تحرير محل النزاع:
تقدم إجماع العلماء على أنَّ التفريق اليسير في الوضوء لا يضرُّ، واختلفوا في حكم الموالاة فيما سوى ذلك على أقوال:
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: وجوبُ الموالاة مطلقًا. وهو مذهب الحنابلة (^٢).
القول الثاني: وجوبُ الموالاة مع القدرة والذكر، وهو مذهب المالكيَّة (^٣).
القول الثالث: استحبابُ الموالاة مطلقا، وهو مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة (^٤).
_________________
(١) شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ١٩٠).
(٢) الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٥٥)، المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (١/ ١٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٠). ونصَّ الحنابلة على عدم سقوط الموالاة بالنسيان والجهل. قال المرداوي في الإنصاف (١/ ٣٠٣): «لا يسقط الترتيب والموالاة بالنسيان، على الصحيح من المذهب. وعليه جمهور الأصحاب، والجهل كذلك في الحكم» بتصرف يسير. وانظر أيضًا: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (ص: ٥٣، ٨٨).
(٣) انظر: المدونة (١/ ١٢٤)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢٢٣)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٩٠).
(٤) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٣٢٧)، التجريد للقدوري (١/ ١٣٣)، البناية شرح الهداية (١/ ٢٥٠)، الحاوي الكبير (١/ ١٣٦)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (١/ ٢٧٥)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٢٣٦).
[ ١٣١ ]
وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بوجوب الموالاة مطلقًا، وهم الحنابلة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ: «أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا يصلِّي وفي ظهر قدمه لُمْعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أنْ يُعِيد الوضوء والصَّلاة» أخرجه أبو داود وأحمد (^١).
ووجه الدلالة: أنَّ في أمر النبي ﷺ بإعادة الوضوء دلالة على وجوب الموالاة؛ إذ «لو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة حسْب» (^٢).
الدليل الثاني: أنه لم يُنقل لنا أنَّ النبي ﷺ توضأ إلا وضوءًا متواليًا، وهذا بيان منه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في (كتاب الطهارة، باب تفريق الوضوء) (١/ ٦٨) رقم (١٧٥)، وأحمد في (مسند المكيين ﵃ (٦/ ٣٢٩٠) رقم (١٥٧٣٥). والحديث مُتكلَّم فيه من جهتين: الأولى: أنه مرسل؛ لعدم ذكر الصحابي في الحديث قال ذلك ابن حزم والبيهقي. وردَّ ذلك عامة العلماء، وقالوا: جهالة الصحابي لا تضر، ولا تصيِّر الحديث مرسلا. حتى إن ابن حجر عدَّ هذا غفلة من البيهقي. والجهة الثانية: أن في إسناد الحديث بقيَّة بن الوليد، وهو مدلِّس واختلف في الاحتجاج فيه أيضًا. وردَّ هذا بعض العلماء بأمرين، الأول: أنَّ بقية صرح بالتحديث في الحديث. والثاني: أنَّ هذا الحديث يرويه بقية عن بحير. قال ابن عبد الهادي في تعليقته على العلل لابن أبي حاتم (ص: ١٥٧): «رواية بقيَّة عن بحير صحيحة، سواء صرَّح بالتحديث أم لا، مع أنَّه قد صرح في هذا الحديث بالتحديث». والحديث قال عنه الإمام أحمد: إسناده جيَّد. انظر: السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٥٣)، المحلى بالآثار (١/ ٣١٤)، الأحكام الوسطى (١/ ١٨٤)، خلاصة الأحكام (١/ ١١٤)، الإلمام بأحاديث الأحكام (١/ ٧٤)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٢٢٥)، تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٣٨٧)، البدر المنير (٢/ ٢٣٩)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٢٩).
(٢) الشرح الكبير على المقنع (١/ ٣٠٤).
[ ١٣٢ ]
للمراد بالغسل في الآية (^١)، وكذلك أمر النبي ﷺ بالتأسي به (^٢).
الدليل الثالث: قياس الوضوء على الصلاة في وجوب الموالاة، وذلك أنَّ الصلاة والوضوء عبادتان يُفسدهما الحدث؛ فاشترطت فيهما جميعًا الموالاة (^٣).