بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنفيَّة في جميع ما تقدم دون غيرهم من المذاهب، وعند النظر في المسائل الخلافيَّة في باب الآنية يظهر ما يعضد هذا المعنى أيضًا، وذلك:
• أنَّ الحنفيَّة قالوا: يطهر جلد الحيوان غير المأكول بذكاته ولو لم يدبغ (^١)، وقال الجمهور: لا يطهر بمجرد الذكاة (^٢).
• وقال الحنفيَّة: يحصل دباغ الجلود بالتَّشميس والتتريب والإلقاء في الرِّيح (^٣)، وقال الجمهور: لا يحصل الدباغ بذلك (^٤).
• وقال الحنفيَّة: بجواز اتخاذ آنية الذَّهب والفضَّة (^٥)، وقال الجمهور: لا يجوز (^٦).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٨٦)، فتح القدير للكمال ابن الهمام (١/ ٩٥).
(٢) انظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٤)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٤٩)، الأم للشافعي (١/ ٢٣)، الحاوي الكبير (١/ ٥٧)، المجموع شرح المهذب (١/ ٢٤٥)، المغني لابن قدامة (١/ ٥٢)، الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١١٨).
(٣) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٨٦)، فتح القدير للكمال ابن الهمام (١/ ٩٥). ويسمى هذا الدباغ عند الحنفيَّة: الدباغ الحكمي.
(٤) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ١٦٦)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٠١)، المجموع شرح المهذب (١/ ٢٢٤)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٣٠٩)، كشَّاف القناع (١/ ٥٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣١).
(٥) انظر: عيون المسائل للسمرقندي الحنفي (ص: ٤٢٧)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٢).
(٦) انظر: التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (٢/ ٤١٣)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٢٨)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ١٢١)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٠٤)، شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ١١٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٨).
[ ١١٢ ]
• وقال الحنفيَّة: يجوز الإناء المُكفَّت (^١) بالذَّهب والفضَّة (^٢)، وقال الشافعيَّة: يجوز ذلك بالفضَّة اليسيرة دون الذَّهب (^٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يحرم مطلقًا (^٤).
• بل ذهب الحنفيَّة إلى أن الاستعمال المحرم في آنية الذَّهب والفضَّة أن تستعمل ابتداء فيما صنعت له بحسب عرف الناس، وأما إن استعلمت في غير ذلك فلا كراهة، يقول ابن مازة ﵀ في كلامه على إناء الذَّهب والفضَّة: «إذا أدخل يده في الإناء وأخرج منها الدهن ثم استعمله لا بأس به، وكذلك إذا أخذ الطعام من القصعة ووضعه على خبز أو ما أشبه ذلك، ثم أكل لا بأس به» (^٥)، ويقول الحصكفي ﵀ «لو نقل الطعام من إناء الذَّهب إلى موضع آخر أو صبَّ الماء أو الدهن في كفّه لا على رأسه ابتداء ثم استعمله لا بأس به» (^٦)، غير أن عابدين ﵀ لم يسلم هذا الإطلاق (^٧).
_________________
(١) الإناء المُكفَّت هو: «أن يُبرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة، ويوضع فيها شريط دقيق من ذهب أو فضة، ويدق عليه حتى يلصق»، قاله البهوتي في شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٩). وانظر أيضًا: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٢٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (١٢/ ٧٠)، حاشية الطحطاوي على الدر المختار (٤/ ١٧٣).
(٣) انظر: النجم الوهاج في شرح المنهاج (١/ ٢٦٠)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٠٦).
(٤) انظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٥١)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٢٩)، الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٠٨)، كشَّاف القناع (١/ ٥٢).
(٥) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٥/ ٣٤٦).
(٦) الدر المختار (٦/ ٣٤١).
(٧) انظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤١). وانظر أيضا: البناية شرح الهداية (١٢/ ٦٧)، حاشية الطحطاوي على الدر المختار (٤/ ١٧٢).
[ ١١٣ ]
ثم إنه عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر -والله أعلم- أنَّ مذهب الشافعيَّة يقارب مذهب الحنفيَّة في السعة؛ وذلك أنهم -كما تقدم- قالوا بطهارة الحيوانات بالدبغ سوى الكلب، وإنما زاد عليهم الحنفيَّة بطهارة جلد الكلب، وكذلك في مسألة الضبة، فإن الحنفيَّة قالوا بالإباحة مطلقا، والشافعيَّة أقرب المذاهب إليهم فإنهم قالوا بإباحة ضبة الفضَّة للحاجة مطلقا، وقالوا بإباحة ضبة الفضَّة اليسيرة للزينة.
وأمَّا المالكيَّة والحنابلة فهم متقاربون في الضيق، فانفرد المالكيَّة بمنع الضبة مطلقا حتى لو كانت من يسير الفضَّة كما تقدَّم، وانفرد الحنابلة بقولهم: يحرم الإناء من النحاس ونحوه إذا طُلِي (^١) بالذَّهب أو الفضَّة (^٢)، وقال الجمهور: بالجواز (^٣)، وتقدَّم أنَّ جلود الميتات لا تطهر بالدبغ مطلقا عند المالكيَّة والحنابلة، غير أنَّ الحنابلة ضيَّقوا في جواز استعمالها في اليابسات أكثر من المالكيَّة؛ إذ اشترطوا
_________________
(١) ويُسمَّى عند كثير من الفقهاء بالإناء المموه. انظر: البناية شرح الهداية (١٢/ ٧١)، كشَّاف القناع (١/ ٥١).
(٢) انظر: الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٠٨)، كشَّاف القناع (١/ ٥١).
(٣) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ١٣٣)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٤)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ١٢٨)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٦٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٣٩)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٠٤). تنبيهان: الأول: التمويه إذا كان لا يخلص منه شيء فهو مباح بالإجماع عند الحنفيَّة، وعند المالكيَّة والشافعيَّة خلاف وإن كان المعتمد هو الجواز. وإنما نبهت على هذا لتكون المسألة بهذا الاعتبار شاهدًا على سعة الحنفيَّة. انظر: البناية شرح الهداية (١٢/ ٧٢). التنبيه الثاني: الإباحة عند الشافعيَّة بشرط ألا يخلص من التمويه شيء، فإن خلص من ذلك شيء حرم قطعًا، وكذا فالإباحة عند الشافعيَّة في الاستدامة، أمَّا فعل التمويه فحرام مطلقًا. انظر: بداية المحتاج في شرح المنهاج (١/ ١١٦)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ١٢٣).
[ ١١٤ ]
-زيادة على مذهب المالكيَّة- أن يكون الجلد من حيوان طاهر في الحياة، ومنعوا كذلك من استعمالها في الماء.