تقدم إجماع أهل العلم على أنَّ الصلاة لا تصح إلا بنيَّة، ولا يصحُّ أيضًا تأخر النيَّة عن الصلاة، ولا تقدمها زمنًا طويلًا (^٣)، واتفقوا على أنَّ الأفضل أن تقارن النية تكبيرة الإحرام (^٤)، واختلفت المذاهب في حكم تقدم النِّيَّة عن تكبيرة الإحرام زمنًا يسيرًا على قولين:
_________________
(١) من المسائل المستثناة أيضًا: حكم مباشرة الجبهة للأرض في السجود، إذ قال الشافعيَّة بوجوب المباشرة، وقال الجمهور: مباشرة الجبهة للأرض غير واجب. والحنابلة هنا أوسع من الشافعيَّة. انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢١٠)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٠)، شرح التلقين (١/ ٥٢٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٥٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ٥٠٩)، الإرشاد إلى سبيل الرشاد (ص: ٥٧)، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ١٢١).
(٢) نبَّه الجويني في نهاية المطلب (٢/ ١١٣) على غموض هذه المسألة وأهميَّتها، فقال: «أمَّا وقت النية، وهو أغمض الفصول، فليعتنِ الناظر به …».
(٣) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١٢٩)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٢٦٩).
(٤) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١٢٩)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٣٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٥).
[ ١٩٦ ]
الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب الجمهور (^١).
القول الثاني: المنع، فيجبُ أن تقارن النيَّة جميع تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الشافعيَّة (^٢).
ويظهرُ في هذا الفرع أنَّ الشافعيَّة أضيق مذهبًا من الحنابلة، وإنَّما ذهب الحنابلة إلى عدم اشتراط مقارنة النية لتكبيرة الإحرام؛ لأمور:
الأمر الأول: قياس الصلاة على غيرها من العبادات -كالصيام- في جواز تقدُّم النيَّة عليها، فإذا جاز تقدُّم النية في غير الصلاة من العبادات؛ جاز ذلك في الصلاة أيضًا (^٣).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٢/ ٤)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٣٧)، تحبير المختصر على مختصر خليل (١/ ٢٨٤)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٢٦٩)، المبدع في شرح المقنع (١/ ٣٦٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٥). تنبيه: بين المالكيَّة خلاف قوي في المسألة، ولذا أطلق القولين خليل في مختصره، والمرجَّح عندهم هو جواز التقدم اليسير. انظر: حاشية العدوي على شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٢٦٩)، بلغة السالك لأقرب المسالك مع حاشية الصاوي (١/ ٣٠٥)، منح الجليل شرح مختصر خليل (١/ ٢٤٦).
(٢) انظر: التدريب في الفقه الشافعي (١/ ١٧٢)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ٤٦٤). ومما يبين ضيق الشافعيَّة في المسألة قول بعض علمائهم: إن القول بوجوب مقارنة النية لجميع أجزاء التكبير موقعٌ في الوسواس المذموم. ويقول الجويني ﵀ في نهاية المطلب (٢/ ١١٧) عن اشتراط مقارنة النية لجميع أجزاء تكبيرة الإحرام: «كان السلف الصالحون لا يرون المؤاخذة بهذه التفاصيل، والقدر المعتبر دِينًا: انتفاءُ الغفلة بذكر النيّة حالة التكبير، مع بذل المجهود في رعاية الوقت، فأمَّا التزام حقيقة مصادفة الوقت الذي يذكره الفقيه، فممّا لا تحويه القدرة البشرية.» وأشار إلى قريب من هذا ابن تيمية ﵀. انظر: مختصر الفتاوى المصرية (ص: ١٠)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ١٩).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٣٩).
[ ١٩٧ ]
الأمر الثاني: أنَّه إذا جاز تخلف النية الحقيقية أثناء الصلاة، واكتفي باستصحاب النية الحكميَّة، جاز استصحابها في أولها كذلك؛ لأنَّ أولها جزء من أجزائها (^١).
الأمر الثالث: أن في اشتراط مقارنة النيَّة لتكبيرة الإحرام مشقة بالغة، والمشقة منفيَّة شرعًا (^٢).