قال جابر: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتُها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليَحِلّ ولْيجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جُعْشُمْ، فقال يا رسول الله: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدةً في الأخرى وقال: دخلتِ العمرةُ في الحج مرتين لا بل لأبدٍ أبد":
من الخير أن أبدأ بتوضيح هذه الفقرة على وجه الإجمال، ثم أتبع ذلك بتسليط الضوء عليها فقهًا واستنباطًا وفوائد أخرى مستعينًا بتوفيق ربي لي متسلحًا بزاد الصبر والأناة والبحث وأقول:
نبينا محمد - ﷺ - أحرم بالحج مفردًا بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع فمنّا مَن أهلّ بعمرة ومنّا مَن أهلّ بحج وعمرة ومنّا مَن أهلّ بالحج وأهلّ رسول الله - ﷺ - بالحج " (١).
ثم شاهد رسول الله - ﷺ - من العديد من أصحابه كراهة فعل العمرة في أشهر الحج بسبب ما كانت تزعمه العرب في جاهليتها من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور يدفعها إلى هذا الافتئاتِ خوفها من انقطاع الزوّار عن البيت بانقضاء موسم
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١١/ ١١٨).
[ ٢٥٦ ]
الحج فيه مما يهدد رواج بضائعهم ويوقف إقبال الناس على مشترياتهم، فابتدعوا حرمة العمرة في الأشهر المذكورة ليضمنوا معاودة الناس للزيارة والعمرة فتنشط الحركة التجارية في أسواقهم، وهو ما أدى مع الزمن إلى ترسيخ الحرمة في قلوب العرب حتى فوجئ نبينا محمد - ﷺ - بكراهة الكثير من أصحابه لها في هذا الوقت بالذات بالرغم من أنه - ﷺ - ترك لهم القرار في اختيار صور الإحرام التي يهلّون بها، فأذن بالإهلال بالعمرة، كما أذن بالإهلال بالحج، كما أذن لمن جمع في إهلاله في أشهر الحج بهما جميعًا، ولا أدلّ على هذا من حديث سيدتنا أم المؤمنين عائشة ﵂.
رواسب الجاهلية هذه عالجتها الحكمة النبوية بشتى الوسائل التربوية التي تستأصل بخبرة المربي قناعة فاسدة دون أن تقيم في نفس صاحبها اضطرابًا يدفعه إلى خطأ أكبر منه.
البداية كانت من الذي ذكرت لك، فأول ما هزّ به النبي - ﷺ - المتأثرين ببعض أتربة الماضي المتراكمة تلك الإباحة التي أجاز بها إحرام المحرم بما شاء في أشهر الحج سواء أتى بالحج مفردًا أو قرنه بالعمرة التي أحرم بها معه، أو اقتصر فيها على العمرة وحدها.
الخطوة التالية كانت في ذي الحليفة من وادي العقيق ويومها قال - ﷺ - إنّ جبريل - ﵇ - قال له: "صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة" (١).
ولمّا لم تقف المسألة عند هذا الحد ولمّا لم يكف لها ما وضعه رسول الله - ﷺ - من جُرعة فقد انتقلت بنا حكمة نبينا صلوات الله وسلامه عليه إلى مرحلة متقدمة من العلاج النافع
_________________
(١) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٠٣ وانظر صحيح البخاري برقم (١٤٦١) وتتمته أن عمر - ﵁ - قال سمعت النّبيّ - ﷺ - بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربي فقال صلِّ في هذا الوادي المبارك ".
[ ٢٥٧ ]
بعد أن تبين أنه ما يزال في نفوس بعض الصحابة كراهية أداء العمرة في هذه الأشهر على خلفية قناعات مضت عليها سنون وسنون، وتعاقب عليها أجيال وأجيال، فما كان من أمير هذه القافلة الكريمة إلّا أن توجه إلى أصحابه بعد دنوهم من مكة في مكان معروف يقال له سَرِف بمناداتهم: "ومن كان معه هدي فليهلل بالحج مع عمرته ثم لا يحلُّ حتى يحلَّ منهما جميعًا" (١).
