تحرير محل النزاع:
تقدّم إجماع العلماء في وجوب غسل الوجه، واتفق الأئمة الأربعة على وجوب غسل باطن الشعور الخفيفة عند غسل الوجه (^٣)، واتفقوا على عدم وجوب غسل
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ٣)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ١٠٠).
(٢) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١١٧)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٨٦)، بداية المحتاج في شرح المنهاج (١/ ١٣٤)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٧١)، المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (١/ ١١)، كشَّاف القناع (١/ ٩٦).
(٣) انظر: النهر الفائق شرح كنز الدقائق (١/ ٢٧)، تحبير المختصر على مختصر خليل (١/ ١٣٩)، كنز الراغبين مع حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٥)، الإرشاد إلى سبيل الرشاد (ص: ٣٠).
[ ١٣٦ ]
باطن اللحية الكثيفة (^١)، واختلفوا في حكم غسل باطن ما سوى اللحية من بقية الشعور الكثيفة (^٢) على قولين:
الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة:
القول الأول: وجوب غسل جميع الشعر والبشرة. وهو مذهب الشافعيَّة (^٣).
القول الثاني: وجوب غسل ظاهر الشعر، واستحباب تخليل الباطن. وهو مذهب الحنفيَّة والحنابلة (^٤).
القول الثالث: وجوب غسل ظاهر الشعر، وكراهة تخليل الباطن. وهو مذهب المالكيَّة (^٥).
وفي هذه المسألة يظهر أنَّ الشافعيَّة أضيق من مذهب الحنابلة، وذلك لقولهم بالوجوب في غسل الشعر والبشرة.
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٦٢)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ١٢٢)، المهذّب للشيرازي (١/ ٣٨)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٧٤).
(٢) وهي: شعر الهدب والحاجب والعذار والخدِّ والعنفقة والشارب ولحية المرأة والخنثى. انظر: التهذيب في فقه الإمام الشافعي (١/ ٢٣٩)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٢٠٤). والعذار هو:» الشعر النابت المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض، وقيل: هو ما على العظم الناتئ بإزاء الأذن، وهو أول ما ينبت للأمرد غالبًا» قاله الشربيني في مغني المحتاج (١/ ١٧٣). وانظر أيضًا: طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية (ص: ٣)، النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب (١/ ٢٨).
(٣) انظر: بداية المحتاج في شرح المنهاج (١/ ١٣٤)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٧٠).
(٤) انظر: النهر الفائق شرح كنز الدقائق (١/ ٢٧)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٩٧، ١٠١)، المبدع في شرح المقنع (١/ ٨٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٧).
(٥) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٨٨)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٨٦).
[ ١٣٧ ]
وسببُ قول الحنابلة بعدمِ الوجوب أنَّهم قاسوا هذه الشعور على اللحيةِ الكثيفة (^١)، واللحيةُ الكثيفة لا يجب غسل باطنها اتفاقًا على ما تقدَّم، فلا يجبُ على ذلك غسل باطن الشعور الكثيفة من غير اللحية. يقول المرداوي ﵀: «شعر غير اللحية؛ كالحاجبين، والشارب، والعنفقة، ولحية المرأة؛ وغير ذلك، مثل اللحية في الحكم، على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور» (^٢).
وإنما قال الشافعيَّة بالوجوب؛ لأنَّهم فرّقوا بين شعر اللحية وغيرها من شعور الوجه؛ إذ الغالب في هذه الشعور الخفة، والكثيف فيها نادر؛ فأُلحق النادر بالغالب (^٣)، والحنابلة لم يُسلِّموا هذا المعنى؛ فلم يقولوا بالوجوب. قال ابن قدامة ﵀: «دعوى الندرة في الحاجبين والشارب والعنفقة، غير مسلم، بل العادة ذلك» (^٤).