تحرير محل النزاع:
اتفق الأئمة الأربعة على مشروعية المضمضة والاستنشاق في الوضوء في الجملة (^٤)، واختلفوا في حكمها بين الوجوب والاستحباب على قولين:
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٤)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٩١)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٧١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٩). وأشار ابن مفلح في الفروع إلى أن المسألة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة. انظر: الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٨٣).
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٧)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢١١)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٧٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٠). وأشار ابن مفلح في الفروع إلى أن المسألة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة. انظر: الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٨٣).
(٣) انظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (١/ ١٣٥)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١١٧، ١٢١، ١٢٤)، تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة (١/ ١٦٨)، المجموع شرح المهذب (١/ ٣٦٢، ٤١٣، ٤٥٢)، رؤوس المسائل الخلافية لأبي جعفر الشريف (١/ ٥٢، ٥٥، ٥٧)، المغني لابن قدامة (١/ ٨٨، ٩٧، ١٠٢).
(٤) انظر: الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ٨٣). وقال النووي في المجموع شرح المهذب (١/ ٣٥٦): «المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف»، وإذا كانت المبالغة مشروعة بغير خلاف كان أصلها مشروعًا من بابِ أولى، وأنبه إلى أنَّ هذا الاتفاق في حق غير الصائم، أمَّا الصائم فقد روى الطبري بإسناده عن أبي سنان قوله: «كان الضحَّاك ينهانا عن المضمضة والاستنشاق في الوضوء في رمضان». انظر: تفسير الطبري (٨/ ١٦٩).
[ ١٢٦ ]
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وهو مذهب الحنابلة (^١).
القول الثاني: استحباب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وهو مذهب الجمهور (^٢).
وعليه فأضيق المذاهب في المسألة من قال بوجوب المضمضة والاستنشاق، وهم الحنابلة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ» أخرجه الدارقطني (^٣).
_________________
(١) الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٥٣)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٨٥)، الإنصاف (١/ ٣٢٥)، وذكر في الإقناع وشرحه (١/ ٩٦): أنَّ المضمضة والاستنشاق يسمَّيان فرضين؛ «لأنَّ الفرض والواجب مترادفان على الصحيح».
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٨)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ١١٥)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (١/ ٣٤)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢٤٥)، منح الجليل شرح مختصر خليل (١/ ٨٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٦٦)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٢٢٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٨٦).
(٣) أخرجه الدارقطني في (كتاب الطهارة، باب المضمضة والاستنشاق) (١/ ١٤٤) رقم (٢٧٥)، وقال عقبه: «الصواب: عن ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلًا»، وأخرجه الدارقطني من هذا الطريق ومن طريق ثانٍ في كتابه العلل (١٤/ ١٠٥)، وقال: «كلا الروايتين وهمٌ في الإسناد والمتن»، ونقل البيهقيُّ كلام الدارقطني أيضًا في السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٨٧) محتجًّا به. والحديث ضعفه: ابن عدي، والبيهقي، وابن الجوزي، والنووي، وابن حجر. انظر: الكامل في الضعفاء (٤/ ٢٥١)، الخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه (١/ ١٧٩)، المجموع شرح المهذب (١/ ٣٦٥)، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (١/ ٣٣٨)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٢٠).
[ ١٢٧ ]
ووجه الدلالة من الحديث على الوجوب ظاهر؛ وذلك أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق أصلًا في الوضوء لا تسقط بحال.
الدليل الثاني: أنَّ كلَّ من وصف وضوء رسول الله ﷺ من الصحابة ﵃ ذكر فيه المضمضة والاستنشاق (^١)، و«مداومته عليهما تدل على وجوبهما» (^٢)، فلو كان مستحبًّا لتركها النبي ﷺ ولو مرة واحدة كتركه للغسلة الثانية والثالثة (^٣)، وعلى ذلك يكون فعل النبي مفسرًا لمطلق القرآن، وذاك أنَّ «فعله إذا خرج بيانًا كان حكمه حكم ذلك المبين» (^٤).
الدليل الثالث: أنَّ الفم والأنف في حكم الظاهر، وما كان في الظاهر وجب غسله مع الوجه، ويدلُّ على كونها من أحكام الظاهر: أنَّ الصائم يُفْطِر «بوصول القيء إليهما إذا استدعاه، ولا يفطر بوضع الطعام فيهما، ولا يُحَدُّ بوضع الخمر فيهما، ولا تنشر حرمة الرضاع بوصول اللبن إليهما، ويجب غسلهما من النجاسة،
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٨٨)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٣٢٨). وقال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٢٥): «جميع من حكى وضوءه ﵊ فعلًا وقولًا اثنان وعشرون نفرًا …» ثم عدَّهم بتمامهم، وقال: «وكُلها نصَّ على المضمضة والاستنشاق، فلا شك في ثبوت المواظبة عليهما». وقال ابن عبد البر ﵀ في الاستذكار (١/ ١٢٤): «لم يحفظ أحد عن النبي ﷺ أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه، ولا غسله للجنابة».
(٢) كشَّاف القناع (١/ ٩٦).
(٣) انظر: شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ١٧٨).
(٤) المبدع في شرح المقنع (١/ ١٠٠).
[ ١٢٨ ]
وهذه أحكام الظاهر، ولو كانا باطنين لانعكست هذه الأحكام» (^١).