اختلف العلماء ﵏ في حكم التسليمتين الأولى والثانية في الصلاة على أقوال (^٥):
_________________
(١) أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة فِي صلاة الليل) (٢/ ١٨٦) رقم (٧٧٢).
(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ٣٢٠).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٦٢). والحديث تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٥٠).
(٥) حكى ابن المنذر الإجماع على سنِّيَّة التسليمة الثانية في كتابه الإجماع (ص: ٣٩)، وفي هذا نظرٌ بالغ؛ إذ المعتمد في مذهب الحنابلة ركنيتها، والمعتمد عند الحنفيَّة وجوبها. قال المرداوي في الإنصاف (٣/ ٦٧٤) متعقبا ابن المنذر ﵀: «قلت: هذا مبالغة منه، وليس بإجماع، قال العلامة ابن القيم: وهذه عادته، إذا رأى قول أكثر أهل العلم، حكاه إجماعا». وانظر أيضًا: المغني لابن قدامة (١/ ٣٩٦).
[ ١٨٦ ]
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: ركنيَّة التسليمتين، وهو مذهب الحنابلة (^١).
القول الثاني: وجوب التسليمتين، وهو مذهب الحنفيَّة (^٢).
القول الثالث: ركنيَّة التسليمة الأولى، وسنيَّة التسليمة الثانية. وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة (^٣).
وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بركنيَّة التسليمتين جميعًا، وهم الحنابلة أيضًا. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» أخرجه الأربعة إلا النسائي (^٤).
_________________
(١) انظر: الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الإنصاف (٣/ ٦٧٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧). تنبيه: التسليمتان ركن عند الحنابلة في غير صلاة الجنازة وسجود التلاوة والشكر فالركن فيها سجدة واحدة. وأما صلاة النافلة فعند المتأخرين من الحنابلة نزاع، فظاهر المنتهى وجوب التسليمتين، ونصُّ الإقناع -وعليه مشى صاحب الغاية- أنّ التسليمة الثانية سنَّة. انظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧)، كشَّاف القناع (١/ ٣٨٩)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٥٠٠).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (١/ ٣٢١)، مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٩٥)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٨).
(٣) انظر: تحبير المختصر على مختصر خليل (١/ ٢٨٩، ٢٩٤)، التاج والإكليل لمختصر خليل (٢/ ٢١٨، ٢٢٤)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٩٠، ١٩١)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٧١)، الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (١/ ٣١٨)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ٥٣٥). تنبيه: التسليمة الثانية عند المالكيَّة لا تسنُّ للإمام ولا للمنفرد، وإنما تسنُّ للمأموم فقط؛ لأنها من قبيل الرد على سلام الإمام. انظر: المصادر السابقة.
(٤) أخرجه أبو داود في (كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء) (١/ ٢٢) رقم (٦١)، والترمذي في (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور) (١/ ٥٤) رقم (٣)، وابن ماجه في (أبواب الطهارة وسننها، باب مفتاح الصلاة الطهور) (١/ ١٨٣) رقم (٢٧٥). والحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو متكلَّم فيه، وقد صحح الحديث واحتج به جمع من أئمة النقد وحفاظ الحديث، منهم: عبد الرحمن بن مهدي، والبيهقي، وابن العربي، والبغوي، والرافعي، والنووي وغيرهم. وقال الترمذي بعد إخراجه للحديث: «هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل [يعني البخاري]، يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي، يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد [هو البخاري]: وهو مقارب الحديث»، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ١٢٠) -بعد ذكره لقول ابن مهدي في اشتراط الله أكبر في تكبيرة الإحرام-: «هذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث» تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ «وتديُّن منه به، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه وحسبك به» انظر: شرح السنة للبغوي (٣/ ١٧)، شرح مسند الشافعي (١/ ٣٠٥)، خلاصة الأحكام (١/ ٣٤٨)، نصب الراية (١/ ٣٠٧)، البدر المنير (٣/ ٤٤٧)، التلخيص الحبير (١/ ٣٨٩).
[ ١٨٧ ]
ووجه الدلالة في الحديث: أنَّ التسليم المراد بالحديث هو التسليم المعهود من النبي ﷺ وقد كان يسلَّم تسليمتان (^١)؛ فيكون فعله مبيِّنًا لمجمل الحديث.
الدليل الثاني: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» أخرجه مسلم (^٢).
ووجه الدلالة في الحديث: قول النبي ﷺ (إِنَّمَا يَكْفِي)، ففي هذا دليل على أنَّ الكفاية محصورة بوقوع التسليمتين، وأنَّ ما دون هذا القدر غير مجزئ (^٣).
الدليل الثالث: عن سعد بن أبي وقاص ﵁: قال: «كنتُ أَرَى رسول الله ﷺ
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٧٣).
(٢) أخرجه مسلم في (كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون فِي الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام) (٢/ ٢٩) رقم (٤٣٠).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٥٩).
[ ١٨٨ ]
يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» أخرجه مسلم (^١).
ووجه الدلالة: فعل النبي ﷺ في التسليمتين، إذ لم يُنْقَل عن النبي ﷺ غير ذلك (^٢)، وفعله محمول على الوجوب لقوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٣)، قال الإمام أحمد ﵀: «ثبت عندنا عن النبي ﷺ من غير وجه أنَّه كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده» (^٤).
الدليل الرابع: أنَّ الصلاة عبادة لها تحلُّلان، فيقال بوجوبهما قياسًا على تحللي الحج (^٥).