تحرير محل النزاع:
تقدم أن العلماء مجمعون على أنَّ المأموم إذا صلى مع الإمام وهو عالم بحدث إمامه أن صلاته لا تصح، ولكن اختلفوا في المأموم يصلي خلف إمام محدث أو جنب وهو لا يعلم.
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: أنَّ صلاة من خلفه صحيحة، علم الإمام بحدثه أو لم يعلم، وهو مذهب الشافعيَّة (^٢).
القول الثاني: أنَّ صلاة من خلفه صحيحة إن كان الإمام جاهلًا بحدثه، وهو مذهب المالكيَّة (^٣).
القول الثالث: أن صلاة من خلفه صحيحة إن لم يعلم الإمام ولا المأموم بالحدث
_________________
(١) النكت في المختلف لأبي القاسم السمعاني (١/ ١٥١)، وانظر أيضًا: الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة (١/ ٢٨٥).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٩٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٢/ ٢٩٠)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٢/ ٢٩١).
(٣) انظر: الجامع لمسائل المدونة (١/ ٢٥٦)، جامع الأمهات (ص: ١١٤)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٣٢٧).
[ ٢١٩ ]
إلا بعد الصلاة، وهو مذهب الحنابلة (^١).
القول الرابع: أنَّ صلاة من خلفه باطلة مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (^٢).
ويظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في هذا الفرع هم الشافعيَّة أيضًا؛ وذلك أنَّهم قالوا بصحة صلاة المأموم مطلقًا، وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن البراء بن عازب ﵁ قال: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ فَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ، وَأَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ» أخرجه الدارقطني والبيهقي (^٣).
ووجه الدلالة في الحديث قوله: (فتمَّت للقوم)، وكذلك في عدم أمر النبي ﷺ أصحابه بالإعادة.
الدليل الثاني: ما ثبت عن بعض الصحابة ﵃ أنهم صلوا بالناس على غير طهارة، فأعادوا ولم يعد من خلفهم (^٤).
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير على المقنع (٤/ ٣٩١)، الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ٢٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٧٦)، كشَّاف القناع (١/ ٤٨٠). وقول المالكيَّة والحنابلة متقارب، إلا أن الحنابلة لم يصححوا صلاة المأموم إن علم الإمام أو المأموم بالحدث في الصلاة.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٠)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ١٤٤)، البناية شرح الهداية (٢/ ٣٦٨).
(٣) أخرجه الدارقطني في (كتاب الصلاة، باب صلاة الإمام وهو جنب أو محدث) (٢/ ١٨٥) رقم (١٣٦٦)، والبيهقي في السنن الكبرى في (كتاب الصلاة، باب إمامة الجنب) (٢/ ٥٥٩) رقم (٤٠٧٦) وقال: «هذا غير قوي». وضعف الحديث ابن عدي، وابن الملقن، وابن حجر. انظر: الكامل في الضعفاء (٦/ ٤٤٤)، البدر المنير (٤/ ٤٤١)، التلخيص الحبير (٢/ ٧٢).
(٤) ثبت ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر ﵃. أما أثر عمر ﵁ فأخرجه عبد الرزاق في (كتاب الصلاة، باب الرجل يؤم القوم وهو جنب أو على غير وضوء) (٢/ ٣٤٨) رقم (٣٦٤٨) وابن أبي شيبة في (كتاب الصلاة، الرجل يصلي بالقوم وهو على غير وضوء) (٣/ ٤٧١) رقم (٤٦٠٤)، وأما أثر عثمان ﵁ فأخرجه الدارقطني في (٢/ ١٨٨) رقم (١٣٧٢) (كتاب الصلاة، باب صلاة الإمام وهو جنب أو محدث) والبيهقي في «سننه الكبير» (٢/ ٤٠٠) رقم (٤١٤٤) (كتاب الصلاة، باب إمامة الجنب)، وأمَّا أثر ابن عمر ﵄ فأخرجه عبد الرزاق في (كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر) (١/ ١١٥) رقم (٤١٧)، والدارقطني في (كتاب الصلاة، باب صلاة الإمام وهو جنب أو محدث) (٢/ ١٨٩) رقم (١٣٧٤) وفيه: «قال ابن مهدي: قلت لسفيان: علمت أن أحدًا قال: يعيدون، قال: لا، إلا حماد».
[ ٢٢٠ ]
الدليل الثالث: أنَّ الاقتداء لا يوجب تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام (^١)، وذلك أنَّ كلًّا من الإمام والمأموم يصلي لنفسه (^٢)، ووجه عدم التعلق ما ذكر المزني أنه «كما لا يجزئ عني فعل إمامي فكذلك لا يفسد عليَّ فساد إمامي» (^٣).