تحرير محل النزاع:
اتفق الأئمة الأربعة على أن الأفضل أن يكون المأموم عن يمين الإمام إن كان فردًا، أو خلفه إن كانوا أكثر من ذلك (^١)، واتفقوا على أن مساواة المأموم للإمام لا تبطل الصلاة (^٢)، واختلفوا في حكم صلاة المأموم أمام الإمام هل تصح أم لا؟
القول الأول: أنَّ صلاته لا تصح، وهو مذهب الجمهور (^٣).
القول الثاني: أن صلاته صحيحة مع الكراهة، فإن كان التقدُّم من ضرورة فلا كراهة، وهو مذهب المالكيَّة (^٤).
_________________
(١) انظر: الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ١٤٧)، المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٩٠)، المبدع في شرح المقنع (٢/ ٩٠).
(٢) انظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٩٠).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٤٣)، البناية شرح الهداية (٣/ ٢٨٥)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٥٥١)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٤١)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٢/ ٤٠٠)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج، الشرح الكبير على المقنع (٤/ ٤١٨)، المبدع في شرح المقنع (٢/ ٩٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٧٩).
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٧٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٥٨)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٢٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٣٣١).
[ ٢٣٢ ]
ويظهر في هذا الفرع أن الجمهور -ومنهم الشافعيَّة- أضيق من المالكيَّة، ووجه استثناء هذه الصورة من أصل التوسع عند الشافعيَّة يرجع -والله أعلم- إلى أمور:
الأمر الأول: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» متفق عليه (^١).
ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الائتمام اتِّباع، «والمتقدم غير تابع» (^٢).
الأمر الثاني: أنه لم ينقل التقدم على الإمام عن أحد من المقتدين بالنبي ﷺ أو بخلفائه ﵃ (^٣).
الأمر الثالث: أن التقدم على الإمام فيه مخالفة شديدة، ومخالفة الإمام في الأفعال تبطل به الصلاة، وهذه المخالفة أشد (^٤).
قال الخطيب الشربيني: «فإن تقدم عليه في أثناء صلاته بطلت في الجديد أو عند التحرُّم لم تنعقد؛ كالتقدم بتكبيرة الإحرام؛ قياسًا للمكان على الزمان؛ ولأن المخالفة في الأفعال مبطلة، وهذه المخالفة أفحش» (^٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٣٦٨)، المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٥٣).
(٣) انظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ٢٢١)، فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان (ص: ٣٥٧). فائدة: جاء في المدونة (١/ ١٧٥) قول مالك: «بلغني أنَّ دارًا لآل عمر بن الخطاب، وهي أمام القبلة كانوا يصلون بصلاة الإمام فيها فيما مضى من الزمان».
(٤) العزيز شرح الوجيز (٢/ ١٧٢)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٢/ ٣٠١).
(٥) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٤٩٠) بتصرف.
[ ٢٣٣ ]
فهذه الأمور الثلاثة هي سبب استثناء الشافعيَّة المسألة من توسعهم في الباب، وأنبه إلى أن قول الشافعي ﵀ في القديم يوافق المالكيَّة في المسألة (^١)، وهذا يبين أنَّ مذهبه القديم مطرد على أصله في التوسع في الباب.
وتجدر الإشارة في ختام هذا المطلب إلى وجود مسألتين أخريين ضيَّق فيهما الشافعي، وفيهما موسع من المذاهب، لكنهما ليستا من رؤوس المسائل في باب الإمامة؛ ولذا أعرضت عن ذكر سبب الاستثناء فيهما (^٢)، ولم أقف على سوى ما تقدم مما شذ عن أصل الشافعي.