور وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
وهذا هو المعنى الذي يلحظه الطائف بالبيت الحرام، بعد أن يملأ قلبه من معنى
[ ١٢٦ ]
العبودية لله تعالى، والقصد إلى تحقيق أوامره، من حيث إنها أوامر ومن حيث إنه عبد مكلّف بتلبية الأمر، وتحقيق المأمور به، ومن هنا جاءت قداسة البيت وعظم مكانته عند الله تعالى، وكانت ضرورة الحج إليه والطواف من حوله" (١).
والبيت الحرام بني في التاريخ أربع مرّات بيقين وأحاط الشك والخلاف ما سوى ذلك، فلم يثبت فيه شيء.
المرة الأولى: هي التي باشر البناء فيها إبراهيم ﵇، يعينه في هذا التكليف ولده الذبيح إسماعيل وقد تعرضنا في هذا الكتاب مرارًا لما ورد في هذا من آيات قرآنية وأحاديث نبويّة.
المرة الثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل الإسلام سنة ١٨ قبل الهجرة، واتفقوا على أن لا يُدخلوا في بنائها إلّا مالًا طيبًا، فكانوا يُعرضون عن مهر البغي، وبيع الربا، ومال المظالم، فقصَّرت عليهم النفقة فأخرجوا من جهة حجر إسماعيل نحو ثلاثة أمتار (٢)، وارتفعوا في طولها في السماء حتى بلغت ثمانية عشر ذراعًا، بينما كانت في زمن إبراهيم سبعة أو تسعة أذرع فقط، ولم يكن بها سقف (٣).
الحدَث الأبرز في هذا البناء هو مشاركة رسول الله - ﷺ - فكان يحمل وعمه العبّاس الحجارة، كما ورد في صحيح البخاري (٤)؛ لأنَّ قريشًا انفردت رجلين رجلين لنقل الحجارة، ولما بلغ البنيان تمامه اختلفوا فيمن ينال شَرَفَ وضع الحجر الأسود في مكانه،
_________________
(١) اُنظر فقه السيرة د. محمد سعيد رمضان البوطي ص ٨٧.
(٢) تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا د. محمد إلياس عبد الغني ص ٤١.
(٣) فقه السيرة د. محمد سعيد رمضان البوطيص ٨٨، وقد ذكر أن البناء ارتفع من ٤.٣٢ مترًا إلى ٨.٦٤ مترًا.
(٤) صحيح البخاري برقم (١٥٠٥).
[ ١٢٧ ]
واستمر النزاع حتى كاد يبدأ القتال بينهم، حتى قام أبو أُمية المخزومي وكان أسنَّ قريش يومئذ - فحكم بينهم أنَّ أوّل مَن يدخل من باب بني شيبة ينصبونه حكمًا بينهم فوافق أن يكون محمد - ﷺ - أوَّل الداخلين، فهتفوا: هذا الأمين رضيناه، وقضى بينهم بوضع الحجر على رداء يحمل أطرافه رؤساء القبائل فلما نال الجميع شرف نقله إلى الكعبة رفعه رسولنا محمد - ﷺ - بيده الشريفة، ووضعه في مكانه من البيت فرضوا جميعًا (١).
المرة الثالثة: حصلت زمن يزيد بن معاوية، يوم غزتها جيوشه بقيادة الحصين بن نمير السكوني، أواخر سنة ست وثلاثين للهجرة، ورمتها بالمنجنيق، وتسببت بهدم أجزاء من البيت واحتراقه فما كان من ابن الزبير بعد أن استشار الناس إلّا أن نقض البيت حتى بلغ به الأرض، ثم باشر في رفعه على قواعد إبراهيم، فأدخل فيه الأذرع الستة التي أخرجت منه من جهة حجر إسماعيل، وزاد في ارتفاعه عشرة أذرع، وجعل له بابين (٢)، مقتفيًا أثر السنة الصحيحة التي روتها له خالته السيدة عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الجَدْر (٣)، أمِنَ البيتِ هو؟ قال: نعم، قالت: قلتُ فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: "إنَّ قوْمك قصَّرَت بهم النفقة"، قالت: قلتُ: فما شَأْنُ بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قَوْمُك ليُدْخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أنَّ قَوْمك حديثٌ عهدهم بجاهلية، فأَخاف أنْ تُنْكر قلوبهم أنْ أُدْخلَ الجَدْرَ في البيت، وأَنْ ألصق بابَهُ بالأرض (٤).
