تحرير محل النزاع:
تقدَّم قريبًا اتفاق المذاهب الأربعة على فرضيَّة تكبيرة الإحرام، واختلفوا في سائر التكبيرات غيرها -وتسمَّى بتكبيرات الانتقال-؛ كالتَّكبير للرُّكوع والتكبير للسُّجود وللرفع منه، ونحو ذلك على قولين:
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: وجوب تكبيرات الانتقال، وهو مذهب الحنابلة (^٢).
القول الثاني: سنيَّة تكبيرات الانتقال، وهو مذهب الجمهور (^٣).
_________________
(١) انظر: التجريد للقدوري (٢/ ٥٧٣)، عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص: ١٢٠)، الخلافيات للبيهقي (٣/ ٢٠٤)، رؤوس المسائل الخلافية لأبي جعفر الشريف (١/ ١٣٧، ١٤٦).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٥٠)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٥٥٣)، كشَّاف القناع (١/ ٣٨٩). ويستثنى عند الحنابلة تكبيرة الركوع إذا أدرك المأمومُ الإمامَ وهو راكع فإنها سنة.
(٣) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ١٠٧)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٩٠)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٦)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٤٢)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٠٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٤٣)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٤٩)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٣٨٤)، تحفة الحبيب على شرح الخطيب (٢/ ٦٢).
[ ١٨٢ ]
ويظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بوجوب تكبيرات الانتقال، وهم الحنابلة. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد. ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» متفق عليه (^١).
ووجه الدلالة في الحديث: فِعلُ النبي ﷺ وذلك أنَّه محمول على الوجوب (^٢)، بدليل قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أخرجه البخاري (^٣).
الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا …» متفق عليه (^٤).
ووجه الدلالة: الأمرُ المطلق في الحديث، إذ إن النبي ﷺ «أمرَ بالتكبير وأمره للوجوب» (^٥)، وعُمومُ الحديث يحمل على جميع التكبيرات، لا خصوص تكبيرة الإحرام.
_________________
(١) أخرجه البخاري في (كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود) (١/ ١٥٧) رقم (٧٨٩)، ومسلم في (كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير فِي كل خفض ورفع فِي الصلاة) (٢/ ٧) رقم (٣٩٢).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٥٠).
(٣) أخرجه البخاري في (كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع)، (١/ ١٢٨) رقم (٦٣١).
(٤) أخرجه البخاري في (أبواب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد) (٢/ ٤٧) رقم (١١١٤)، ومسلم في (٢/ ١٨) رقم (٤١١) (كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام).
(٥) الممتع في شرح المقنع لابن المنجى (١/ ٣٩٥).
[ ١٨٣ ]
الدليل الثالث: أنَّ تكبيرات الانتقال تكون حال الشروع في ركن أو واجب، فلا تخلو هذه الحالة من ذكر واجب؛ قياسًا على تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة (^١).