"إنما يثبت حُكمه بخمس رضعات"لحديث عائشة عند مسلم وغيره "أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نُسخ بخمس رضعات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن"وللحديث طرق ثابتة في الصحيح ولا يخالفه حديث عائشة "أن النبي ﷺ قال: لا تحرم المصة ولا المصتان"أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن وكذلك حديث أم الفضل عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان والمصة والمصتان "وفي لفظ "لا تحرم الإ ملاجة١ ولا الإملاجتان" وأخرج نحوه أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير لأن غاية ما في هذه الأحاديث أن المصة والمصتين والرضعة والرضعتين والإملاجة والإملاجتين لا يحرمن وهذا هو معنى الأحاديث منطوقا وهو لا يخالف حديث الخمس الرضعات لأنها تدل على أن ما دون
_________________
(١) ١هي الرضاعة الواحدة مثل المصة. وفي القاموس "ملج الصبي أمه كنصر وسمع تناول ثيدها بأدني فمه.
[ ٢ / ٨٤ ]
الخمس لا يحرم. وأما معنى هذه الأحاديث مفهوما وهو أنه يحرم ما زاد على الرضعة والرضعتين فمدفوع بحديث الخمس وهي مشتملة على زيادة فوجب قبولها والعمل بها ولا سيما عند القول من يقول: إن بناء الفعل على المنكر يفيد التخصيص والرضعة هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى يتركه باختياره لغير عارض وقد ذهب إلى اعتبار الخمس ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأحمد واسحق وابن حزم وجماعة من أهل العلم وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يتقضي التحريم وإن قل قال في المسوى: ذهب الشافعي إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس رضعات متفرقات وذهب أكثر الفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم وقال بعضهم: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لقوله ﷺ "لا تحرم المصة ولا المصتان" ويحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات وهو قول شاذ والظاهر أن عائشة وحفصة إنما كانتا تذهبان إلى عشر رضعات تورعا وتشفيا للخاطر لا من جهة حكم الشرع كما ذكرنا في لبن الفحل قال البغوي: قوله عائشة "فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن "أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله ﷺ حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرأ على الرسم الأول لأن النسخ لا يتصور بعد رسول الله ﷺ ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة كالرجم في الزنا حكمه باق مع ارتفاع التلاوة في القرآن أو أن الحكم يثبت بأخبار الآحاد ويجب العمل به والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد فلم يجز كتبه بين الدفتين انتهى وتمامه في كتابنا أفاد الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ فليرجع إليه.أقول: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في هذه المسألة اختلافا كثيرا وكذلك اختلفت المذاهب ونحن نعرفك بما هو الحق الذي يجتمع فيه جميع الأدلة فنقول: أما ما ورد من الرضاع مطلقا من دون تقييد بعدد فالأحاديث الواردة بذكر العدد تفيد تقييده كما هو شأن المطلق والمقيد: وقد أفاد حديث "لا تحرم المصة والمصتان والإملاجة والإملاجتان " وحديث "لا تحرم الرضعة الواحدة" أن الرضعة والرضعتين لا تحرمان فلو لم يرد إلا هذا لكانت
[ ٢ / ٨٥ ]
الثلاث مقتضية للتحريم ولكنه ثبت في الصحيح عن عائشة أنها قالت: "عشر رضعات معلومات يحرمن"ثم قالت: "خمس رضعات معلومات يحرمن"وصرحت بأن العشر منسوخة بالخمس وصرحت أيضا بأنه "توفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن"وليس من شرط القرآن تواتر النقل على ما هو الحق ولو سلم ذلك فالقراءة الآحادية منزّلة منزلة أخبار الآحاد ولكن ههنا إشكال وهو أن حديث "لا تحرم المصة والمصتان" دل بمفهوم العدد على أن الثلاث والأربع يثبت بهما التحريم وحديث الخمس دل بمفهومه على أنهما لا يحرمان وأقول: قد تقرر في علم المعاني والبيان أن الإخبار بالفعل المضارع يفيد الحصر وصرح بذلك الزمخشري في الكشاف ولا سيما إذا بني الفعل على المنكر كما هو مقرر في مواطنه فيكون قد انضم إلى مفهوم العدد في الخمس مفهوم الحصر فلا يثبت التحريم بدونها ويؤيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ حديث سهلة بنت سهيل "أنه ﷺ قال: "أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه" وهذا التركيب في قوة إن ترضعيه خمسا تحرمي عليه فانضم إلى مفهومي العدد والحصر مفهوم الشرط وكما تصلح هذه الأدلة لتقييد مطلق القرآن تصلح أيضا لتقييد حديث "الرضاع ما أنبث اللحم وأنشر العظم" وحديث "الرضاعة من المجاعة" على فرضه أن الرضعة والرضعتين تنبت اللحم فيكون المراد أن المقتضي للتحريم من الرضاع الذي ينبت اللحم والذي في زمن المجاعة هو ما كان على صفة مخصوصة وهي خمس رضعات هذا تقرير الاستدلال على وجه تجتمع فيه الأدلة وأما الجواب عن الوجوه التي ذكروها في دفع ما ذكرناه من الأدلة فقد بسطه الماتن ﵀ في وبل الغمام حاشية شفاء الأوام فمن شاء الاطلاع على ذلك فليراجعه "مع تيقن وجود اللبن"لأنه سبب ثبوت حكم الرضاع فلو لم يكن وجوده معلوما وارتضاع الصبي منه معلوما لم يكن لإ ثبات حكم الرضاع وجه مسوغ. قال في الحجة البالغة: يعتبر في الإرضاع شيئان: أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى فكان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات والثاني أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبّح صورة الولد وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبّح وقيام الهيكل كالشاب يأكل الخبز انتهى.