_________________
(١) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين الهيثمي ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٢.
(٢) فقه السيرة د. محمد سعيد رمضان البوطي ص ٨٨ - ٨٩.
(٣) أي الجدار كما في نسخة، والمراد جدار إسماعيل.
(٤) صحيح البخاري برقم (١٥٨٤) واللفظ له، وصحيح مسلم برقم (١٣٣٣/ ٤٠٥)، وفي رواية عنده: "لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله". قال إمامنا النووي: "في الحدث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة بدئ بالأهم " شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ٤٥٤.
[ ١٢٨ ]
المرة الرابعة: بعد مقتل الزبير وهي مسألة تاريخية هامة لذلك سأَصغي وإيّاك إلى الإمام مسلم بن الحجاج وهو يروي لنا في صحيحه قصة المرَّة الثالثة والرابعة في بناء الكعبة المشرَّفة عهدي ابن الزبير، وعبد الملك بن مروان، وفيه قال: حدّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيّ، حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، أخبرني ابنُ أبي سليمان عن عطاء قال: لمّا احترق البيتُ زمنَ يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان تَركَهُ ابنُ الزبير حتى قدِم الناسُ الموسِمَ يريدُ أنْ يجرِّئهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيّها الناس أشيروا عليَّ في الكعبة أنقُضُها ثم أبني بناءَها أوْ أُصْلِح ما وهَى منها؟ قال ابنُ عباس: فإني قد فَرِقَ لي رأيٌ (١) فيها أن تُصْلحَ ما وَهَى منها، وتَدَعَ بيتًا أسلم الناسُ عليه، وأحجارًا أسلم الناسُ عليها، وبُعثَ عليها النبي - ﷺ - فقال ابنُ الزُّبير: لو كان أحَدُكم احترق بيته (٢) ما رضي حتى يُجدَّه، فكيف بيتُ ربّكم.؟
إني مستخيرٌ ربّي ثلاثًا، ثم عازمٌ على أمري، فلما مضى الثلاثُ أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماه الناسُ أن ينزل بأوّل الناس يصعد فيه أمرٌ من السماء حتى صَعِدَه رجلٌ فألقى منه حجارة، فلّما لَم يرهُ الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابنُ الزبير أعمدة فستَّر عليها السُّتُور، حتى ارتفع بناؤه (٣)، وقال ابن الزبير: إني سمعتُ عائشة تقول: إنّ النبي - ﷺ - قال: "لولا أنّ الناس عَهْدهم بكفر،
_________________
(١) أي كشف لي رأي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ﴾ أي: فصّلْناه وبيَّنَّاه [الاسراء: ١٠٦].
(٢) ربّما هذا ما يؤيد رواية للطبري وغيره أنه، إنما احترق بشرارة انطلقت إليه من نار كانت توقد حوله. اُنظر كتاب فقه السير ص ٨٩ فيما نقله د. البوطي عن تاريخ الطبري ٥/ ٤٩٨.
(٣) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ٩/ ٤٥٨: "المقصود بهذه الأعمدة والستور أن يستقبلها المصلّون في تلك الأيام ويعرفون موضع الكعبة"، ثم قال: "واستدل القاضي عياض بهذا لمذهب مالك في أنّ المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة" قال: وقد كان ابن عباس أشار على ابن الزبير بنحو هذا! وقال له: إنْ كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة، فقال له جابر، صلّوا إلى موضعها فهي القبلة، ومذهب الشافعي وغيره جواز الصلاة إلى أرض الكعبة ويجزيه ذلك بلا خلاف عنده سواء كان بقي منها شاخص أم لا والله أعلم".
