تحرير محل النزاع:
تقدم اتفاق العلماء على نجاسة جلد الميتة قبل دبغه، وإجماعهم على عدم جواز الانتفاع بجلد الآدمي؛ لكرامته، وإجماعهم على جواز الانتفاع بجلد الحيوان المأكول المذكَّى ذكاة شرعيّة، وتقدم أيضًا اتفاق المذاهب الأربعة على عدم جواز الانتفاع بجلد الخنزير مطلقًا.
واختلفوا في الانتفاع بجلود الميتات بعد دباغها على أقوال:
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: طهارة جلود الميتات بعد دبغها سوى جلد الخنزير، وهو مذهب الحنفيَّة (^٢).
_________________
(١) انظر: التجريد للقدوري (١/ ٧٨، ٨٩، ٩٩)، رؤوس المسائل للزمخشري (ص: ٩٧، ٩٩)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١١٠، ١١٣)، الخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه (١/ ١٠٨، ١١١، ١٢٢)، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة (ص: ١٦، ١٨).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٣).
[ ١٠٣ ]
القول الثاني: طهارة جلود الميتات بعد دبغها سوى جلد الخنزير والكلب، وهو مذهب الشافعيَّة (^١).
القول الثالث: عدم طهارة جلود الميتات مطلقًا، ويجوز استعمالها -غير الخنزير- في اليابسات وفي الماء بعد دبغها، وهو مذهب المالكيَّة (^٢).
القول الرابع: عدم طهارة جلود الميتات مطلقًا، ويجوز استعمال جلود الحيوانات الطاهرة في الحياة في اليابسات بعد دبغها، وهو مذهب الحنابلة (^٣).
وعليه فأوسعُ المذاهب في هذه المسألة مذهب الحنفيَّة؛ وذلك لقولهم بطهارة جميع جلود الميتات إلا الخنزير؛ حتى إنه يطهر عند الحنفيَّة جلد الكلب إذا دبغ، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دُبِغ الإهَابُ فَقَد طَهَر (^٤)» أخرجه مسلم (^٥)، وفي لفظ للترمذي والنسائي وابن ماجه: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (^٦).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٢٢)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٣٨٣).
(٢) انظر: شرح التلقين (١/ ٢٦٤)، تحبير المختصر على مختصر خليل (١/ ١٠٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٥٤).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٤٨)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٥١)، كشَّاف القناع (١/ ٥٤).
(٤) قال النووي في شرح مسلم (٤/ ٥٤): «يقال طهَر الشيء وطهُر بفتح الهاء وضمها لغتان، والفتح أفصح».
(٥) أخرجه مسلم في (كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ) (١/ ١٩١) رقم (٣٦٦).
(٦) أخرجه الترمذي في (أبواب اللباس عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت) (٣/ ٣٤٢) رقم (١٧٢٨) والنسائي في (كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة) (١/ ٨٣٦) رقم (٤٢٥٢/ ٨)، وابن ماجه في (أبواب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت) (٤/ ٦٠٢) رقم (٣٦٠٩).
[ ١٠٤ ]
ووجه الدلالة في الحديث: العموم فيه (^١)؛ إذ «الحديث عامُّ في المأكول وغيره» (^٢)، ووجه العموم فيه أنَّ الإهاب في اللفظ الثاني نكرة، «والنكرةُ إذا اتَّصفت بصفة عامَّة تعمُّ» (^٣)، وإنما خرجَ الخنزيرُ منْ هذا العموم؛ لأنَّ «له جلودا مترادفة بعضها فوق بعض كما للآدمي، ولعدم احتماله المطهِّر وهو الدباغ، ولأنَّ عينه نجس، وجلده من عينه» (^٤).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: وجد النبي ﷺ شاة ميتة، أُعْطِيَتْها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي ﷺ: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا» قالوا: إنها ميتة؟ قال: «إِنَّما حَرُمَ أَكْلُهَا» متفق عليه (^٥).
ووجه الدلالة: قوله ﷺ: (هلا انتفعتم بجلدها)؛ إذ فيه دليل على «أنَّ ما عدا المأكول من أجزاء الميتة لا يحرم الانتفاع به» (^٦)، والجلد مما لا يؤكل فجاز الانتفاع به.
الدليل الثالث: أنَّ كلَّ بهيمة -سوى الخنزير- من البهائم يجوز الانتفاع منها بغير بضرورة، وما جاز الانتفاع منه طهُر بدبغ جلده بعد موته، قياسًا على بهيمة الأنعام (^٧).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٢).
(٢) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٧٤).
(٣) البناية شرح الهداية (١/ ٤١٤).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٢) بتصرف يسير.
(٥) أخرجه البخاري في (كتاب الزكاة، باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ (٢/ ١٢٨) رقم (١٤٩٢)، ومسلم في (كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ) (١/ ١٩٠) رقم (٣٦٣).
(٦) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٧١). وانظر أيضًا: عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٩/ ٨٩)، فيض الباري على صحيح البخاري (٣/ ١٥٨).
(٧) انظر: التجريد للقدوري (١/ ٧٨). وأنبه إلى أنَّ هذا الدليل إنما يصحُّ على من قال بأصل الطهارة بالدبغ، وهم الحنفيَّة والشافعيَّة، وأما من منع ذلك وهم المالكيَّة والحنابلة فلا يصح الاستدلال عليهم بهذا؛ إذ لا يقولون أصلًا بطهارة الدباغ ولو كان الحيوان مأكولًا.
[ ١٠٥ ]
الدليل الرابع: أنَّ العلة في نجاسة الجلد قبل الدبغ هو ما تعلَّق به من دسومة الميتة، وهذه الدُّسومة تزول بالدبغ (^١)، فإذا ارتفعت العلَّة الموجبة للنجاسة ارتفع الحكم. يقول الكاساني ﵀: «نجاسة الميتات لما فيها من الرطوبات والدماء السائلة وأنها تزول بالدباغ؛ فتطهر، كالثوب النجس إذا غُسل» (^٢).