تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء على أنَّ طهارة الأذنين مشروعة من حيث الأصل (^٢)، واختلفوا في حكم طهارتها بين الوجوب والاستحباب على قولين (^٣):
الأقوال، وأشهر أدلَّة المضيق في المسألة:
القول الأول: وجوب مسح الأذنين في الوضوء، وهو مذهب الحنابلة (^٤).
القول الثاني: استحباب مسح الأذنين في الوضوء، وهو مذهب الجمهور (^٥).
_________________
(١) العدة شرح العمدة (ص: ٣٠). وانظر أيضًا: الشرح الكبير على المقنع (١/ ٣٢٨).
(٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٤١٦). تنبيه: حكى ابن القطان في الإقناع (١/ ٨٦) الإجماع على: «أنَّ من ترك مسح الأذنين حتى صلى أن لا إعادة عليه»، وحكى هذا الطبري -فيما نقله عنه النووي-، والقرافي كذلك، وفي هذا نظر، إذ المعتمد عند الحنابلة هو الوجوب على ما سيأتي. انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٤١٦)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٦٦).
(٣) نقل النووي عن أبي الطيب وغيره أنَّ الشيعة قالوا: «لا يستحب مسح الأذنين؛ لأنه لا ذكر لهما في القرآن» ثم قال النووي «لكن الشيعة لا يعتدُّ بهم في الإجماع، وإن تبرعنا بالرد عليهم فدليله الأحاديث الصحيحة». انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٤١٦).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٦٦)، المبدع في شرح المقنع (١/ ١٠٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٠).
(٥) انظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٨)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٧)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ١٢١)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٧٠)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ١٤٠)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢٤٨)، الحاوي الكبير (١/ ١٢٠)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٢٣٣)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٩١).
[ ١٢٩ ]
وعليه فأضيق المذاهب في المسألة من قال بوجوب مسح الأذنين، وهم الحنابلة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة منها:
الدليل الأول: عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (^١).
ووجه الدلالة: أنَّ مسح الرأس -على ما تقدَّم- واجب بالإجماع، فإذا كانت الأذنان منه فمسحها واجب كذلك (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في (كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ (١/ ٥٠) رقم (١٣٤) والترمذي في (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن الأذنين من الرأس) (١/ ٨٦) رقم (٣٧)، وابن ماجه في (أبواب الطهارة وسننها، باب الأذنان من الرأس) (١/ ٢٨٣) رقم (٤٤٤). وأُعل الحديث بعلتين: الأولى: الاختلاف في رفعه ووقفه، قال أبو داود عقب إخراج الحديث: «قال حماد: لا أدري هو من قول النبي ﷺ أو أبي أمامة»، والثانية: أنَّ مدار الحديث على شهر بن حوشب وقد تُكلِّم فيه. قال الترمذي عقب الحديث: «إسناد هذا الحديث ليس بالقائم». والحديث أعلَّه من غير ما تقدم: عبد الحق الإشبيلي والنووي وابن عبد الهادي وابن حجر. انظر: الأحكام الوسطى (١/ ١٧١)، خلاصة الأحكام (١/ ١١١)، المحرر في الحديث (ص: ١٠٥)، التلخيص الحبير (١/ ١٦٠). وقد روي الحديث عن جماعة من الصحابة ﵃ ولا تخلو جميعها من علة. قال البيهقي في الخلافيات (١/ ١٤٤): روي الحديث «بأسانيد كثيرة، ما منها إسناد إلا وله علة. روي ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن زيد، وسمرة بن جندب، وروي ذلك عن عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵃» ثم بيَّن البيهقي علة كل حديث منها. وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٧١): «روي عن أبي أمامة، وابن عباس، وأبي موسى، وأبي هريرة وابن عمر كلهم عن النبي ﷺ قال: (الأذنانِ منَ الرّأْسِ)، ولا يصحُّ منها كلها شيء». وروى حرب في مسائله (ص: ٢٤٠): «قلت لأحمد: فالأذنان من الرأس؟ قال: نعم. قلت: فيه شيء عن النبي ﷺ؟ قال: لا أعلم». وقد أشار ابن الصلاح في مقدمته (ص: ٣٣) إلى هذا الحديث في معرض الكلام على الحديث الذي لا يزول ضعفه بمجيئه من وجوه متعددة.
(٢) انظر: الشرح الكبير على المقنع (١/ ٣٥٢).
[ ١٣٠ ]
الدليل الثاني: أنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه، والله أمر بمسح الرأس «وفعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر وتفسيرًا للمجمل؛ فعُلِم أنَّ الرأس المذكور في القرآن هو ما مسحه ﷺ يريد بذلك أنَّهما عضوان متصلان بالرأس إيصال خلقة فكانا منه» (^١).