تحرير محل النزاع:
تقدم إجماع العلماء على تحريم الصلاة في الأرض المغصوبة، لكنَّهم اختلفوا في صحة الصلاة وفسادها على قولين (^٨):
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٥١).
(٢) التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (١/ ٣٥١).
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (١/ ٣٣٦).
(٥) رؤوس المسائل لأبي جعفر الشريف (١/ ١٦٥).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في (كتاب الصلاة، الصلاة فِي أعطان الإبل) (٣/ ٣٠٥) رقم (٣٩٠٢)، (٣/ ٣٠٧) (٣٩١٣).
(٧) أخرجه مالك في (كتاب الصلاة، العمل في جامع الصلاة) (٢/ ٢٣٦) رقم (٥٨٦).
(٨) نقل أبو بكر الباقلاني ﵀ إجماع السلف على صحة الصلاة في الأرض المغصوبة في التقريب والإرشاد (٢/ ٣٦٠)، لكن أبا المظفر السمعاني ﵀ أنكر صحة انعقاد الإجماع في المسألة أشد الإنكار؛ إذ يقول: «أجاب بعض من يدعي التحقيق من المتأخرين عن هذه المسألة، وقال: القياس أن لا تجوز صلاته لكنا جوزنا بالإجماع، وهذا مردود لا يلتفت إليه عالم، وكيف يدعى الإجماع، وقد ذهب جماعة كثيرة من علماء الأمة إلى إفساد هذه الصلاة وليس تتأتى مسالك الفقه لكل واحد، ولا ينبغي أن يغترَّ بطنطة الناس وتزخرفهم في عباراتهم، فإن مع أكثرهم دعاوي عريضة وعجز ظاهر، وتهالك على الألفاظ المروَّقة من غير طائل، والله العاصم بمنِّه» الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة (١/ ٣١٦). وانظر أيضًا: البرهان في أصول الفقه (١/ ٩٨)، المستصفى (ص: ٦٢).
[ ١٥٧ ]
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: فساد الصلاة إلا الجمعة والعيد والجنازة ونحوها. وهو مذهب الحنابلة (^١).
القول الثاني: صحة الصلاة مطلقًا. وهو مذهب الجمهور (^٢).
وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بفساد الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الحنابلة أيضًا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها:
_________________
(١) انظر: المنور في راجح المحرر (ص: ١٦٣)، كشَّاف القناع (١/ ٢٩٥)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٣٦٩). وقد نصَّ أحمد ﵀ على جواز صلاة الجمعة في أرض الغصب وسبب استثناء الحنابلة من البطلان الجمعة ونحوها أنَّ «الجمعة تختص ببقعة، فإذا صلاها الإمام في الموضع المغصوب، فامتنع الناس من الصلاة فيه، فاتتهم الجمعة، وكذلك من امتنع فاتته، ولذلك أبيحت خلف الخوارج والمبتدعة، وصحت في الطرق لدعاء الحاجة إليها، وكذلك الأعياد والجنازة.» قاله ابن أبي عمر ﵀ في الشرح الكبير على المقنع (٣/ ٣٠٣).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٦، ٢/ ٨٨)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١١٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٢٢٤)، حاشية العدوي على شرح الخرشي (١/ ٢٥٣)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (١/ ٥٧١)، التنبيه في الفقه الشافعي (ص: ٢٩)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ٥١)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٢/ ١٦٨).
[ ١٥٨ ]
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (^١).
ووجه الدلالة: أنَّ الصلاةَ في الأرض المغصوبة «ليس عليها أمر الله ورسوله، بل هي على غير أمر الله ورسوله» (^٢)، وما كان على هذا المعنى فهي ردٌّ.
الدليل الثاني: أن قيام المصلي وقعوده في الأرض المغصوبة أفعال محرمة، وإذا صححنا الصلاة فيها كان المصلي «متقربًا بما هو عاص به، مأمورًا بما هو منهيٌّ عنه» (^٣).
الدليل الثالث: القياس، وذلك بقياس الصلاة في الأرض المغصوبة على الصلاة في الثوب النجس بجامع أنَّ كلتا الصلاتين صلاةٌ محرمة، فاقتضى ذلك فسادهما أيضًا (^٤).
الدليل الرابع: أنَّ الصلاة إما أن تكون واجبة، وإما مندوبة، وإما جائزة، والصلاة في الأرض المغصوبة «تخرج عن هذه الأقسام، فلم تكن صلاة شرعية، فيجب ألا تصح» (^٥).