هذا ما دعا إليه النبي - ﷺ - أصحابه بتخيير دون عزيمة، ثم انتظرهم حتى دخلوا مكة وطافوا حول بيتها الحرام ثم سعوا جميعًا بين الصفا والمروة حتى انتهى بهم المطاف إلى جبل المروة، ولم يبق أمام من أحرم بعمرة إلّا التحلل بركن الحلق أو التقصير وحينئذ خاطب جماهير الصحابة بعزم أوحاه الله إليه لا تردد فيه ولا إهمال وفيه قال:
"لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة":
إنه التلطف والتحبب الذي كان يسوس به رسول الله به أصحابه لذلك أدخل على مسمع من أصحابه العمرة على الحج فصار به قارنًا وبهذا أتى بالعمرة في أشهر الحج، ثم علل لهم أنه لو لم يسق الهدي لفسخ حجه إلى عمرة على النحو الذي أتى على ذكره جابر في حديثه. كما أخبر - ﷺ - أصحابه الكرام أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لما ساق الهدي ولجعل حجه عمرة تأكيدًا منه على جوازها في هذا الوقت بالذات من السنة الهجرية، وتصميمًا على اقتلاع عادة جاهلية لا تمت إلى شرع الله بصلة وهو الذي قدّم فيه رسول الله - ﷺ - شتى الوسائل وبألوان البيان والتربية، وهو ما جعل عبارته المباركة تقطر
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١١/ ١١٣).
[ ٢٥٨ ]
حبًا ومواساة لجيل ما زال الكثير من شرائحه حديثي عهد بالإسلام، وما زالت فريضة الركن الخامس غريبة عنهم مقارنة بما ألفوه من موروثات الجاهلية فيما اعتقدوه أنه ملة إبراهيم وحجه، وهو ما تحكيه لنا الرواية الأخرى التي يسردها على مسامعنا جابر بن عبد الله بقوله: "فقام النبي - ﷺ - فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرّكم، ولولا هديي لحللت كما تَحِلّون " (١).
ولم لا يواجههم - ﷺ - بهذه الحقيقة وهي من جوهر الحج ونسيجه، وعائشة تروي دخوله - ﷺ - عليها لأَربع أو خمسٍ مضين من ذي الحجة وهو غضبان فتقول: "من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. قال: "أو ما شعرْتِ أنيّ أمرتُ الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهَدْيَ معي حتى أشتريَهُ ثم أحلّ كما حَلُّوْا" (٢).
بعد هذه المراحل المتلاحقة المتماسكة تثمر تربية سيد الناس في قيادته لأعظم فوج حج في العالمين، وتؤتي أكلها لتزكية نفوس طالما تشبعت في أيام جاهليتها بالتبعية المطلقة لخط الآباء والأجداد دون دراية أو تمحيص في جو من الجفاف والقسوة أثّر بعمق في شخصية المسلمين في جزيرة العرب إلّا أن الإسلام أخرج من هؤلاء نشئًا آخر حوّل خُطى التقليد بغير هدى إلى خطى اتباع للعلم وإلى انفتاح ببصيرة تعمل معها عين العقل والقلب والرأس مجتمعات لذلك ما كان لهذه الانعطافة الحاسمة في حياة الصحابة أن تفلح لولا الإيمان الراسخ بالله، واليقين الصادق بنبوة رسول الله - ﷺ -، والحب الذي ملأ قلوبهم لنبيهم محمد ﵊ الذي جعل منهم أخيرًا قادة الدنيا وسادتها
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٦/ ١٤١).
(٢) صحيح مسلم برقم (١٢١١/ ١٣٠).
[ ٢٥٩ ]
وحملة لواء الرحمة للعالمين وهم الذين كانوا من قبل يئدون بناتهم بأيديهم وهنّ على قيد الحياة!
