بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الحنابلة في فروض الوضوء دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك:
• أنَّ الحنابلة قالوا: تجب التَّسمِية في أول الوضوء مع الذكر (^٤)، وقال الجمهور: التَّسمِية سنَّة (^٥).
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٠٢)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٣٠٤).
(٢) انظر: الممتع في شرح المقنع لابن المنجى (١/ ١٤٤).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٠٢)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ١٥٧).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٩). ومما يبين ضيق الحنابلة في مسألة التسمية قولهم: من ذكر التسمية أثناء الوضوء أعاده من أوله، وهذه المسألة وقع فيها خلاف قوي بين متأخري الحنابلة، فالمرداوي وابن النجار ومرعي اختاروا الإعادة، وخالف في ذلك العسكري والحجاوي -في الإقناع وفي حاشية التنقيح- وغيرهم فقالوا: يسمي ويبني على وضوئه، والمذهب ما في الإنصاف والمنتهى والغاية. انظر: الإنصاف (١/ ٢٧٧)، حاشية التنقيح للحجاوي (ص: ٤٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٩)، كشَّاف القناع (١/ ٩١)، غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (١/ ٧٠).
(٥) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٠)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ١٠٨)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢٦٦)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٣٥)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٦٥)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٢٢٤).
[ ١٣٣ ]
• وقال الحنابلة: يجب غسل الكفين قبل الوضوء للقائم من نوم الليل ويسقط سهوًا (^١)، وقال الجمهور: يستحب (^٢).
• وقال الحنابلة: لا يجزئ غسل الرأس -إن لم يمر يده- عن مسحه (^٣)، وقال الجمهور: يجزئ الغسل عن المسح (^٤).
• وقال الحنابلة: لا يكفي وضع الماء في الفم والواجب إدارته، ومثله الأنف فالواجب فيه جذبه بالنفس (^٥)، وتقدَّم قول الجمهور في استحباب المضمضة والاستنشاق.
• وقال الحنابلة -وكذا الشافعيَّة-: يجب الترتيب بين أعضاء الوضوء (^٦)، وقال
_________________
(١) انظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٦٨)، كشَّاف القناع (١/ ٩٢). ومما يبن ضيق الحنابلة كذلك: أنهم قالوا بوجوب التسمية والنية عند غسل اليدين للقائم من نوم الليل. انظر: الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٢٦)، كشَّاف القناع (١/ ٩٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ١٧٨)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ١١٠)، المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ١٢٠)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢٤٢)، بحر المذهب للروياني (١/ ٨٢)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٢٢٥).
(٣) فإن أمرَّ يده بعد الغسل أجزأه. انظر: الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٨٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٩).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٢)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٥)، شرح التلقين (١/ ١٤٦)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ١٢٥)، عمدة السالك وعدة الناسك (ص: ١٣)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ١٧٤).
(٥) انظر: الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٢٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٧).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٣٨)، كنز الراغبين مع حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٧)، المبدع في شرح المقنع (١/ ٩٢)، كشَّاف القناع (١/ ٨٣).
[ ١٣٤ ]
الحنفيَّة والمالكيَّة: الترتيب سنة (^١).
• وقال الحنابلة -وكذا المالكيَّة-: يجب استيعاب الرأس في المسح (^٢)، وقال الحنفيَّة: يكفي مسح ربعه (^٣)، وقال الشافعيَّة: يكفي مسح أقل جزء منه ولو شعرة واحدة (^٤).
ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب قولًا في الفروض هم الحنفيَّة، وذلك:
• أنَّ الحنفيَّة قالوا: لا تجب النية في الوضوء (^٥)، وقال الجمهور: النيَّة واجبة (^٦).
• بل قال الحنفيَّة: لا يشترط في الوضوء إسلام المتوضئ (^٧).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ١٢٢)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢٤٩)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٣٥).
(٢) انظر: شرح التلقين (١/ ١٤٤)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٨٨)، الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٧٨)، كشَّاف القناع (١/ ٩٨).
(٣) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٤)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٩٩).
(٤) انظر: بحر المذهب للروياني (١/ ٩٥)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ٢٠٩).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٢)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ١٠٥) وقال ابن عابدين في حاشيته عن التارك للنية بلا عذر: إنه يأثم إثمًا يسيرًا إذا أصرَّ على ذلك. وحتى على القول بالإثم فإن الوضوء بلا نية تصحُّ به الصلاة عند الحنفيَّة بخلاف الجمهور.
(٦) انظر: التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (١/ ٢٠)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ١٢٨)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٥١)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١/ ١٩١)، المقنع في فقه الإمام أحمد (ص: ٢٨)، غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (١/ ٧٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥١).
(٧) انظر: التجريد للقدوري (١/ ٢٦٨)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١٨).
[ ١٣٥ ]
• وقال الحنفيَّة: لا يجب غسل المسترسل من اللحية (^١)، وقال الجمهور: غسله واجب (^٢).
• وتقدَّم أنَّ الوضوء لا يجب فيه ترتيب ولا موالاة عند الحنفيَّة، وأوجب المالكيَّة: الموالاة فقط، وأوجب الشافعيَّة: الترتيب فقط.
ومذهب المالكيَّة مقارب جدًّا لمذهب الشافعيَّة في الباب، وبرهان ذلك ما تقدم في المسائل الشواهد، وما سيأتي في المسائل المستثناة.