تحرير محل النزاع:
تقدم أن المذاهب الأربعة متفقة على جواز إمامة الصبي لصبي مثله، ولكن اختلفوا في حكم إمامة الصبي للبالغ في الفرض أو في النفل.
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: الجواز من غير كراهة، وهو مذهب الشافعيَّة (^٤).
القول الثاني: الجواز في النفل دون الفرض، وهو مذهب الحنابلة (^٥).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (٢/ ٢٩٠).
(٢) انظر: تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة (١/ ٣٥٧).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١١١).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (٢/ ٣٢٧)، المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٤٨)، بداية المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٣٣٤). ونصَّ النووي على أن «كل صبي صحت صلاته صحت إمامته في غير الجمعة بلا خلاف عندنا»، ثم حكى الخلاف في إمامة الصبي في الجمعة ورجّح القول بالصحة.
(٥) انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٤٧٦)، المبدع في شرح المقنع (٢/ ٨٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٧٥).
[ ٢٢١ ]
القول الثالث: التحريم في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفيَّة (^١)، والمالكيَّة (^٢).
ويظهر في المسألة أنَّ أوسع المذاهب هم الشافعيَّة أيضًا؛ إذ قالوا بجواز ذلك مطلقًا، وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن عمرو بن سلِمة ﵁ قال: «لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا. فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ» أخرجه البخاري (^٣).
ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة، وذكر العمراني ﵀ الحديث عن عمرو ﵁ بلفظ آخر، وفيه: «كنت غلامًا قد حفظت قرآنًا كثيرًا، فانطلق بي أبي وافدًا إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه، فعلَّمهم الصلاة، وقال: «يؤمُّكم أقرؤكم لكتاب الله ..» (^٤)، ثم قال: «فموضع الدليل من هذا: أنَّ القوم إنما قدموا به على النبي ﷺ
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٨)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٥٨)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٥٧٧).
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٧٧)، التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (١/ ٦٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (١/ ١٣٧)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٩٩). والمشهور في مذهب المالكيَّة عدم جواز إمامة الصبي مطلقًا، لكن تصح صلاة من خلفه في النفل خاصة، وإن كانت لا تجوز ابتداءً.
(٣) أخرجه البخاري في (كتاب المغازي) (٥/ ١٥٠) رقم (٤٣٠٢)، ولم يبوب البخاري على الحديث.
(٤) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٣٩١). والحديث بهذا اللفظ أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٢٣)، قال ابن عبد البر: «قيل: إنه قدم على رسول الله ﷺ مع أَبِيهِ»، وقال المزي: «وقد روي من وجه غريب أن عمرًا أيضًا وفد على النَّبِيّ ﷺ وليس بثابت»، وقال مغلطاي متعقبًا المزي: «في قوله أيضًا: روي من وجه غريب نظر؛ لأنا رويناها من وجوه عديدة لا بأس بإسناد بعضها، ولئن سلمنا ضعفها فليست من وجه غريب كما قال»، وقال ابن حجر في الإصابة (٤/ ٥٣٢): «أخرج ابن منده من طريق حماد بن سلمة عن أيوب، عن عمرو بن سلمة، قال: كنت في الوفد، وهو غريب مع ثقة رجاله». وعمرو بن سلِمة مختلف في صحبته، قال النووي: «اختلف في سماعه من النبي ﷺ ورؤيته إياه، والأشهر أنَّه لم يسمعه ولم يره لكن كانت الركبان تمر بهم فيحفظ عنهم ما سمعوه من النبي ﷺ»، وقال المزي: «لم يثبت له سماع ولا رؤية من النبي ﷺ»، وقال العراقي: «يقال له صحبة وإنه وفد مع أبيه ولا يصح ذلك». ورجَّح المنتجيلي، وابن حبان، وابن حجر صحبته. انظر: الثقات لابن حبان (٣/ ٢٧٨)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ١١٧٩) المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٤٨)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٢٢/ ٥١)، إكمال تهذيب الكمال (١٠/ ١٨١)، تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (ص: ٢٤٣).
[ ٢٢٢ ]
ليعرفوه أنَّه أقرؤهم، فلما عرف ذلك قال: يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله، ولا أقرأ هناك غيره، فكأنه قال: يؤمكم هذا» (^١).
الدليل الثاني: عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» أخرجه مسلم (^٢).
ووجه الدلالة من الحديث: الإطلاق فيه وعدم التقييد؛ وذلك أنَّ إطلاقه مقتضٍ تقديم الأقرأ على كل حال، ولو كان صغيرًا (^٣).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كنَّا نأخذ الصبيان من الكُتَّاب؛ ليقوموا بنا
_________________
(١) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٣٩٢).
(٢) أخرجه مسلم في (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة)، (٢/ ١٣٣)، رقم (٦٧٣).
(٣) استدل بالحديث النووي من غير بيان لوجه الدلالة، والظاهر أن ما أتثبته هو وجه الدلالة. انظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٥٠).
[ ٢٢٣ ]
في شهر رمضان» أخرجه ابن عدي في الكامل، والبيهقي (^١).
ووجه الدلالة في الأثر ظاهرة.
الدليل الرابع: قياس الصبي على البالغ عند من يقول بجواز إمامته في النفل؛ «لأن من جازت إمامته في النفل جازت في الفرض» (^٢).
الدليل الخامس: أن صلاة الصبي نفل، ويجوز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ وذلك أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام (^٣).