نعم لولا الإسلام العظيم بمنهاجه القويم، ولولا المربي الأحكم، والنبي الأعظم الذي يتراجع علماء التربية والنفس متواضعين بين يدي جلال منهجه ومقصده ونتائجه لما استئصلت عادة مستحكمة في تلك النفوس القاسية.
أجل لقد كان عملًا عظيمًا كُلِّلَ بالنجاح. كيف لا، وجابر يصوّر لنا مايجلي للناس طبيعة الموقف ذاك بقوله: "فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ - فما ندري: أشيء بلغه من السماء أم شيء بلغه من قبل الناس؟ فقال: أيها الناس أَحِلّوا فلولا الهديُ الذي معي فَعَلْتُ كما فَعلتُمْ" (١).
هذا التدرج في علاج المعضلة المستحكمة ختمه رسول الله - ﷺ - كما مر - بما عزم به (٢) على أصحابه في صبح رابعة من ذي الحجة أن يتحللوا ويصيبوا النساء فامتثلوا لندائه وبذلك أثمرت حكمته التربوية - ﷺ - إذْعَانًا تامًا يستند إلى الإيمان والحب والحوار والخبرة في مخاطبة النفوس وترويضها مهما بلغ تمسكها برأيها، ولا أدل على هذا من الذي جاء في الرواية الأخرى التي يرويها لنا مسلم عن جابر قال: "فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال" (٣). وكذا قوله: "فقلنا لمّا لم يكن بيننا وبين عرفة خمس أمرنا أن نُفضي إلى
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٦/ ١٤٢).
(٢) صحيح مسلم برقم (١٢١٦/ ١٤١): قال: "حِلُّوا وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم". قال النووي: معناه لم يعزم عليهم في وطء النساء بل أباحه ولم يوجبْه أما الإحلال فعزم فيه على من لم يكن معه هدي ٨/ ٣٢٤.
(٣) صحيح مسلم برقم (١٢١٦/ ١٤٢).
[ ٢٦٠ ]
نسائنا فنأتيَ عرفة تقطر مذاكيرنا المنيَّ" (١). قال الإمام النووي: "هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء" (٢).
وبالفعل فقد اغتنموا فرصة الأيام الحلال ليستمتعوا بوطء نسائهم مع أن النبي - ﷺ - لم يعزم عليهم بوطء النساء بل أباحه لهم فقط، وإنما عزم عليهم في الإحلال من الإحرام لمن لم يسق الهدي. كل هذا أبرز الانسجام التام بين هؤلاء الغرِّ الميامين وقائد حملتهم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
قال الإمام النووي فيما نقله عن القاضي عياض بما يشير إلى جانب مما ذكرت: "قال القاضي عياض ﵀: الذي تدل عليه نصوص الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبي - ﷺ - إنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بِسَرِف كما جاء في رواية عائشة أو بعد طوافه بالبيت وسعيه كما جاء في رواية جابر ويحتمل تكرار الأمر لذلك في الموضعين (٣) وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة" (٤).
ثم قال إمامنا النووي في موضع آخر: "قال العلماء خّيرهم أولًا بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناسًا بالعمرة في أشهر الحج؛ لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخ وأمرهم به أمر عزيمة، وألزمهم إياه، وكره ترددهم في قبول ذلك،
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٦/ ١٤١).
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٢٤.
(٣) الرأي الذي يذهب إلى تكرار قول رسول الله - ﷺ - لأصحابه بأن يحلوا من إحرامهم مَنْ لم يسق الهدي هو الذي أَعَتمِدْهُ في هذا البحث فيما سبق من بيان.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٠٦ باب بيان وجوه الإحرام بيان حج الحائض.
[ ٢٦١ ]
ثم قبلوه وفعلوه إلّا من كان معه هدي والله أعلم" (١).
