تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء على نجاسة لحم ميتة البرِّ وعلى نجاسة شحمها (^٣)، وتقدَّم الخلاف في جلود الميتة وهو خارج محل النزاع في هذا الفرع، واختلف العلماء في شعر الميتة وصوفها ووبرها وهو خارج محل النزاع كذلك (^٤)، واتفقت المذاهب الأربعة على نجاسة عظم الخنزير (^٥).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٢).
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٨٥).
(٣) انظر: مراتب الإجماع (ص: ٢٣)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ٨٣).
(٤) اختلفت المذاهب في صوف الميتات وشعرها ووبرها، فقال الجمهور: هي طاهرة -على اختلاف في تفاصيل بينهم-، وقال الشافعيَّة: هي نجسة إلا شعر الآدمي. انظر: التجريد للقدوري (١/ ٨٩)، الهداية في شرح بداية المبتدي (١/ ٢٣)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١١٣)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٨٩)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٧٦)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٢٩)، المغني لابن قدامة (١/ ٥٩)، كشَّاف القناع (١/ ٥٧).
(٥) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ١٤٢)، النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ٢٣٣)، الذخيرة للقرافي (١/ ١٦٥)، المجموع شرح المهذب (١/ ٢٣٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣١).
[ ١٠٦ ]
واختلفوا في حكم عظام الميتات غير الخنزير -مأكولة اللحم كانت أو غير مأكولة- على قولين:
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: طهارة عظام الميتات، وهو مذهب الحنفيَّة (^١).
القول الثاني: نجاسة عظام الميتات، وهو مذهب الجمهور (^٢).
وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بطهارة عظام الميتات، وهم الحنفيَّة، وعلى القول بطهارتها يجوز استعمال عظام الميتات في الأواني وغيرها، وقد استدل الحنفيَّة على هذه المسألة بأدلة منها:
الدليل الأول: عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا ثَوْبَانُ اشْتَر لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» أخرجه أبو داود (^٣).
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٩٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦). قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٩٦): «كل ما لا تَحُلُّه الحياة من أجزاء الهوية محكوم بطهارته بعد موت ما هي جزؤه؛ كالشعر والريش والمنقار والعظم والعصب والحافر والظلف واللبن والبيض الضعيف القشر والإنفحة، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك».
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٨٣)، المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٧٠٥)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٥٤)، الأم للشافعي (١/ ٢٣)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٣٦)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٢٣١)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٦٥)، شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ١٢٨)، كشَّاف القناع (١/ ٥٦).
(٣) أخرجه أبو داود في (كتاب الترجل، باب في الانتفاع بالعاج) (٤/ ١٤٠) رقم (٤٢١٣)، والحديث تفرد به حميد الشامي. قال ابن عدي في الكامل (٣/ ٧١) بعد ذكره للحديث: «حُمَيدٌ الشاميُّ هذا إنما أنكر عليه هذا الحديث، وهو حديثه، ولم أعلم له غيره». ونقل البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٧٥) عن أبي طالب صاحب الإمام أحمد قوله: «سألتُ أحمدَ بن حنبل عن حُمَيدٍ الشاميِّ هذا، قال: لا أعرفه»، ونحو هذا قال يحيى بن معين. وللحديث علَّة أخرى وهي جهالة سليمان المنبهي. نصَّ على ذلك ابن معين وابن الجوزي وغيرهما، وقد نصَّ المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٤١٣) على أنَّه ليس لحميد الشامي ولا لسليمان المنبهي في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند أبي داود. وقال بضعف الحديث: ابن عدي، وعبد الحق الإشبيلي، وابن الجوزي، والذَّهبي. انظر: تاريخ ابن معين (ص: ٩٧)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ٢٣٢)، الأحكام الوسطى (٤/ ٢٠٦)، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (٢/ ٣١٥)، تاريخ الإسلام (٣/ ٢٢٩)، تقريب التهذيب (ص: ١٨٢، ٢٥٥).
[ ١٠٧ ]
ووجه الدلالة: أنَّ العاج هو عظم الفيل (^١)، والفيل من الميتات ولا يجوز أكله؛ لكونه من السباع (^٢)، وإذا جاز استعمال عظم الفيل مع كونه ميتة دلَّ ذلك على جواز الانتفاع بعظام الميتات (^٣).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: وجدَ النبي ﷺ شاة ميتة، أُعْطِيَتْها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي ﷺ: «هلَّا انْتفعتم بجلدها» قالوا: إنها ميتة؟ قال: «إِنَّما حَرُمَ أَكْلُهَا» متفق عليه (^٤).
ووجه الدلالة: قوله ﷺ: (هلا انتفعتم بجلدها)؛ إذ فيه دليل على «أنَّ ما عدا المأكول من أجزاء الميتة لا يحرم الانتفاع به» (^٥)، والعظم مما لا يؤكل؛ فجاز الانتفاع به.
الدليل الثالث: أنَّ العظم لا حياة فيه؛ وذلك أنَّ الحيوان «لا يتألم بقطعه، ألا ترى أنَّه إذا قُص ظلفه أو حافره أو نشر قرنه لا يؤثر فيه، وكلُّ ما لا يتألم بقطعه لا حياة
_________________
(١) انظر: الحيوان للجاحظ (٧/ ١٣٧)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٣٣٢)، مجمل اللغة لابن فارس (ص: ٦٤١). وانظر أيضًا: انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٤٧٦).
(٢) انظر: الاختيار لتعليل المختار (٥/ ١٣)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (٥/ ٢٩٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ٤٢٥).
(٤) تقدم تخريجه في الفرع الأول من هذا المطلب.
(٥) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٧١). وانظر أيضًا: عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٩/ ٨٩)، فيض الباري على صحيح البخاري (٣/ ١٥٨).
[ ١٠٨ ]
فيه» (^١)، «فدلَّ أنه ليس في العظام حياة؛ فلا يتنجس بالموت» (^٢).
الدليل الرابع: الاستصحاب؛ إذ الأصل في الأعيان الطهارة حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، يقول ابن الهمام ﵀ في عظام الميتات: «المعهود فيها حالة الحياة الطهارة، وإنما يؤثِّر الموت النجاسة فيما تَحُلُّه، ولا تَحُلُّها الحياة فلا يَحُلُّهَا الموت، وإذا لم يَحُلَّهَا وجب الحكم ببقاء الوصف الشرعي المعهود؛ لعدم المزيل» (^٣).
الدليل الخامس: ظهور استعمال الناس للعاج -وهو: عظم ميتة- من غير نكير، ولو كان نجسًا لحرم ذلك، ولحصل فيه النكير (^٤).