[ ١٢٩ ]
وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه لكنتُ أدخلتُ فيه من الحِجر خَمْسَ أذرُع، ولجعلت لها بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرجون منه، قال: فأنا اليومَ أجدُ ما أُنفق، ولستُ أخاف الناس: قال: فزاد فيه خمس أذْرع من الحِجر حتى أبدى أُسًَّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء.
وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلّما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذْرُع وجعل له بابين: أحدهما يُدْخَلُ منه، والآخر يُخْرَج منه، فلمّا قُتل ابنُ الزبير كتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يُخبره بذلك، ويُخْبره أنّ ابنَ الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة.
فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزُّبير في شيء (١)، أمّا ما زاد في طوله فأَقِرَّهُ وأمّا ما زاد فيه من الحِجر فرُدّه إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه" (٢).
ومن غريب ما وجده المرمّمون عام ١٤١٧ هـ، أنّ الكشف على قواعد البيت أثبت أنها متينة قوية تصلح لحمل البيت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بعد أن وجدت أحجار تلك القواعد متداخلة تداخلًا عجيبًا دون الحاجة إلى رابط يجمع بينهما؛ لأنها في شكلها تماثل أعناق الإبل، بما يطابق الرواية التي أخرجها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن عبد الله بن الزبير يوم نقض بناء البيت، وبلغ به أساس إبراهيم.
فالبناء على تلك القواعد مضى عليه آلاف السنين دون حاجة لمؤونة تربط بين
_________________
(١) يقال لطخته أي رميته بأمرٍ قبيح.
(٢) صحيح مسلم برقم (١٣٣٣/ ٤٠٢).
[ ١٣٠ ]
أحجار الأساس ودون تصدع أو تشقق أو تراجع في قوتها، وهي كذلك بإذن الله إلى يوم يبعثون (١).
هذه هي المرات التي وقع فيها البناء بيقين، أمّا سوى ذلك فكلها أخبار يعتورها الشك والخلاف فلا يعرف مثلًا مَن بنى البيت قبل إبراهيم - ﵇ -.
يقالُ إنّ أوّل مَن بناه هم الملائكة المطهرون، ثم آدم ﵇، ثم شيث بن آدم (٢) ومن السنة ما يؤكد وجود البيت قبل إبراهيم ﵇ بدليل ما رواه البخاريُّ في صحيحه، من أنَّ الخليل لمّا ترك زوجه هاجر، وولدها إسماعيل في وادي مكة، وقفَّى راجعًا توقَّف عند ثنية (٣) حيث لا يرونه، واستقبل البيت بوجهه، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (٤).
ويؤيد هذا ما صحّ عن رسول الله - ﷺ - من حديث أبي ذَرّ - ﵁ - قال: قُلْتُ يا رسول الله أيُّ مسجد وُضع في الأرض أوّل؟ قال: "المسجد الحرام"، قال: قلتُ: ثم أيّ؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة، ثم أينما أدْركتك الصَّلاة بعد فَصَلِّه، فإنَّ الفضل فيه" (٥).
ومنذ آخر بناء للبيت، فإنَّ الكعبة تعرَّضت لطورين من الترميم بفارق زمني بينهما
_________________
(١) نفس المرجع ص ٣٦، وصحيح البخاري برقم (١٥٠٩).
(٢) اُنظر تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا د. محمد إلياس عبد الغني ص ٣٤، وقد ذكر في كتابه أن الذين بنوها بعد إبراهيم هم جُرْهم، وقُصيُّ بن كلاب، وكل ذلك لم يثبت فيه دليل يطمئن له قلبُ الباحث.
(٣) الثَّنِيَّة: هي الطريق العالي في الجبل.
(٤) صحيح البخاري برقم (٣١٨٤).
(٥) صحيح البخاري برقم (٣١٨٦).
[ ١٣١ ]
مقداره (٣٧٧) سنة، تم الأول في عهد السلطان مراد (العثماني) سنة (١٠٤٠ هـ)، وتم الثاني في عهد الملك فهد بن عبد العزيز سنة (١٤١٧ هـ) شمل الثاني تقوية كاملة للكعبة من جانب الكشف على الأساس والشاذروان والحلقات، وصقل الجدران الخارجية وسدّ الفجوات بين أحجارها وتغيير سقفي الكعبة بسقفين جديدين، وتجديد البابين الوحيدين في الكعبة، الباب الشرقيّ للكعبة وهو الظاهر للعيان، وباب التوبة على يمين الداخل إلى الكعبة؛ حيث يؤدي درج هناك إلى سطح الكعبة، وله باب يعرف بباب التوبة، وله قفل وستارة (١).