المبادرة إلى امتثال أمر رسول الله - ﷺ - لم تمنع بعض الصحابة من الاستيضاح أكثر فهذا سراقة بن مالك بن جُعْشُم يسأل: هل فعلُ العمرة في أشهر الحج خاص بهذا العام أو هو للأبد؟ ويجيبه حبيبنا محمد - ﷺ - بأن حكم الجواز باق إلى قيام الساعة وهي المسألة التي وعدتك فيها بمزيد من التفصيل فإليك منه ما يسكبه الباري ﷿ في حبر قلمي من فيض وفتح:
أولًا: قوله: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: ": في هذا الكلام مسألتان:
إحداها: دلالته على مذهب الشافعي والجمهور من أن السعي يبدأ بالصفا وينتهي آخرًا بالمروة وتحسب المسافة بين جبليهما شوطًا وهكذا إلى سبعة أشواط والدليل أن ختام الأشواط السبعة كان على المروة (٢).
الأخرى: أن العمرة تستكمل بالطواف والسعي ويتم التحلل منها بالحلق أو التقصير.
الدليل قول السيدة عائشة ﵂: "فأما مَن أهلّ بالعمرة فأَحَلُّوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة" (٣).
كما يؤيده ما أخبر به جابر عن النبي - ﷺ - في أمره لمن نوى الحج من أصحابه ولم يسق الهدي أن يتحلل بعمرة: "أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة،
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣١٣ باب بيان وجوه الإحرام: تحلل المعتمر المتمتع.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٠٣ باب بيان وجوه الإحرام.
(٣) صحيح مسلم برقم (١٢١١/ ١١٨).
[ ٢٦٢ ]
وقصّروا وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم متعة" فقالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ فقال - ﷺ -: افعلوا ما أمرتكم ولكن لا يَحِلُّ منّي حرام قبل أن يبلغ الهدي محله ففعلوا" (١).
وكذلك قوله - ﷺ - الذي رواه جابر: "فمن كان منكم ليس معه هدي فليَحِلَّ ولْيجعلها عمرة" (٢).
لقد أُمروا بالتحلل من عمرتهم بالطواف والسعي والتقصير فدل على أن الطواف وحده، أو دخول الحرم بعد الإحرام بعمرة أو الطواف وبعض السعي لا يجيز لصاحبه التحلل من عمرته بما ذكر ما لم يطف ويسع.
هذا وقد اختار مَنْ تحلّل من الصحابة الكرام من عمرتهم التقصير دون الحلق مع أن الأخير هو الأفضل؛ لأنهم سيحرمون بعد أيام (يوم التروية بالتحديد) بالحج وحينئذ سيتحللون منه بالحلق، فهم لذلك بحاجة لأن يبقى لهم شعر يتحللون به من فريضة الركن الخامس (٣).
وبمناسبة ذكر العمرة فإنني أعرج على أهم أحكامها:
فهي أولًا فريضةٌ عند الشافعية والحنبلية والأدلة كثيرة وأقتصر منها هنا على ما ذكره أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حين قال: "واستدل القائلون بفرضية العمرة بما وقع في حديث عمر في سؤال جبريل - ﵇ -: "وأن تحج وتعتمر" أخرجه بهذه الزياده
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٦/ ١٤٣).
(٢) صحيح مسلم برقم (١٢١٨/ ١٤٧).
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٣٦.
[ ٢٦٣ ]
الدارقطني" (١).
وهي ثانيًا ذات خمسة أركان: إحرام وطواف وسعي وتحلل بإزالة الشعر حلقًا أو تقصيرًا وترتيب بين هذه الأركان وفق النسق المذكور.
وهي ذات ميقات زماني هو السَّنَةُ كلّها (٢)، فجميع السنة دون استثناء وقت لإحرام العمرة ووقت لجميع أفعالها، لكن قال الإمام الرملي من الشافعية: "وهي في يوم عرفة والعيد وأيام التشريق ليست كفضلها في غيرها؛ لأن الأفضل فعل الحج فيها" (٣).
