تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء -كما تقدَّم- على ركنية الركوع والسجود في الصلاة، وأن الصلاة لا تصحُّ من دونها إلا بعذر، واختلفوا في حكم قول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وفي حكم قول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود على قولين (^٢):
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: الوجوب، وهو مذهب الحنابلة (^٣).
القول الثاني: السنيَّة، وهو مذهب الجمهور (^٤).
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٥٧، ٣٦٢)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٥٠).
(٢) تنبيه: حكى الكرماني ﵀ في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ١٨٢) الإجماع على عدم وجوب التسبيح في الركوع، وفي هذا نظر بالغ إذ المعتمد في مذهب الحنابلة الوجوب. قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري (٢/ ٣١٢) متعقبًا الكرماني:» في دعوى هذا الإجماع نظر، فإنَّ أحمد يقول بوجوبه».
(٣) انظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح (٢/ ١٣١)، المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٧٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨). والواجب عند الحنابلة مرة واحدة، وأدنى الكمال ثلاث، وأعلاه للإمام عشر، وللمنفرد العرف، وأمَّا المأموم فهو تبع لإمامه.
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٣٣٣)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٦)، المدونة (١/ ١٦٨)، شرح التلقين (١/ ٥٥٦)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٤٨)، الأم للشافعي (١/ ١٣٤)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٠)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج مع حاشية الشبراملسي (١/ ٤٩٩).
[ ١٨٤ ]
وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بوجوب التسبيح في الركوع والسجود، وهم الحنابلة. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن عقبة بن عامر ﵁، قال: «لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] قال رسول الله ﷺ: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» أخرجه أبو داود وابن ماجه (^١).
ووجه الدلالة: أمر النبي ﷺ في الحديث، إذ إن الأمر المطلق إذا عَرِيَ عن القرائن اقتضى الوجوب (^٢).
الدليل الثاني: عن حذيفة ﵁ قال: «صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلة … ثم ركع فجعل يقول: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سَمِعَ اللهُ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده) (١/ ٣٢٤) رقم (٨٦٩)، وابن ماجه في (أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب التسبيح فِي الركوع والسجود) (٢/ ٥٧) رقم (٨٨٧). والحديث فيه موسى بن أيوب وهو مختلف فيه -لا سيما في روايته عن عمه وهذا الحديث منها-، وموسى ضعَّفه ابن معين -في رواية عنه- والساجي والعقيلي، وقال عنه ابن حجر في التقريب: مقبول. ووثقه ابن معين -في رواية ثانية- وأبو داود وابن حبان والذهبي. وقد صحَّح الحديث: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والنووي وابن الملقن والعيني. انظر: تاريخ ابن معين - رواية الدوري (٤/ ٤٢٩)، صحيح ابن خزيمة (١/ ٦٣٢)، صحيح ابن حبان (٥/ ٢٢٥)، مستدرك الحاكم (١/ ٢٢٥)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤١٣)، تهذيب الكمال: (٢٩/ ٣١)، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (٤/ ٣٥٨)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٧٦)، البدر المنير (٣/ ٦٠٨) تهذيب التهذيب (٤/ ١٧١)، تقريب التهذيب (١/ ٩٧٨)، نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٥).
(٢) انظر: العدة في أصول الفقه (١/ ٢٢٤)، التمهيد في أصول الفقه (١/ ١٤٥)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٩).
[ ١٨٥ ]
لِمَنْ حَمِدَهُ. ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى. فكان سجوده قريبا من قيامه» أخرجه مسلم (^١).
ووجه الدلالة في الحديث من وجهين:
الأول: أنَّ فعل النبي ﷺ خرج بيانًا لمجمل القرآن، و» بيان الرسول ﷺ للقرآن يجب علينا أن نَرْجِعَ إليه؛ لأنَّ أعلم الخَلْقِ بكلام الله هو رسول الله» (^٢)، وفي القران الأمرُ بالركوع والسجود، فتكون صفته على ما جاء في فعل النبي ﷺ.
والثاني: أنَّ أفعال النبي ﷺ في الصلاة محمولة على الوجوب؛ لقوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٣).
الدليل الثالث: قياس التسبيح في الركوع والسجود على قراءة الفاتحة في القيام، بجامع أن كليهما فعل في الصلاة؛ فلم يخلُ من ذكر واجب (^٤).