الترميم لم يتعرض لجوهر الكعبة من حيث الشكل، والارتفاع، والأبعاد وهي التي ما زالت على شأنها منذ بناء الحجَّاج لها، حيث توضحها لنا الأرقام التالية (٢):
ارتفاع الكعبة طولها من جهة الملتزم طولها من جهة الحطيم الطول بين الركنين اليماني والحطيم الطول بين الركنين اليمانيين
١٤ م ١٢.٨٤ .٢٨ .١١ .٥٢
_________________
(١) تاريخ مكة المكرمة د. عبد الغني ص ٤٢.
(٢) نفس المرجع ص ٤٩.
[ ١٣٢ ]
منظر من داخل الكعبة المشرفة
[ ١٣٣ ]
بعد هذا البيان من أمر البيت وما يرمز إليه من دعوة التوحيد، وما تشاركه فيه فريضة الحج التي تتمحور حوله في سائر مراحلها - وهو ما وعدتك التفصيل فيه - نبدأ من دعاء عرفة:
روى الإمام الترمذي في جامعه قول رسول الله - ﷺ -: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (١):
فالتوحيد هو أجلّ الغايات التي يهدف إليها الركن الخامس، وأجلاها، وهو الكنز العزيز الذي كان على الدوام موضع اهتمام الرسل والأنبياء، لذلك وجدْنا نبيَّ الله يعقوب بين أولاده وهو على فراش الموت يدلي بوصيته الأخيرة، ونصغي إليها فإذا بها دعوة للحفاظ على عقيدة التوحيد واضحة المعالم راسخة الجذور: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
إنّ الذين يتقدمون إلينا اليوم بدعوات مشبوهة تدعو للتنازل عن ثوابت عقيدتنا تحت ستار الحوار ثم يندفعون للحج إلى بيت الله الحرام، إنما يفرغون الحج من أهم مضامينه! .
عند هذه النقطة أنفتل من جديد إلى التلبية فأقول: إنّ الأمة الإسلامية في حالة إجماع على مشروعية التلبية، لكن الاختلاف عند أئمتها المجتهدين في مسألة وجوب هذه التلبية،
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٣٥٨٥).
[ ١٣٤ ]
فالإمام الشافعي ذهب إلى أنها سنة وليست شرطًا لصحة الحج ولا واجبة، فلو تركها صح حجه، وفاتته الفضيلة ولا دم عليه، وهذا أيضًا مذهب الإمام أحمد حيث ينعقد الحج عندهما بالنية بالقلب من غير لفظ كما ينعقد الصوم.
وخالف في المسألة الإمام الأكبر أبو حنيفة النعمان الذي يرى أن الحج لا ينعقد إلّا بانضمام التلبية إلى النية، أو أن يسوق الهدي مع النية، إلّا أنه أجاز ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار وكذا قال الإمام مالك: إنها واجبة ويجب بتركها دم (١).
التلبية التي أهلَّ بها رسول الله - ﷺ - هي التي رواها لنا جابر: "لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، وهذه بحرفيتها ليست ملزمة بدليل زيادة الناس في حضرة رسول الله - ﷺ - في ألفاظها بما جرى على ألسنتهم من الثناء والذكر الحسن دون أن ينكر نبيُّنا الكريم عليهم مكتفيًا - ﷺ - بما أهلَّ به ومقرًا أصحابه بما أهلُّوْا به، ومن ذلك ما رواه مسلمٌ من أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يزيد على التلبية ويقول: "لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل" (٢)، كما روي عن أنسٍ - ﵁ - قوله: "لبيك حقًا تعبدًا ورقًا"، وروي عن عمر - ﵁ - أنه كان يزيد: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن. لبيك مرهوبًا منك ومرغوبًا إليك" (٣).