وهي كذلك ذات ميقات مكاني، وميقاتها هو عين ميقات الحج لمن قدم إلى مكة، أمّا من كان بمكة أو حرمها فميقاته للعمرة أن يخرج إلى أدنى الحل إلى التنعيم أو الجعرانة أو الحديبية أو عرفة، أو ما شابه ذلك من حدود الحرم المكي من الحل المحاذي للحرم فيحرم المسلم بذلك من هناك، وأما من كانت إقامته في منطقة المواقيت أي بين الحرم والميقات من أي الجهات كان ذلك فإحرامه من حيث منزله أي من حيث أنشأ من القرية أو البلدة التي يسكنها (٤).
وفي ختام هذه الفقرة فإنني أشير إلى أنه يبدو لي من دراستي التي سبرت فيها ما
_________________
(١) كما قال في حاشيته: "وقال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح". اُنظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر الباب الخامس في العمرة ص ١٣٠.
(٢) وقال الحنفية تكره تحريمًا يوم عرفة وأربعة أيام بعده (أي يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة) حتى يجب الدم على من فعلها في ذلك الوقت عندهم؛ لأن هذه الأيام مشغولة بالحجّ والعمرةُ تشغلهم عن ذلك، ولحديث أخرجه البيهقي. اُنظر نفس المرجع ص ١٣١.
(٣) نفس المرجع والصفحة.
(٤) أما عند المالكية فيُحرِم من مسجده أو من داره لا غير وعند الحنفية ميقاته الحل كله. اُنظر نفس المرجع والصفحة.
[ ٢٦٤ ]
وقع تحت يدي من نصوص الفقهاء أن العمرة لا تفسخ إلى الحج؛ لأنه لم يَرِد في ذلك شيء، ولأن السيدة عائشة عندما أتتها الحيضة وأدركت أنها لن تتحلل منها قبل يوم عرفة لم يأمرها النبي - ﷺ - أن تفسخ عمرتها إلى حج، وإنما وجهها إلى أن تدخل الحج على العمرة فتصير بذلك قارنة؛ ولأننا - كما مر من كلام عائشة وغيرها - لا نخرج من العمرة إلّا بالتحلل منها حلقًا أو تقصيرًا بعد إتمام سائر الأركان، هذا والله تعالى أعلم.
ثانيًا: قول جابر في الفقرة السابقة:
"فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرتُ لم أسق الهدْيَ وجعلْتُها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فليحل وليجعلها عمرة":
عبارة خاطب بها رسول الله - ﷺ - أصحابه، أمر من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ إهلاله بالحج إلى عمرة رجاء تأصيل حكم جديد في مستودع عقولهم وعاطفتهم وثقافتهم (١) وهي العلة التي لم تعد قائمة في الأجيال التي تلتهم إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة مماجعل الخلاف الفقهي يسري إلى هذه الجزئية حيث فهم من هذا جمهور العلماء من الشافعية والحنفية والمالكية الخصوصية بأصحاب رسول الله - ﷺ - فارتفع مما بينهم حاجز التهيب لفعل العمرة في أشهر الحج بعد أن فسخوا حجهم إلى عمرة فاقتدى بهم من بعدهم في إباحة العمرة في أشهر الحج.
الأدلة على هذا كثيرة منها ما ورد عن كثير من الصحابة أن الفسخ كان خاصًا
_________________
(١) من المعروف أن قريشًا كانت تخشى أن يقتصر وفود الناس على مكة على أشهر الحج فتقع في حضيض الفقر والفاقة وهي التي تقوم حياتها على مواسم الوفود القادمين إلى بيت الله لذلك أشاعت تحريم العمرة في أشهر الحج حتى تستجرهم إلى مكة على مدار العام ومع الأيام غدت تلك الشائعة لب عقيدتهم في تحريم ما أحل الله حتى أخرجهم من ظلماتها نورُ الإسلام على يد الهادي محمد - ﷺ -.
[ ٢٦٥ ]
بأصحاب النبي - ﷺ -. قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حفظه الله: "قد ثبت بالأسانيد الصحيحة عن كثير من كبار الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصة لأصحاب النبي - ﷺ - في ذلك العام" (١).
أجل كان العمل يومها يحمل دمغة الخصوصية التي تمنع أن يتعدى مداه إلى غيره فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر - ﵁ - قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - ﷺ - خاصة" (٢).
وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي ذر أيضًا: "كانت لنا رخصة" (٣).
وفي رواية ثالثة عنه كذلك: "إنما كانت لنا خاصة دونكم" (٤)، وفي رابعة عن أبي ذر: "لا تصلح المتعتان إلّا لنا خاصة يعني: متعة النساء ومتعة الحج" (٥).
وقال الفاروق عمر بن الخطاب - ﵁ -: "متعتان على عهد رسول الله - ﷺ - أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء (٦) ومتعة الحج" (٧).
وقال سيدنا عثمان بن عفان - ﵁ -: "متعة الحج كانت لنا وليست لكم" (٨).
وروى النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: "فسخ الحج
_________________
(١) دراسات تطبيقية في الحديث النبوي للدكتور نور الدين عتر قسم المعاملات فصل تحلل المعتمر ومسألة فسخ الحج ص ٧٠ - ٧١.
(٢) أخرجه مسلم في باب جواز التمتع وأنها كانت خاصة بأصحاب رسول الله - ﷺ - برقم (١٢٢٤/ ١٦٠).
(٣) في نفس المرجع برقم (١٢٢٤/ ١٦١).
(٤) نفس المرجع برقم (١٢٢٤/ ١٦٣).
(٥) نفس المرجع برقم (١٢٢٤/ ١٦٢).
(٦) أي زواج المتعة.
(٧) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي ٣/ ٢٢٠١.
(٨) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي ٣/ ٢٢٠١، وصحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٢٧.
[ ٢٦٦ ]
لنا خاصة أم للناس عامة. فقال بل لنا خاصة" (١).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ!﴾ [البقرة: ١٩٦] والفسخ كما قال جمهور العلماء هو ضد الإتمام ويتنافى معه.
وقالت طائفة من العلماء: فسخ الحج إلى العمرة باق إلى يوم القيامة. قال الإمام النووي في معرض بيانه لمذهب الجمهور ومخالفيهم في هذه المسألة:
"فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًا بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه إلى عمرة ويتحلل بأعمالها" (٢).
كما قال إمامنا النووي:
"وقوله - ﷺ -: ارفضي عمرتك ليس معناه إبطالها بالكلية والخروج منها فإن العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج وإنما يخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما بل معناه ارفضي العمل فيها وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس فأمرها - ﷺ - بالإعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم فتصير قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها إلّا الطواف فتؤخره حتى تطهر وكذلك فعلت " (٣).
ثالثا: قول جابر في الفقرة السابقة: فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد":
فيه أن العمرة دخلت في الحج مرتين وهو ما تكرر في رواية أخرى أخرجها الإمام
_________________
(١) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي ٣/ ٢٢٠١، وصحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٢٧.
(٢) دراسات تطبيقية في الحديث النبوي د. نور الدين عتر ص ٧٠.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٠٥ باب من كان معه الهدي فليهلل بالحج مع عمرته.
[ ٢٦٧ ]
مسلم عن جابر فيها أن سراقة سَئَلَ ذلك بعد أن قال رسول الله - ﷺ - لسيدنا عليّ بن أبي طالب: فَأَهْدِ وامكُثْ حرامًا، وليس فيها: بل لأبد أبد وإنما فقط، فقال: لأبد (١).
فما معنى دخلت العمرة في الحج مرتين؟
جمهور العلماء على أن المراد جواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة وهو ما يتناسب مع الفقرات السابقة من كلام جابر نقلًا عن رسول الله - ﷺ -، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أمر من لم يسق الهدي أن يجعل حجه عمرة، أما هو - ﷺ - فقد أدخل العمرة على الحج. كل هذا من باب النبذ لعادة الجاهليين في تحريم العمرة في أشهر الحج، فلما قام سراقة مستفسرًا عن دخول العمرة في أشهر الحج وجواز فعلها في تلك الأشهر هل هو خاص بهذا العام أو هو حكم باق إلى يوم القيامة؟ أجابه رسول الله - ﷺ - بل لأبد أبد، أي أبطل الشرع ما كانت تزعمه العرب في جاهليتها وأجاز فعل العمرة في أشهر الحج إجازة سارية من عصر محمد - ﷺ - إلى ما بعده لا خصوصية فيها حتى يرث الله الأرض وما عليها. هذا ما نقله الإمام النووي عن جماهير العلماء أما القول الثاني الذي ذكره فهو أن المقصود جواز القران إلى يوم القيامة حيث تدخل أعمال العمرة في أعمال الحج في نُسك واحد (٢).