[ ٢ / ٨٦ ]
"وكون الرضيع قبل الفطام"لحديث أم سلمة عند الترمذي وصححه والحاكم وصححه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:"لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي وابن عدي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لارضاع إلا ما كان في الحولين" وقد صحح البيهقي وقفه ورجحه ابن عدي وابن كثير وأخرج أبو داود الطيالسي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام" وقد قال المنذري إنه لا يثبت وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: "لما دخل علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعندي رجل فقال: من هذا قلت: أخي من الرضاعة قال: يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة" "ويحرم به ما يحرم بالنسب"قد تقدم الاستدلال عليه فيمن يحرم نكاحه من كتاب النكاح من أم وأخت وغيرهما"ويقبل قول المرضعة"لما أخرجه البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحرث "أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني: قال: فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما فنهاه"وفي لفظ "دعها عنك" وهو في الصحيح وفي لفظ آخر "كيف وقد قيل ففارقها عقبة" وقد ذهب إلى ذلك عثمان وابن عباس والزهري والحسن واسحق والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وروي عن مالك وأما دفع الحجة بأنها شهدت على تقرير فعلها فهذه قاعدة فقهية لم يرد بها كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا الحديث أول حجة يبطلها فكيف يكون الأمر بالعكس وحسبنا الله ونعم الوكيل
"ويجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر"لحديث زينب بنت أم سلمة قال: "قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك هذا الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي فقالت عائشة: مالك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يارسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه فقال رسول الله ﷺ: أرضعيه حتى يدخل عليك" أخرجه مسلم وغيره وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضا وقد روى هذا الحديث من
[ ٢ / ٨٧ ]
الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب بنت أم سلمة ورواه من التابعين جماعة كثيرة ثم رواه عنهم الجمع الجم وقد ذهب إلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وداود الظاهري وابن حزم وهو الحق وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك قال ابن القيم: أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة ولم يأخذ به أكثر أهل العلم وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه: أحدها: كثرتها وإنفراد حديث سالم والثاني: أن جميع أزواج النبي ﷺ سوى عائشة في شق المنع الثالث: أنه أحوط الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده ولهذا لم يجيء ذلك إلا في قصته السادس: "أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة وعندها رجل قاعد فاشتد عليه وغضب فقال: إنه أخي من الرضاعة فقال: انظرن من إخوانكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه واللفظ لمسلم وفي قصة سالم مسلك وهو أن هذا كان موضع حاجة فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه ولم يكن لنه منه ومن الدخول على أهله بد فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد ولعل هذا المسلك أقوى المسالك وإليه كان شيخنا يجنح والله تعالى أعلم انتهى.
أقول: الحاصل أن الحديث المتقدم صحيح وقد رواه الجم الغفير عن الجم الغفير سلفا عن خلف ولم يقدح فيه من رجال هذا الشأن أحد وغاية ما قاله من يخالفه أنه ربما كان منسوخا ويجاب بأنه لو كان منسوخا لوقع الاحتجاج على عائشة بذلك ولم ينقل أنه قال قائل به مع اشتهار الخلاف بين الصحابة وأما الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إلا في الحولين وقبل الفطام فمع كونها فيها مقال لا معارضة بينها وبين رضاع سالم لأنها عامة وهذا خاص والخاص مقدم على العام ولكنه يختص بمن عرض له من الحاجة إلى إرضاع الكبير ماعرض لأبي حذيفة وزوجته سهلة فإن سالما لما كان لهما كالابن وكان في البيت الذي هما فيه وفي الاحتجاب مشقة عليهما رخص ﷺ في الرضاع على تلك الصفة فيكون رخصة لمن كان كذلك وهذا لا محيص عنه قال في المسوى: يجب إحياء المولود بالإرضاع حولين كاملين إلا إذا اجتمع رأي الوالدين
[ ٢ / ٨٨ ]
عن تشاور منهما على أن الفطام لا يضره فحينئذ يجوز الفطام قبل الحولين والمرضع يجوز أن تكون الوالدة أو الظئر المسترضعة فإن لم تتيسر المسترضعة أو لم يقدر الوالد على استئجارها تعينت الوالدة فإن أرضعت الوالدة فليس لها إلا النفقة والكسوة بالمعروف مما كان بسبب الزوجية وإن أرضعت الظئر فلها أجرها قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ قلت: الظاهر أن الوالدات تعم المطلقات وغيرها وقيل: تختص بالمطلقات لأن سياق الآية في قصة المطلقات. أقول: وحينئذ يؤخذ حكم غير المطلقات بالأولى وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ يدل على أن الوالدة ما دامت زوجة أو معتدة لا تستحق الأجر وعليه أبو حنيفة وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ المراد منه وارث الأب وهو الصبي أي مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب قوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ يعني قبل الحولين قوله: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ أي المراضع أولادكم أي تأخذوا مراضع لأولادكم قوله: ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ أي ما أردتم إيتاءه كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ انتهى
[ ٢ / ٨٩ ]