اختلاف الأذكار عن الصحابة ورسول الله - ﷺ - بين ظَهْرَانَيْهِمْ، والقرآن ينزل دليل على صحة الزيادة في الذكر طالما هو ذكر في لفظه ومدلوله، وأن تخطئة الأمة فيما لو
_________________
(١) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٢٦٦، وفتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٣/ ٥١٧.
(٢) صحيح مسلم برقم (١١٨٤/ ١٩).
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي فيما نقله عن القاضي عياض ج ٨ ص ٣٣٢.
[ ١٣٥ ]
اختارت أذكارًا اشتهرت بينها مجانبة للصواب، فالأُمة منذ فجر تاريخها انتشرت بين أبنائها أدعية واستغاثاتٌ الكثير منها لم يأت بحرفية ما في الكتاب والسنة، لكنه جاء متفقًا مع ما ورد في هذين الأصلين الرئيسيين، ومستنبطًا منهما، ولم تخطّئ الأُمة علماءها وعامتها فيما صارت إليه، وعلى سبيل المثال لا الحصر الإمام النووي وهو العالم العامل الذي أجمعت الأمة على تقدمه في علوم اللغة والحديث والفقه والاجتهاد والورع ومعرفة الله تعالى، نجدُ له وردًا صحت نسبته إليه، دون أن ينكر عليه أحد.
هذا الاختلاف الثابت في الصحاح، والذي هو دليل التنوع والسعة، لا يمنعني من القول: إنَّ الاقتصار على تلبية رسول الله - ﷺ - هو المستحب عند أكثر العلماء وبه قال مالك والشافعي، والله أعلم (١).
التلبية التي هي شعار الإحرام (٢) بين حجاج بيت الله الحرام لا ترفع المرأة بها صوتًا خشية الفتنة، بل تؤديها بالصوت المنخفض، ثم بعد ذلك في حق كل من الرجل والمرأة، تستحب التلبية عند تغاير الأحوال، كالقيام والقعود، والركوب والنزول، والصعود والهبوط، وإقبال الليل والنهار، واجتماع الرفاق، وأدبار الصلوات وفي المساجد كلها (٣). قال الإمام النووي: "والأصح أنه لا يلبي في الطواف والسعي لأن لها أذكارًا مخصوصة. ويستحب أن يكرر التلبية كل مرة ثلاث مرات فأكثر، ويواليها ولا يقطعها بكلام، فإنْ سلّم عليه أحد ردَّ السلام باللفظ، ويكره السلام عليه في هذه الحال، وإذا لبَّى صلى على رسول الله - ﷺ - وسأل الله تعالى ما شاء لنفسه ولمن أحبه للمسلمين، وأفضله سؤال
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي فيما نقله عن القاضي عياض ج ٨ ص ٣٣٢.
(٢) جعل التلبية شعارًا للحج ورد في حديث حسن أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم ٢٦٢٨ و٢٦٢٩.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي، باب التلبية وصفتها ج ٨ ص ٢٦٧.
[ ١٣٦ ]
الرضوان والجنة، والاستعاذة من النار (١). وإذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبيك إنّ العيش عيش الآخرة.
ولا تزال التلبية مستحبة للحاج حتى يشرع في رميِّ جمرة العقبة يوم النحر، أو يطوف طواف الإفاضة إنْ قدمه عليها أو الحلق عند من يقول: الحلق نسك، وهو الصحيح، وتستحب للعمرة حتى يشرع في الطواف، وتستحب التلبية للمحرم مطلقًا سواء الرجل والمرأة، والمحدث والجنب والحائض لقوله - ﷺ - لعائشة ﵂: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي" (٢).
* * *
_________________
(١) قال الإمام النووي: "ويستحب أن يصلّي على النَّبيّ - ﷺ - بعد التلبية." كما ذكر استحباب التلبية عند السحر وعقب الصلاة وفي المسجد الحرام وفي كل مسجد. اُنظر شرح ابن حجر على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص ١٦٦.
(٢) اُنظر شرح الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي على صحيح مسلم بن الحجّاج ج ٨ ص ٢٦٧.
[ ١٣٧ ]