ويبدو لي أن قوله - ﷺ - (مرتين) لا يقصد منه التثنية وإنّما التكرار فالمرة الأولى عندما شرعها رسول الله - ﷺ - بين أصحابه والثانية عندما تستجيب له أمته في كل حج قادم والله تعالى أعلم.
وبمناسبة القول الثاني وهو إدخال العمرة على الحج فقد اختلف فيه العلماء، فمن
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٦/ ١٤١).
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي باب بيان وجوه الإحرام تحلل المعتمر المتمتع ٨/ ٣٢٦.
[ ٢٦٨ ]
جوّزه - وهم أصحاب الرأي - استدلوا عليه بفعل رسول الله - ﷺ -، وما أمر به أصحابه ممن ساق الهدي، أما من منعه فقد جعلوا الأحاديث الواردة في المسألة خاصة بالنبي - ﷺ - وأصحابه بسبب الضرورة التي أدت إلى ذلك وهو ما تؤكده شتى القرائن الواضحة والثابتة. هذا والله تعالى أعلم (١).
أما العكس وهو إدخال الحج على العمرة فقد اتفق جمهور العلماء على إجازته. قال الإمام النووي: "وقد شذ بعض الناس فمنعه، وقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة" (٢).
وقد اشترط جمهور الفقهاء في صحة هذا الإدخال أن يقع قبل الشروع في طواف العمرة؛ لأنه بالطواف يصير شارعًا في التحلل من عمرته فلم يجز إدخال شيء عليها، وهو إذا لم يشرع بطوافه فدليل جوازه فعل ابن عمر الذي أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحج حيث جمعه بها ثم قال: "هكذا صنع النبي - ﷺ - ". (٣)
هذا الإدخال يجعل المحرم قارنًا بلا خلاف لكن اشترط الحنفية زيادة على مذهب الجمهور أن يُدخله قبل إتمام أربعة أشواط؛ لأن الأربعة عندهم تكفي في صحة الطواف؛ لأنها أكثر الطواف (٤).
قال الحنفية: إضافة إحرام العمرة إلى إحرام الحج جناية توجب الدم، أما إضافة
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي باب بيان وجوه الإحرام ٨/ ٣٠٣.
(٢) نفس المرجع والباب والصفحة.
(٣) الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي، وفي تقديري من الأدلة فعل السيدة عائشة حين أدخلت الحج على العمرة يوم حاضت على أبواب مكة المكرمة.
(٤) نفس المرجع والجزء والصفحة.
[ ٢٦٩ ]
إحرام الحج إلى إحرام العمرة فجائز لا جناية فيه (١).
وقال الحنفية أيضا: من فرغ من أداء عمرته ولم يبقَ عليه إلّا أن يتحلل بالحلق فأحرم بعمرة أخرى جاز مع الكراهة؛ لأن الجمع بين إحرامين في العمرة مكروه.
وقالوا: يلزمه دم باتفاق جمهورهم؛ لأن الإحرام بالعمرة الثانية يدخل وقته بعد الحلق والتحلّل من الأولى، ولم يحصل ذلك فوجب عليه لمخالفته هذه وأيضًا بسبب جمعه بين إحرامي عمرة معًا (٢).
* * *
_________________
(١) نفس المرجع والجزء ص ٢١٩٦.
(٢) نفس المرجع والجزء ص ٢١٩٨.
[ ٢٧٠ ]