تحرير محل النزاع:
تقدم إجماع العلماء في عدم صحة الصلاة في الموضع النجس، ويدخل في ذلك: المقبرة النجسة، واتفقت المذاهب الأربعة على صحَّة صلاة الجنازة في المقبرة الطاهرة (^٢)، واختلفوا في حكم الصلاة في المقبرة -من غير صلاة الجنازة- على أقوال:
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء (١/ ٣٠٢)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٨٥)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ١٢٥)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٦١)، المجموع شرح المهذب (٣/ ١٥١)، التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (١/ ٣٤٣)، اختلاف الأئمة العلماء (١/ ١٣٥)، الانتصار في المسائل الكبار (٢/ ٤٠٦)، رؤوس المسائل لأبي المواهب العكبري (ص: ١٩٢، ١٩٣).
(٢) انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٠)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٤١٨)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٢/ ١٦٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٦٥).
[ ١٥٢ ]
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: التحريم مع الفساد، وهو مذهب الحنابلة (^١).
القول الثاني: الكراهة مع الصحة، وهو مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة (^٢).
القول الثالث: الإباحة، وهو مذهب المالكيَّة (^٣).
وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بتحريم الصلاة في المقابر وفسادها، وهم الحنابلة. وقد استدلُّوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إِلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» أخرجه الخمسة إلا النسائي (^٤).
_________________
(١) انظر: الإرشاد إلى سبيل الرشاد (ص: ٢٣)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٣١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٦٣).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ١١٣)، نور الإيضاح ونجاة الأرواح في الفقه الحنفي (ص: ٧٣)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٠)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٢٤٥)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٢/ ١٦٧)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٥٢).
(٣) انظر: الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ٨٨)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٢٢٥)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ١٨٨).
(٤) أخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة) (١/ ١٨٤) رقم (٤٩٢) والترمذي في (أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) (١/ ٣٥٠) رقم (٣١٧) وابن ماجه في (أبواب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة) (١/ ٤٧٩) رقم (٧٤٥) وأحمد في (مسند أبي سعيد الخدري ﵁، (٥/ ٢٤٨٠) رقم (١١٩٦٤). والحديث فيه خلاف في وصله وإرساله، فمنهم من رجّح المرسل كالترمذي ﵀ إذ يقول في العلل الكبير (ص: ٧٥): «الصحيح رواية الثوري وغيره عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسل»، وقال الدارقطني ﵀ في العلل (١١/ ٣١٩): «أخرجه جماعة عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا، والمرسل المحفوظ»، وضعَّف الحديث من غير ما تقدَّم: الدارمي، والبيهقي، وابن الجوزي، وابن دقيق العيد، والنووي. وخالفهم في ذلك بعض أهل العلم فرجَّحوا صحة الحديث، يقول الخطابي ﵀ في أعلام الحديث (١/ ٣٣٣): «الخبر فيه مشهور صحيح»، وصحَّح الحديث أيضًا: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والحاكم وابن حزم وابن تيمية وابن الملقن وغيرهم. انظر: سنن الدارمي (٢/ ٨٧٤)، صحيح ابن خزيمة (٢/ ٧)، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (٢/ ١٨٢)، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (٤/ ٥٩٨)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (١/ ٣٨٠)، المحلى بالآثار (٢/ ٣٤٥)، شرح السنة للبغوي (٢/ ٤٠٩)، خلاصة الأحكام (١/ ٣٢١)، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (٢/ ١٨٩)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٢/ ٩٤)، المقرر على أبواب المحرر (١/ ١٩٠)، البدر المنير (٤/ ١١٩).
[ ١٥٣ ]
ووجه الدلالة في الحديث: أنَّ النبي ﷺ منعَ أن تكون المقبرة مسجدًا، وإذا لم تكن مسجدًا؛ لم تصح الصلاة فيها (^١).
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ ﷿» أخرجه الترمذي وابن ماجه (^٢).
_________________
(١) انظر: التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (١/ ٣٤٦).
(٢) أخرجه الترمذي في (أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه)، (١/ ٣٧٥) رقم (٣٤٦)، وابن ماجه في (أبواب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة)، (١/ ٤٧٩) رقم (٧٤٦). والحديث فيه زيد بن جبيرة، قال ابن حجر فيه في التقريب (ص: ٣٥١) «متروك الحديث»، وقال الترمذي ﵀ بعد إخراجه للحديث: «هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه»، ونقل مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال (٥/ ١٣٩) عن الساجي قوله في ابن جبيرة: «حدث عن داود بن الحصين بحديث منكر جدا» وعقَّب على ذلك مغلطاي بقوله: «يعني: حديث النهي عن الصلاة في سبعة مواطن»، وأعلَّ الحديث: أبو حاتم، وابن عدي، وابن عبد البر، والنووي، وابن الصلاح، والقرطبي، وغيرهم. وللحديث طريق آخر من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيفٌ أيضًا، وذكر لأبي حاتم هذا الطريق وطريق ابن جبيرة المتقدم، فقال: «هما جميعًا واهيان». ولكن احتج بالحديث ابن تيمية. انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/ ٧١)، علل الحديث (٢/ ٣٣٦)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٥/ ٢٠٣)، خلاصة الأحكام (١/ ٣٢٢)، شرح مشكل الوسيط (٢/ ١٧٣)، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ١١٨)، تهذيب الكمال (١٠/ ٣٤)، شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٤٣٢)، نصب الراية (٢/ ٣٢٣)، البدر المنير (٣/ ٤٤٠)، تهذيب التهذيب (١/ ٦٦٠).
[ ١٥٤ ]
ووجه الدلالة في الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في هذه المواطن السبعة، ومنها: المقبرة، «والنهي يدل على فساد المنهي عنه» (^١)، ولأنها بقع «نهي عن الصلاة فيها نطقًا أشبه الموضع النجس» (^٢).
الدليل الثالث: أنَّ الصحابة ﵃ أجمعوا على المنع من الصلاة في المقبرة (^٣)، جاء ذلك عن عمر (^٤) وعلي (^٥) وأنس (^٦) ﵃.