تحرير محل النزاع:
تقدم بيان اتفاق المذاهب الأربعة على تحريم استعمال آنية الذَّهب والفضَّة للرجال والنساء.
واختلفوا في الإناء المضبَّب بالذَّهب والفضَّة (^٥) على أقوال:
_________________
(١) البناية شرح الهداية (١/ ٤٢٧) بتصرف يسير. وانظر أيضًا: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٧١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٣).
(٣) فتح القدير (١/ ٩٧).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٤).
(٥) حكى الزركشيُّ في شرح مختصر الخرقي (٦/ ٣٩٩) الإجماع على إباحة ضبة الفضَّة، فقال: «إباحة الضبة في الجملة إجماع، حكاه أبو البركات» يعني بأبي البركات: المجد جدُّ تقي الدين ابن تيمية، ثم قال الزركشي بعد ذكره لأدلة منازع في دلالتها: «وبالجملة: الإجماع فيه كفاية». ونقل الإجماع كذلك الحسين المغربي عن الإمام يحيى في البدر التمام شرح بلوغ المرام (١/ ١٢٩). وفي هذا الإجماع نظر؛ وذلك أنَّ المعتمد عند المالكيَّة تحريم الضبَّة مطلقا، ولو كانت من فضَّة على ما سيأتي في الأقوال، والله أعلم.
[ ١٠٩ ]
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: جواز الإناء المضبَّب مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (^١).
القول الثاني: تحريم الإناء المضبَّب، إلا ضبَّة الفضَّة في موضعين: عند الحاجة، والضبة اليسيرة للزّينة، وهو مذهب الشافعيَّة (^٢).
القول الثالث: تحريم الإناء المضبب، إلا الضبَّة اليسيرة من الفضَّة للحاجة لغير الزينة، وهو مذهب الحنابلة (^٣).
القول الرابع: تحريم الإناء المضبب مطلقًا، وهو مذهب المالكيَّة (^٤).
ومذهب الحنفيَّة في الإناء المضبب أوسع المذاهب؛ وذلك لتفرُّدهم بالقول بجواز الإناء المضبب مطلقًا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁: «أنَّ قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ١٣٢)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٥/ ٣٤٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٤). ونصَّ الحنفيَّة على أنه يجب عليه عند استعمال الآنية المضبَّبة أنْ يتقي موضع الذَّهب أو الفضَّة.
(٢) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٤٠)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ١٢٤)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٠٥).
(٣) انظر: شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ١١٦)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٦/ ٣٩٩)، كشَّاف القناع (١/ ٥٢).
(٤) انظر: المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ١٧١٤)، الذخيرة للقرافي (١/ ١٦٧)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٦٤). تنبيه: في مذهب المالكيَّة خلاف قوي في الإناء المضبَّب بين المنع والإباحة؛ ولذلك أطلق خليل ﵀ الخلاف في مختصره، إلا أن المعتمد عند المالكيَّة هو المنع، قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ١٢٩): «والأصح من القولين في المضبب وذي الحلقة المنع كما صرح به ابن الحاجب وابن الفاكهاني وغيرهما».
[ ١١٠ ]
الشَّعْب سِلْسِلة من فضَّة» أخرجه البخاري (^١).
ووجه الدلالة: أنَّ في اتخاذ النبي ﷺ الفضَّة مكان الشعب دلالة بالنصِّ على جواز ضبة الفضَّة، وإذا جازت ضبة الفضَّة فإنه يلحق بها ضبة الذَّهب (^٢).
الدليل الثاني: أنَّ الضبَّة من الذَّهب والفضَّة في الأواني تابعة للإناء المباح، والتابع له حكم المتبوع (^٣).
الدليل الثالث: القياس على عَلَمِ (^٤) الحرير في الثوب، وذلك أنَّ لبس الحرير الخالص محرَّم، لكن الشارع أباح العلَمَ من الحرير، وكذلك إناء الذَّهب والفضَّة فالخالص منه محرَّم، لكنْ تُباح الضبَّة من الذَّهب والفضَّة قياسًا على علم الحرير (^٥).
الدليل الرابع: الاستصحاب؛ وذلك أنَّ «الأصل في المخلوقات إباحة الانتفاع بها، والحرمة لعارض، والنصُّ ورد في تحريم الشرب والأكل في آنية الذَّهب والفضَّة، فكلُّ ما يشبه المنصوص عليه في الاستعمال يلحق بالمنصوص عليه، وما لا يشبه المنصوص عليه يبقى على أصل الإباحة» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في (كتاب فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي) (٤/ ٨٣) رقم (٣١٠٩).
(٢) استدل بالحديث بعض علماء الحنفيَّة على عموم الجواز، منهم الزيلعي في تبيين الحقائق (٦/ ١١) ونقله عنه ابن عابدين في حاشيته (٦/ ٣٤٤). ولم أقف على تصريح منهم على وجه الدلالة في الحديث، ولعل ما ذكرته هو وجه الدلالة من الحديث، والله أعلم.
(٣) انظر: التجريد للقدوري (١/ ٩٩)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ١٣٢)، العناية شرح الهداية (١٠/ ٨).
(٤) العلم: هو الطراز في الثوب من الحرير أو الذَّهب أو من غيرهما. انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٩٩٠)، الإبانة في اللغة العربية (٣/ ٤٩٨)، لسان العرب (٥/ ٣٦٨)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (٢/ ٣٧١).
(٥) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٨/ ٥٤٨).
(٦) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٥/ ٣٤٧) بتصرف يسير.
[ ١١١ ]