بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح اتساع الحنابلة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب الجمع بين الصلاتين يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا (^٤)، وذلك:
_________________
(١) التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (٣/ ١٠٤). وانظر أيضًا: كشَّاف القناع (٢/ ٦).
(٢) هذه من القواعد الخمس الكبرى التي عليها مدار الأحكام. انظر: الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٤٩)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ١٦٩)، القواعد للحصني (١/ ٣٠٨)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٧٦)، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (١/ ٢٤٥). ولفضيلة الشيخ أ. د. يعقوب الباحسين ﵀ كتاب في هذه القاعدة اسمه (قاعدة المشقة تجلب التيسير -دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية-).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) أنبِّه إلى أنَّ عامَّة المسائل الآتي ذكرها غير منصوص عليها صراحة في كتب الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة، وإنما يُعرف قولهم في المسألة من حصرهم الأحوال التي يجوز الجمع فيها، فما سوى ذلك يكون على الأصل من عدم الجواز. ولذا ستكون الإحالة في الهامش إلى أقوال الأئمة في حصر مواضع الجمع.
[ ٢٥٠ ]
• أن الحنابلة قالوا: يجوز الجمع للمستحاضة ومن به حدث مستمر (^١)، وقال الجمهور: لا يجوز (^٢).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع للعاجز عن معرفة الوقت كالأعمى والمطمور (^٣)، وقال
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير على المقنع (٥/ ٩٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٩٨).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، جامع الأمهات (ص: ١٢٠)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٢٣١)، العزيز شرح الوجيز (٢/ ٢٤٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٢٨٢).
(٣) انظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ١٠٤)، كشَّاف القناع (٢/ ٦).
[ ٢٥١ ]
الجمهور: لا يجوز (^١).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع للعاجز عن الطهارة بالماء أو بالتراب لكل صلاة (^٢)، وقال الجمهور: لا يجوز (^٣).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع بين العشاءين في الوحل مطلقًا (^٤)، وقال الجمهور: لا يجوز (^٥).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع بين العشاءين في الريح الشديدة الباردة (^٦)، وقال الجمهور: لا يجوز (^٧).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع بين العشاءين لأجل المطر ونحوه جمع تأخير (^٨)، وقال الجمهور: لا يجوز (^٩).
• بل قال الحنابلة: يجوز الجمع بعذر المطر ونحوه لمن كان يصلي في بيته، أو كان طريقه إلى المسجد تحت سقف ونحوه (^١٠)، وقال الجمهور: لا يجوز (^١١).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٦٧)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٢٣١)، العزيز شرح الوجيز (٢/ ٢٤٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٢٨٢).
(٢) انظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ١٠٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٩٨).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٦٧)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٢٣١)، العزيز شرح الوجيز (٢/ ٢٤٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٢٨٢).
(٤) انظر: التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (٣/ ٩٧)، كشَّاف القناع (٢/ ٧).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٣)، كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٣٤)، العزيز شرح الوجيز (٢/ ٢٤٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٢٨٢).
(٦) انظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ١٠٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٩٩).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٦٧)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٢٣١)، العزيز شرح الوجيز (٢/ ٢٤٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٢٨٢).
(٨) انظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ١٠٨)، كشَّاف القناع (٢/ ٧). فالحنابلة ينفردون بجواز جمع التأخير في المطر بين العشاءين، وأما جمع التقديم فجائز عند الجمهور خلافا للحنفية.
(٩) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٦٧)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٢٣١)، العزيز شرح الوجيز (٢/ ٢٤٧)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٢٨٢).
(١٠) انظر: المبدع في شرح المقنع (٢/ ١٢٧)، كشَّاف القناع (٢/ ٧).
(١١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٨١)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٣٣)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٣٧٢)، عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (١/ ٣٥٥)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٤٠٣).
[ ٢٥٢ ]
ثم عند إمعان النظر في المذاهب الثلاثة يجزم الناظر بأن أضيق المذاهب في باب الجمع بين الصلاتين هم الحنفيَّة؛ وذلك أنَّهم قالوا: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة (^١).
وأمَّا المالكيَّة والشافعيَّة فبينهم تقارب في الجملة، وإن كان المالكيَّة أوسع من الشافعيَّة لما تقدم من قول المالكيَّة بالجمع في المرض إن خشي الإغماء، وقولهم أيضًا: يجوز الجمع بالطين مع الظلمة (^٢). والله أعلم.